سهله المدني تكتب: عقولهم مختلفة

في بداية الاهتمام بالقراءة، كان البحث منصبًّا على كاتبٍ احبّ متابعة أعماله، كاتبٍ يعبّر عمّا يكتبه بعمق. وكان هناك شغف خاص بمتابعة كُتّابٍ من فتراتٍ زمنيةٍ سابقة، لا سيما من الأربعينيات والستينيات من القرن الماضي، بدافع الفضول لمعرفة كيف كانوا يفكّرون، وماذا يكتبون، وما الذي أوصلهم إلى تلك المكانة.

لكن كانت الصدمة في اكتشاف أن بعض الكُتّاب في تلك الفترات كانوا يكتبون عن أشخاصٍ حقيقيين من واقعهم. وهذا يطرح فكرة مهمة: عندما يمرّ الإنسان بتجربة في حياته، سواء كانت فشلًا، أو حبًّا غير مكتمل، أو أي تجربة شخصية أو استثمار فاشل في العمل ، ثم يلتقي بكاتب يهتم بهذا الجانب تحديدًا، فقد يجد نفسه مادةً تُستخدم في كتابات ذلك الكاتب.

في ظل الشهرة، يمرّ بعض الكُتّاب بظروفٍ تجعلهم أقل صبرًا أو شغفًا بالكتابة الصادقة، بسبب كثرة الانتقادات، أو وجود أشخاصٍ سلبيين في حياتهم، أو ضغوط نفسية مختلفة. ويزداد التأثير إذا كان الكاتب شديد التعلّق بجمهوره، ويسعى لإرضائه ونيل إعجابه، مما قد يدفعه لاستخدام تجارب الآخرين كمحتوى يقدّمه ويعتقد الجمهور بأنه ذكي و بأنه يدرك ما يمروا به ولكن الواقع عكس ذلك فهو يكتب ما حدث أمامه وفي واقعه ومن خلال مايراه في المجتمع الذي يعيش فيه .

وفي مثل هذه الحالة، قد يتحوّل الإنسان، دون أن يشعر، إلى مادة تُستغل في الكتابة والإعلام ، حيث تُستخدم مشاعره—حزنه وفرحه وتجربته—لجذب الجمهور وتحقيق الانتشار.

ومع ذلك، هناك كُتّاب يتحلّون بالأخلاق المهنية، فيستأذنون قبل استخدام أي تجربة شخصية، ويحترمون خصوصية الآخرين ومشاعرهم. فالكتابة عن الآخرين تتطلب وعيًا واحترامًا، خاصة إذا كانت التجارب تحمل ألمًا أو خصوصية .

لهذا، من المهم أن يكون الإنسان حذرًا في مشاركة تفاصيل حياته، خصوصًا مع من يملك القدرة على تحويل هذه التفاصيل إلى محتوى عام. فبعض الكُتّاب قد يستخدمون هذه التجارب بشكل قد يضرّ بصاحبها، أو يزيد من ألمه، أو يقدّمها بطريقة لا تعكس حقيقتها ويحول مشاعرهم إلى قصة هو من يكتب نهايتها أو بدايتها بنفسه بدون أن يكون لهم دور في معرفة ذلك لجهلهم بالواقع الذي يعيش فيه وجهلهم بنواياه الحقيقية اتجاهم .

في النهاية، تبقى الخصوصية حقًا أساسيًا، ويجب الحفاظ عليها. فالحزن والفرح تجارب شخصية، ولا ينبغي أن تكون وسيلة لزيادة شهرة الآخرين. وليس المقصود التعميم، فليس كل الكُتّاب يفعل ذلك ، ولكن الوعي ضروري في مثل هذه العلاقات ولذلك عقولهم مختلفة ويجب فهم ذلك .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى