هروب إلى الأمام: هل تدفع المنطقة ثمن “النجاة” السياسية لنتنياهو؟

بقلم: أحمد عادل
باحث في الشؤون الجيوسياسية والاستراتيجية
بين أروقة المحاكم المكتظة بملفات الفساد في تل أبيب، ودوي الانفجارات التي تضرب العمق الإقليمي، يبرز خيط رفيع يربط بين المصير الشخصي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وخريطة النار المستعرة من غزة إلى لبنان، وصولاً إلى المواجهة المباشرة مع طهران. إن قراءة المشهد الراهن بمعزل عن “نظرية الإلهاء” السياسي هي قراءة قاصرة؛ إذ تشير المعطيات الجيوسياسية إلى أن المنطقة تحولت إلى مسرح لمناورة استراتيجية كبرى، تهدف إلى إعادة تدوير “المتهم” في الداخل ليصبح “بطلاً قومياً” عابراً للحدود.
تصدير الأزمة: من “قفص الاتهام” إلى “غرفة العمليات”
تواجه الحكومة الإسرائيلية مأزقاً بنيوياً تحت وطأة قضايا الرشوة والاحتيال الشهيرة (1000، 2000، و4000). هذه الملفات لم تكن مجرد عبء قانوني، بل تحولت إلى تهديد وجودي لمستقبل نتنياهو السياسي. من منظور استراتيجي، يمثل التصعيد العسكري الحالي محاولة لـ “صناعة مجد بديل”؛ حيث يُستبدل الجدل الشعبي حول “خيانة الأمانة” بضجيج المعارك حول “أمن الدولة”. يطبق نتنياهو هنا قاعدة سياسية كلاسيكية: “لا يُستبدل القائد وسط العاصفة”، محولاً الحرب من خيار أمني اضطراري إلى “طوق نجاة” قانوني وسياسي.
الجيوسياسة الوظيفية: “فخ طهران” واستنزاف الجوار
الربط بين التصعيد مع إيران والأهداف التوسعية الإسرائيلية يتجاوز الصدفة الجغرافية؛ فهو يعكس استراتيجية محكمة تحقق وظيفتين حيويتين لليمين الإسرائيلي:
الاستنزاف الاقتصادي والمقايضة الأمنية: إن الإبقاء على “الخطر الإيراني” في حالة غليان دائمة يضع دول المنطقة في حالة استنفار تكنولوجي وعسكري يستنزف الفوائض المالية التي كانت مخصصة لمشاريع التنمية الكبرى. هذا الاستنزاف يضمن بقاء إسرائيل كقطب مهيمن تكنولوجياً، ويحول دون نشوء قوى إقليمية قادرة على كسر التوازن الجيوسياسي القائم.
ستار “إسرائيل الكبرى”: تحت ذريعة تقويض “أذرع إيران”، تتحرك الآلة العسكرية لتغيير الوقائع الجغرافية في سوريا ولبنان والضفة الغربية. هذا التوغل ليس مجرد رد فعل أمني، بل هو تنفيذ هادئ لسياسة قضم الأراضي، حيث يُستخدم الصراع مع طهران كغطاء شرعي لتمرير مشروع “إسرائيل الكبرى” عبر فرض سياسة الأمر الواقع وسط انشغال العالم بالتهديدات النووية والصاروخية.
هندسة الوعي: غسيل السمعة عبر “البطولات” الاستخباراتية
يسعى نتنياهو اليوم لمحو الذاكرة الجمعية المتعلقة بفضائح الهدايا الثمينة أو تسريبات صفقات الغاز المشبوهة، من خلال تسويق “الانتصارات التكتيكية” والعمليات الاستخباراتية النوعية في العمق العربي. استراتيجياً، يهدف هذا السلوك إلى خلق حالة من “الهيستيريا القومية” تجعل من استمرار محاكمته فعلاً يقترب من “الخيانة العظمى” في وقت تخوض فيه الدولة حرب وجود. وبذلك، تتحول الجبهات المشتعلة إلى “دروع سياسية” تحمي منصبه وتؤجل لحظة الحساب القضائي.
فاتورة النجاة الشخصية
يكشف الواقع الجيوسياسي المرير أن الشعوب هي التي تدفع الفاتورة الأكبر لهذه المناورات؛ إذ يتم تدمير البنى التحتية وتبديد فرص الاستقرار الإقليمي لصالح أجندات شخصية. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد صراع حدود أو عقائد، بل هو “هندسة أزمات” متقنة، تهدف لخدمة طموح فردي قرر الهروب من مطرقة القانون إلى صخب ساحات الحرب.
لقد نجح نتنياهو حتى الآن في تدويل مأزقه الشخصي وتحويله إلى أزمة إقليمية، ولكن يبقى السؤال الجوهري: هل تصمد هذه “الانتصارات التكتيكية” أمام “الهزيمة الاستراتيجية” المتوقعة داخل المجتمع الإسرائيلي المأزوم؟ إن التاريخ يخبرنا أن الانفجار الداخلي غالباً ما يبدأ حينما تصمت المدافع وتنكشف الحقيقة عارية أمام الشعوب.



