الاعلاميه شرين سيف تكتب: “بسنت سليمان والعدالة الغائبة”

(ملف آليات النفقة والهروب خارج البلاد في قانون الأسرة)
مأساة بسنت سليمان: جرس إنذار لمجتمع بأكمله
لم تعد حوادث الانتحار مجرد وقائع فردية عابرة، بل أصبحت مؤشرًا خطيرًا على خلل عميق في بنية المجتمع، خاصة عندما تكون الضحية فتاة في مقتبل العمر مثل بسنت سليمان. هذه الواقعة ليست فقط قصة مأساوية، بل صرخة مدوية تكشف تقصيرًا جماعيًا يبدأ من الأسرة ولا ينتهي عند مؤسسات الدولة.
الأسباب: ضغوط نفسية وعزلة قاتلة
تتعدد الأسباب وراء مثل هذه الحوادث، لكنها غالبًا ما تدور في فلك:
ضغوط نفسية حادة دون وجود متنفس أو دعم
غياب الاحتواء الأسري الحقيقي
مشاكل اجتماعية واقتصادية متراكمة
الشعور بالعزلة وفقدان الأمان
هذه العوامل، حين تجتمع، قد تدفع أي إنسان إلى حافة الانهيار، خاصة في غياب منظومة دعم فعّالة.
مسؤولية الدولة: أين الخلل؟
حادثة بهذا الحجم تفرض ضرورة فتح تحقيق شامل وموسع يشمل جميع الجهات المعنية، وعلى رأسها ، إلى جانب:
وزارة التضامن الاجتماعي
وزارة الصحة (خدمات الصحة النفسية)
وزارة التعليم
الجهات الأمنية
هذا التحقيق يجب أن يُجيب بوضوح:
هل كانت هناك إشارات خطر تم تجاهلها؟
هل توجد آليات دعم نفسي فعّالة ويمكن الوصول إليها؟
أين دور المؤسسات في الوقاية قبل وقوع الكارثة؟
الأب الغائب: مسؤولية لا تسقط
لا يمكن تجاهل أحد أخطر الأسباب غير المباشرة: تخلي بعض الآباء عن مسؤولياتهم.
الأبوة ليست لقبًا، بل التزام يومي مادي ونفسي. والتقصير في هذا الدور، سواء بالإهمال أو الغياب أو التخلي عن الدعم، قد يكون عاملًا حاسمًا في تدمير التوازن النفسي للأبناء.
المساءلة والمحاسبة
يجب أن يشمل التحقيق:
محاسبة قانونية لكل أب يثبت تقصيره الجسيم
تقييم دوره في حياة الأبناء، خاصة في الحالات التي يظهر فيها إهمال واضح
إلزام المقصرين ببرامج تأهيل أسري ونفسي
النفقة: حق قانوني لا يقبل التهاون
الإنفاق على الأبناء ليس خيارًا، بل واجب قانوني ملزم. ومع ذلك، يتعمد بعض الآباء التهرب من دفع النفقة، مما يضع الأبناء تحت ضغط نفسي واقتصادي شديد.
العقوبات القائمة
القانون المصري ينص على:
الحبس
الغرامات
الحجز على الممتلكات
المنع من السفر
لكن المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف التنفيذ أو التحايل على القانون.
ما المطلوب؟
تغليظ العقوبات على الممتنعين عن النفقة
تسريع إجراءات التقاضي
تنفيذ فوري للأحكام دون تأخير
إنشاء قاعدة بيانات للمتهربين
ربط الالتزام بالنفقة بالخدمات الحكومية
الهروب خارج البلاد: ثغرة قانونية خطيرة
يلجأ بعض الآباء إلى مغادرة مصر هربًا من أحكام النفقة، مستغلين ضعف آليات التنفيذ الدولي.
هذه الظاهرة تمثل تهديدًا مباشرًا لحقوق الأطفال، وتكشف عن فجوة تشريعية واضحة.
الحلول المقترحة
اعتبار الهروب خارج البلاد للتهرب من النفقة جريمة مشددة
تفعيل المنع من السفر فور صدور الحكم
توسيع التعاون القضائي الدولي لتنفيذ الأحكام
إدراج المتهربين في قوائم الملاحقة الدولية عند الضرورة
ربط الخدمات القنصلية (مثل تجديد جواز السفر) بالالتزام بالنفقة
تجميد الأصول والتحويلات المالية داخليًا وخارجيًا
دور المؤسسات: مسؤولية مشتركة
يتطلب الوضع تنسيقًا حقيقيًا بين:
وزارة العدل
وزارة الخارجية
لضمان أن الهروب خارج الحدود لا يعني الهروب من المسؤولية.
الحلول المجتمعية: الوقاية قبل العقاب
إلى جانب الردع القانوني، هناك ضرورة لبناء منظومة وقائية:
نشر الوعي بالصحة النفسية
توفير خطوط دعم مجانية وسهلة الوصول
إدماج الدعم النفسي داخل المدارس
تدريب الأسر على الاحتواء والتواصل
نداء عاجل
إلى كل مؤسسات الدولة، الإعلام، الأسرة، والمجتمع:
راقبوا… استمعوا… تدخلوا قبل فوات الأوان.
لأن كل حالة انتحار ليست خسارة فرد… بل فشل جماعي.
الخلاصة
مأساة بسنت سليمان ليست نهاية قصة… بل بداية مواجهة حقيقية مع أزمات مسكوت عنها.
الإهمال الأبوي، التهرب من النفقة، غياب الدعم النفسي، وضعف التنفيذ القانوني—كلها عوامل تتقاطع لتصنع كارثة.
المطلوب الآن ليس التعاطف فقط…
بل تحقيقات حقيقية، قوانين أكثر صرامة، وتنفيذ لا يعرف التهاون.
قبل أن نخسر المزيد



