رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن حسن المعاملة مع الناس

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن حسن المعاملة مع الناس
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن قضيةَ “حُسنِ التعاملِ مع الناس” ليست مجردَ مهاراتٍ اجتماعيةٍ (Social Skills) يُلقنها مدربو التنمية البشرية، بل هي في ديننا “عقيدةٌ وشريعة”، هي “فقهٌ وأدب”، هي العبادةُ المتعديةُ التي يتجاوزُ نفعُها الذاتَ لتصلَ إلى ملاحمِ الحياة اليومية.
إنَّ بناءَ الجسورِ مع البشر يحتاجُ إلى هندسةٍ ربانيةٍ تستمدُّ قوتَها من الوحيِ وتطبيقاتِ النبوة.
الأصلُ الشرعي والفلسفي لحُسن الخلق.
إنَّ حُسنَ التعاملِ مع الناس ينطلقُ من رؤيةٍ شرعيةٍ تجعلُ التعاملَ مع الخَلقِ بابًا للوصولِ إلى الخالق. فالإنسانُ في المنظور الإسلامي مكرَّمٌ لذاتِه، والتعاملُ معه بالمعروف هو محضُ امتثالٍ لأمر الله.
● الارتباطُ الوثيقُ بين الإيمانِ وحُسنِ التعامل.
لقد ربطَ اللهُ عز وجل بين تقواه وبين اللينِ مع البشر، فلا خيرَ في عابدٍ فظٍّ، ولا في زاهدٍ غليظِ القلب.
قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [ آل عمران، رقم : ١٥٩].
وفي السُّنةِ المطهرة, نجدُ أنَّ حُسنَ الخلقِ هو معيارُ كمالِ الإيمان؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلقًا، وخيارُكم خيارُكم لنسائهم» <أخرجه أبو داود (4682) مختصراً، وأخرجه الترمذي (1162) باختلاف يسير وبزيادة في آخره، وأحمد (7402) باختلاف يسير>.
المرتكزاتُ العمليةُ لحُسنِ التعاملِ (منهجيةُ البناء)
إنَّ التعاملَ مع الناسِ فنٌّ يحتاجُ إلى أدواتٍ واضحة، أولها “الكلمةُ” وآخرها “الصبرُ على الأذى”.
● أولًا: سحرُ الكلمةِ الطيبةِ وأثرُها النفسي
الكلمةُ هي المفتاحُ الأول للقلوب، وبها تُفتحُ مغاليقُ النفوسِ المستعصية.
قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [ إبراهيم، رقم : ٢٤].
وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقوا النَّارَ ولو بشقِّ تمرةٍ، فمن لم يجد فبكلمةٍ طيِّبةٍ» <أخرجه البخاري (6540)، ومسلم (1016)، والنسائي (2553)>.
• أدبُ الخطابِ مع المخالفين
حتى في مقامِ الجدالِ أو الخصومة، أمرَ الإسلامُ بالرقيِّ في القول.
قال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ [ الإسراء، رقم : ٥٣].
● ثانيًا: طلاقةُ الوجهِ والتبسمُ (الرسائلُ غير اللفظية)
الوجهُ هو مرآةُ النفس، والبشاشةُ هي الرسالةُ الصامتةُ التي تقولُ للآخر: “أنتَ في أمانٍ معي”.
قال سبحانه مُثنيًا على عباده الذين لا يريدون علوًا: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [ لقمان، رقم : ١٨].
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تَحقِرَنَّ مِنَ المعروفِ شيئًا، ولو أنْ تَلْقَى أخاكَ بوجهٍ طَلْقٍ» <أخرجه مسلم برقم 2626>.
فقهُ التعايشِ وضوابطُ العلاقاتِ الاجتماعية
لا يستقيمُ حالُ المجتمعِ إلا إذا قامتِ التعاملاتُ على أركانٍ متينةٍ من التغافلِ، والتماسِ الأعذار، وكفِّ الأذى.
● قاعدةُ التغافلِ والصفحِ الجميل
البحثُ عن عيوبِ الناسِ يُفسدُ الود, بينما التغافلُ هو شيمةُ النبلاء.
قال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [ الحجر، رقم : ٨٥].
والصفحُ الجميلُ هو الذي لا عتابَ فيه ولا توبيخ.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليقلْ خيرًا أو ليصمتْ، ومَن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليكرمْ جارَه، ومَن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليكرمْ ضيفَه» <أخرجه البخاري برقم 6018، ومسلم برقم 47>.
● العدلُ والإنصافُ في التعامل
أن تُعطيَ الناسَ حقوقَهم ولو كنتَ كارهًا لهم، فهذا هو جوهرُ الرقيِّ الفقهي والأخلاقي.
قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [ المائدة، رقم : ٨].
• إفشاءُ السلامِ وإذابةُ الجليد
السلامُ ليس مجردَ تحية، بل هو إعلانُ سلمٍ وأمانٍ للطرفِ الآخر.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: «تُطعمُ الطَّعامَ، وتَقْرأُ السَّلامَ على مَن عرَفْتَ ومَن لَمْ تَعْرِفْ» <أخرجه البخاري برقم 12، ومسلم برقم 39>.
الآثارُ المترتبةُ على حُسنِ التعاملِ (الثمارُ والمآلات)
إنَّ الثمرةَ المرجوةَ من حُسنِ الخلقِ تتجاوزُ الدنيا إلى مراتبَ عُليا في الآخرة.
● القربُ من مجلسِ النبي صلى الله عليه وسلم
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكم أخلاقًا، وإنَّ أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ الثَّرثارونَ والمتشدِّقونَ والمتفيهقونَ. قالوا: يا رسولَ اللهِ، قد علِمنا الثَّرثارينَ والمتشدِّقينَ، فما المتفيهقونَ؟ قال: المتكبِّرونَ» < أخرجه الترمذي برقم 2018، وصححه العلماء>.
● ثقلُ الميزانِ يومَ العرض
عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من شيءٍ أثقلُ في ميزانِ المؤمنِ يومَ القيامةِ من خُلقٍ حسَنٍ، وإنَّ اللهَ ليُبغِضُ الفاحشَ البذيءَ» <أخرجه أبو داود (4799)، وأحمد (27517) مختصراً، والترمذي (2002) باختلاف يسير، وقال: حديث حسن صحيح>.
إنَّ حُسنَ التعاملِ ليس شعاراتٍ تُرفع، بل هو مجاهدةٌ للنفسِ وكسرٌ لغرورِها. ولتحقيقِ ذلك نوصي بالآتي:
• أولًا: مراقبةُ اللسانِ وتدريبُه على القولِ الحسن.
• ثانيًا: تدريبُ النفسِ على سعةِ الصدرِ واحتمالِ أذى الناس؛ فالمؤمنُ الذي يخالطُ الناسَ ويصبرُ على أذاهم خيرٌ من الذي لا يخالطُهم ولا يصبرُ على أذاهم.
• ثالثًا: الاقتداءُ بالسيرةِ النبويةِ في تفاصيلِها الدقيقة، كيف كان يُعاملُ الخادمَ، والمرأةَ، والطفلَ، وحتى العدو.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [ الأحزاب، رقم : ٢١].
إنَّ حُسنَ التعاملِ مع الناس ليس مجردَ زينةٍ يتجملُ بها المرءُ في المحافل، بل هو جوهرُ الدين، وثمرةُ العبادةِ الحقة، برهانُ الإيمانِ الصادق. فالمؤمنُ كالغيثِ أينما وقع نفع، وكالحريرِ في ملمسِه، لا يؤذي جارًا، ولا يكسرُ قلبًا، ولا يشمتُ بخصم. إننا بحاجةٍ ماسةٍ لإعادةِ صياغةِ علاقاتِنا الإنسانيةِ على مائدةِ الوحي، لنبنيَ مجتمعًا متراحمًا يتجاوزُ عن الزلات، ويقيلُ العثرات، ويجعلُ من رقيِّ الأدبِ جسرًا يَعبرُ به إلى جناتِ النعيم. فاستبِقوا الخيراتِ بطيبِ الكلمات، وحُسنِ الصنيع، ولينِ الجانب، فما دخلَ الرفقُ في شيءٍ إلا زانه، وما نُزع من شيءٍ إلا شانه.
نسألُ اللهَ عز وجل أن يُحسّنَ أخلاقَنا كما حسَّنَ خَلقَنا، وأن يجعلَنا ممن يمشونَ على الأرضِ هونًا، وإذا خاطبَهم الجاهلون قالوا سلامًا.
اللهم يا حيُّ يا قيوم، يا ذا الجلالِ والإكرام، يا من وسعتْ رحمتُه كلَّ شيء، أصلحْ لنا شأنَنا كلَّه، وزيّنْ بواطنَنا بالتقوى، وظواهرَنا بحُسنِ الأدب. اللهم كما حسَّنتَ خَلقَنا فحسّنْ أخلاقَنا، واجعلنا من أولي الألبابِ الذين يستمعون القولَ فيتبعون أحسنَه.
اللهم ارزقنا لسانًا ذاكرًا، وقلبًا خاشعًا، ونفسًا لينةً هينةً سهلةً قريبًا من الناس. اللهم طهّرْ قلوبَنا من الغلِّ والحقدِ والحسدِ والكبر، واجعلنا للمؤمنين أذلةً، وللمستضعفين نصرةً، وللمحتاجين غياثًا. اللهم اجعلنا مفاتيحَ للخيرِ مغاليقَ للشر، وهبْ لنا حكمةً نضعُ بها الأمورَ في نصابِها، وصبرًا نحتملُ به أذى الناسِ ونعفو عنهم ابتغاءَ مرضاتِك.
اللهم إنّا نعوذُ بك من فظاظةِ القلب، ومن غلظةِ القول، ومن سوءِ الخُلق. اللهم اهدِنا لأحسنِ الأخلاقِ لا يهدي لأحسنِها إلا أنت، واصرفْ عنا سيئَها لا يصرفُ عنا سيئَها إلا أنت




