فائض الضغط ..عقل مُنهك

بقلم الاعلامية صفاء مهنا

هل تعرف ما هو أخطر أنواع الانهيار؟

أن يستمر الإنسان بالعمل،

أن يبدو ناجحًا من الخارج، حاضرًا في الاجتماعات، ملتزمًا بالمواعيد، ينجز المطلوب منه يوميًا… بينما داخله يستهلك آخر ما تبقى من طاقة.

ففي السنوات الأخيرة، أصبح الضغط المستمر أسلوب حياة أكثر من كونه ظرفًا مؤقتًا. العمل بلا توقف، الملاحقة الدائمة للإنجاز، وتحويل الإرهاق إلى دليل على الطموح… كلها أمور صنعت جيلًا كاملًا يستهلكه ضغط العمل ليتحول الى ظاهرة تضرب قطاع الأعمال والمؤسسات وحتى أصحاب المشاريع الناجحة.

اليوم، لا تسقط الشركات فقط بسبب المنافسة أو نقص التمويل، بل أحيانًا بسبب عقل مُنهك اتخذ القرار الخطأ في اللحظة الخطأ.

في السياق إليكم هذه القصة،عام 2019، كانت شركة W Wo” واحدة من أكثر الشركات صخبًا في عالم الأعمال.

قُدّرت قيمتها السوقية بـ47 مليار دولار، وتحول مؤسسها إلى نموذج يُقدَّم بوصفه “ستيف جوبز الجديد”.

لكن بعد أقل من عام واحد فقط، تغيّرت الصورة بالكامل.

خسرت الشركة نحو 39 مليار دولار، أُلغي طرحها العام، وأُقيل قائدها ، وكادت الشركة أن تنهار نهائيًا.

في البداية، اعتقد كثيرون أن الأزمة مرتبطة بنموذج العمل أو بالإدارة المالية، لكن التقارير الداخلية تحدثت عن جانب أكثر حساسية:

قرارات متسرعة، تقلبات حادة، إنفاق غير عقلاني، فقدان للتركيز، توتر دائم، وعزلة داخل الفريق القيادي.

المشكلة لم تكن في السوق وحده،

بل في عقل مُرهق كان يتخذ القرارات المصيرية.

وهنا تظهر الحقيقة التي بدأت الشركات الكبرى تدركها بوضوح:

“العقل المنهك قد يُفلس مؤسسة كاملة.”

المعادلة القديمة للنجاح كانت بسيطة:

اعمل أكثر… تحمّل أكثر… اشتكِ أقل.

 

أما اليوم، فقد تغيّرت تمامًا:

وضوح ذهني، استقرار نفسي،طاقةمستدامة يعني قرارات أفضل ونمو حقيقي.

فالشركات الحديثة لم تعد تدفع الأموال مقابل الوقت فقط، بل مقابل جودة التفكير، والقدرة على اتخاذ القرار، والعمل تحت الضغط دون فقدان التوازن.

ولهذا لم يعد الاحتراق النفسي قضية شخصية أو رفاهية عاطفية، بل أصبح ملفًا اقتصاديًا وإداريًا من الدرجة الأولى.

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن الاكتئاب والقلق المرتبطين بضغط العمل يكلفان الاقتصاد العالمي سنويًا ما يقارب تريليون دولار بسبب انخفاض الإنتاجية والغياب الوظيفي.

أما الأخطر، فهو أن جزءًا كبيرًا من الخسائر داخل المؤسسات لا يرتبط بقلة الكفاءات، بل بوجود بيئات عمل تستنزف الإنسان نفسيًا حتى يفقد تركيزه وقدرته على التفكير السليم.

فالعقل المنهك لا يتوقف عن العمل،

لكنه يتوقف تدريجيًا عن الرؤية الواضحة.

لذلك يتم التركيز موخرا على :return on Investment – RO

بروتوكول الـ ROI النفسي:

1-ساعة العمق — Deep Work

خصص ساعة واحدة يوميًا بلا هاتف، بلا اجتماعات، وبلا إشعارات.

ساعة واحدة فقط من التركيز الكامل قد تصنع فرقًا حقيقيًا في طريقة التفكير واتخاذ القرار حيث يعتبر وقت التركيز العميق أهم أصل إنتاجي.

2-: يوم راحة رقمي

 

اختر يومًا أسبوعيًا تنفصل فيه عن سيل الإشعارات ورسائل العمل والسوشيال ميديا.

 

العقل ليس آلة تعمل بلا توقف،

وأحيانًا يحتاج الإنسان إلى مساحة هادئة ليستعيد قدرته على التفكير بوضوح.

 

التجارب الحديثة داخل بعض الشركات العالمية أثبتت أن تقليل الضغط الرقمي لا يخفض الإنتاجية كما يعتقد البعض، بل قد يرفعها بشكل ملحوظ،

فالقرارات الأسوأ غالبًا لا تُتخذ بسبب نقص المعلومات،

بل بسبب فائض الضغط.

في عالم يتحرك بسرعة هائلة، أصبح الإنسان يستهلك أعصابه كما يستهلك وقته، ويستهلك طاقته كما يستهلك بطارية هاتفه، دون أن ينتبه أن ما ينفد فعليًا هو قدرته على الاستمرار.

والاحتراق النفسي لا يبدأ بانهيار مفاجئ، بل يبدأ تدريجيًا:

قلة تركيز، فقدان شغف، تعب دائم، قرارات متسرعة، ثم نسخة باهتة من الإنسان نفسه.

ورغم أن الضغط جزء طبيعي من أي نجاح، إلا أن المشكلة تبدأ حين يتحول إلى أسلوب حياة دائم.

ولهذا، لم تعد العناية بالعقل رفاهية، بل ضرورة مهنية وإنسانية.

فالنجاح الحقيقي ليس أن تصل وأنت مُنهك،

ولا أن تربح بينما تخسر نفسك في الطريق.

 

النجاح الحقيقي أن تبني، وتستمر، وتنجح… دون أن تحترق.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى