شارل فؤاد المصري يكتب : من له اذنان للسمع فليسمع

قبل عدة ايام كانت هناك حادثة اعتداء علي رئيسة قرية بحرقها داخل سيارتها أثناء تأدية عملها..و تم القبض علي مرتكب الجريمة ورئيسة القرية تتلقي العلاج اللازم في المستشفي .
ليس الحديث هنا عن الجريمة .. هناك مئات الحوادث تحدث يوميا ..والجريمة إفراز طبيعي في المجتمع رغم تغير طبيعتها .
ولكن موضوع حديثنا هو عندما تم نشر الحادثة كخبر علي وسائل التواصل الاجتماعي.. طالعت آلاف التعليقات التي جاءت مرعبة وتؤيد فكرة الانتقام بنسبة ٩٩ في المائة وهذا أمر خطير لو تعلمون ويدق ناقوس الخطر..لان الاحتقان الاجتماعي سيتحول الي برميل بارود موقوت جاهز للاشتعال.
خاصة أن الانفجارات في المجتمعات والدول لا تاتي فجاة بل هي نتاج تراكمات بطيئة من الاحتقان الذي يتغذى على تآكل الطبقة الوسطى وشعور المواطن البسيط بالعجز أمام آلة القرارات التنفيذية التي أحيانا ما تغفل “أنسنة” القوانين وتجعلها رحيمة بعيداعن قسوة موادها الجافة ومراعاة البيئة الحاضنة لها.
إن الحادثة المأساوية الأخيرة التي شهدت اعتداء عنيفا وصل إلى حد الحرق بحق رئيسة الوحدة المحلية أثناء تنفيذ قرار إزالة ليست مجرد جريمة جنائية معزولة يسهل إدانتها وتوقيع أقصى العقوبة على فاعلها وهو أمر حتمي لفرض سيادة الدولة بل هي “أعراض” لمرض أعمق وأخطر يوجب علينا جميعا كتابا وباحثين وصناع قرار أن ندق ناقوس الخطر وبأعلى صوت.
​ الحادث يمثل تحولا نوعيا في سلوك الجريمة المجتمعية فهو يعكس حالة من “الاحتقان النفسي والاجتماعي” المكتوم الذي تحول لدى البعض إلى طاقة عنف أعمى لا ترى في الموظف التنفيذي سوى خصم مباشر وتتناسى أنه مجرد أداة لتطبيق القانون.
​ولتحليل هذا المشهد وتفكيك مسبباته يتعين علينا تحليل المشهد والتعليقات التي جاءت علي الخبر وأولها :
​ غياب ” الرحمة ” في القوانين وجفاف الخطاب التنفيذي مع ان
​القانون عندما تم وضعه كان لحماية المجتمع وتنظيم حياته وليس لترويعه.
حينما يجري التعامل مع ملفات تمس الأمن الإنساني وأمن المواطن المباشر مثل السكن وبذات الجفاف البيروقراطي الذى تدار به المعاملات الورقية نكون أمام فجوة خطيرة.
إن إزالة سقف يأوى أسرة دون دراسة اجتماعية مسبقة أو توفير بدائل فورية يخلق حالة من اليأس المطلق.
واليأس هو الوقود الأول للعنف والتطرف فمن يشعر أنه سيفقد كل شيء في لحظة يصبح مهيأ لارتكاب أي شيء.
​وثانيها تآكل قنوات الوساطة الاجتماعية والسياسية
​في العقود الماضية كانت هناك “ممتصات صدمات” داخل القرى والمدن متمثلة في القيادات الطبيعية في المجالس المحلية والنواب الذين يمارسون دورا حقيقيا في الوساطة بين المواطن والدولة لتأجيل قرار أو تقنين وضع أو إيجاد مخرج إنساني رحيم.
غياب هذه النخب والوساطات وتحول العلاقة بين الدولة والمواطن إلى مواجهة مباشرة وجها لوجه في الشارع بين بلدوزر الإزالة والمواطن الغاضب يرفع من احتمالية الصدام العنيف ويسقط هيبة القانون في وحل الشجار الفردي.
​وثالث هذه الأمور خطورة استسهال العنف كأداة للتعبير
​لان أخطر ما في الحادثة هو محاولة البعض في الفضاء الافتراضي إيجاد “مظلمة مبررة” للجاني.
هنا يكمن الخطر الأكبر إذ إن قبول العنف أو التماس الأعذار لجريمة حرق موظف عام هو مؤشر على اهتزاز السلم المجتمعي وتراجع قيمة “دولة المؤسسات” لصالح “قانون الغاب”.
إذا سمح لهذا المنطق بالانتشار فلن يأمن أى موظف أو طبيب أومهندس أو ضابط أثناء تأدية عمله وستتحول الوظيفة العامة إلى مهنة محفوفة بالمخاطر.
فرض هيبة الدولة وسيادة القانون أمر لا يقبل المساومة والقصاص العادل والسريع من الجناة ضرورة لحفظ أمن المجتمع.
ولكن بالتوازي مع القبضة القانونية الحازمة تحتاج الدولة إلى “مشرط جراح” اجتماعي واقتصادي يتعامل مع جذور الاحتقان.
​يتعين على الأجهزة التنفيذية إعادة النظر في آليات تنفيذ القرارات التي تمس عصب الحياة اليومية للمواطن البسيط.
نحتاج إلى تفعيل شبكات الأمان الاجتماعي بشكل أكثر مرونة ونحتاج إلى إعلام يمارس دورا توعويا حقيقيا يربط بين فلسفة القرار وحياة الناس.
وقبل كل شيء نحتاج إلى استعادة انسانية القوانين فالقانون الصارم يحتاج دائما إلى يد رحيمة توجهه وتنفذه حتى لا يتحول الامتثال له من واجب وطني إلى مأساة إنسانية تلد العنف من رحم اليأس.
ملحوظة : مرفق عينة من التعليقات علي الحادث المذكور .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى