” ألغاز تاريخية ” .. أسير بريطاني وقهوة ألمانية

كتبت سوزان مرمر

مرحبا بكم أعزائي القراء في ساحات المعارك، بين القادة الألمان، وضباط المخابرات البريطانية، هنا سنرى جميعنا أن الحرب لا تعتمد على القتل فحسب، بل أحياناً تكون مجرد لعبة للتسلية، لا بندقية، لا دبابات، لا جنود، فقط.. جهاز لاسلكي.

 

 

أطفئ الضوء، احتسِ الماء، ولنذهب إلى العام ١٩٤٢، وتحديداً لنحط الرحال في هولندا، أنت الآن تنظر إلى مظلي بريطاني يهبط من بين الغيوم، سأعرفك عليه أكثر، إنه المظلي وعامل اللاسلكي البريطاني ( هوبيرت لاوز )، مسكين ما أراد مساعدة بلده في الحرب، ولكن انظر هناك إلى الجهة الثانية، هل عرفته؟ نعم صحيح، إنه الضابط العبقري ( هيرمان جيسكيس ) الذي يعمل في المخابرات الألمانية ( Abwehr )، وسترى معه عدة جنود ينصبون كميناً للمظلي المسكين، لا تخشَ من هيرمان، فهو ضابط يهوى اللعب لا القتل، لكنه يلعب لعبة الحرب، لعبة دون رصاص، لذلك إن ألقى القبض عليك لا تهتم، ستكون بيدقاً في حلبة الشطرنج فحسب.. لكن ربما سيرسلك لاحقاً إلى معسكرات الاعتقال.

 

 

عندما صادر ( جيسكيس ) جهاز اللاسلكي الخاص بـ ( لاوز )، كان لطيفاً معه على غير المعتاد من ضابط ألماني مخضرم، بل وأصر عليه أن يرسل التالي لقيادته قائلاً: أعذرني سيد لاوز، لكن أعتقد أن قادتك ينتظرون منك رسالة اطمئنان، أرجو منك إرسال هذه الرسالة وإخبارهم أنك بخير.. فقط أنك بخير دون تفاصيل إضافية سيد لاوز، وإلا…

 

 

 

 

هو ذكي، لكن أنا أذكى:

ضع يدك بيدي، ولنتوجه معاً إلى أحد أقبية التحقيق الألمانية، لماذا وجهك عابس؟ لن تكون أكثر عبوساً من لاوز وصدمته..

 

 

( لاوز ) ليس مجرد عامل لاسلكي، بل هو عبقري ومحترف في عمله، يعلم أن هناك ( شيفرة أمان ) ستساعده، أو على الأقل ستساعد رفاقه بعدم القدوم إلى هولندا، وهذه الشيفرة عبارة عن إضافة أخطاء في الرسالة المرسلة عمداً، أخطاء لا يمكن لمحترف تلقى تدريباً عالياً مثل ( لاوز ) أن يقع بها، ومجرد وصول رسالة متضمنة لأخطاء الهواة، سيعلم القادة في لندن أن ( لاوز ) وقع في الأسر، ولكن الجواب الصاعق الذي وصل ( لاوز ) ربما كاد أن يجعله يطلق النار على نفسه وقيادته بأكملها، الرد كان: “رسائلك غير دقيقة يا لاوز، انتبه لعلامات الأمان في المرة القادمة!”. كثرة شرب الشاي الإنكليزي تؤثر بشكل ما على العقل، لذا يرجى عدم الإكثار منه أعزائي القراء، وحالة الحرب، يرجى شرب القهوة فقط.

 

 

جيسكيس وصلته هدية على طبق من ألماس، ( كاتولوج ) الشيفرات السرية للمخابرات البريطانية، ماذا قد يطلب ضابط من خصمه أكثر من ذلك؟

 

 

 

 

العرض مستمر:

أطلقت المخابرات الألمانية على هذه العملية اسم ( لعبة إنكلترا – Englandspiel )، لعبة استمرت لعامين كاملين، تحول بها مكتب ( جيسكيس ) إلى موقع تصوير، وأصبح ( جيسكيس ) مخرجاً لواحدة من أكثر المسرحيات الحربية غرابة في العالم.

 

 

كانت لندن ترسل لجهاز ( لاوز ) رسائل دائمة ومتكررة: “هل نحتاج إلى مزيد المظليين؟”، و( جيسكيس ) يجيب طبعاً من مكتبه الفخم وهو يضحك: “نعم أرسلوا المزيد إلى الحقل رقم 4، المقاومة بانتظارهم”. ( جيسكيس ) حدد الوقت والموقع، وكل ما عليه فعله هو انتظار المظليين للهبوط بين يديه، وطبعاً يهبط المظلي ليجد كتيبة ألمانية بانتظاره، و( جيسكيس ) يحمل القهوة: “اشربوا القهوة، مرحباً بكم”، كان جيسكيس يلعب اللعبة بمتعة وسخرية جعلته حقاً يقدم القهوة للأسرى لإذلالهم وإذلال قيادتهم أكثر.

 

 

حصيلة ما حصل عليه ( جيسكيس ) من مجرد جهاز لاسلكي: ٥٤ مظلياً من النخبة وقعوا في الأسر. ١٢ طناً من المتفجرات. مبالغ ضخمة من العملات الصعبة. معلومات مهمة للألمان.

 

 

 

الهروب الكبير:

في نهاية عام ١٩٤٣، استطاع اثنان من الجنود البريطانيين الهروب من معسكرات الاعتقال، والانتقال إلى سويسرا، ثم الهروب بطريقة ما إلى لندن، وهناك كانت الصدمة.. “توقفوا! كل شيء فخ، جيسكيس يدير الجهاز والشبكة بالكامل”.

من الصعب أن تعلم أنك وقعت في الفخ، لكن الأصعب أن تعلم أنك وقعت به لأنك غبي فحسب! الجنود، المتفجرات، شبكة المقاومة الهولندية، الأموال.. كلها ذهبت دون رجعة، وتم اختراق لندن بالكامل لمدة عامين من مكتب صغير وضابط واحد وجهاز لاسلكي بريطاني الصنع.

 

 

 

النبيل المحترم:

حين سقط الستار، أيقن ( جيسكيس ) أن الأوان قد حل لينهي هذه المسرحية، ولكن كرجل نبيل محترم، اختار تاريخ الأول من أبريل، وأرسل عبر نفس الجهاز الرسالة التالية بصوته وبلكنة ألمانية واضحة هذه المرة: إلى السادة في المخابرات البريطانية ( ذكر أسماء القادة واحداً تلو الآخر )، لقد حاولتم القيام بأعمال في هولندا دون وسيط ( يقصد عمليات الحرب والاحتيال )، ونحن نأسف لإبلاغكم أننا نغلق مكتبنا اليوم ( انتهاء المهمة )، شكراً لثقتكم الكبيرة، فقد كانت إقامتنا معكم ممتعة جداً. ( دليل على مدى اختراقه للمخابرات البريطانية ).

 

صفعة قوية للمخابرات البريطانية التي عرفت بدقتها، صفعة تاريخية صراحة لن، ولم ينساها جهاز المخابرات ولا حتى ضباطهم وقادتهم لليوم.

 

 

تذكر أن الغباء ليس مشكلة في السياسة، لكنه مشكلة عظيمة في الحرب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى