سفارة الجزائر بتونس تحيي الذكرى الـ72 لثورة أول نوفمبر المجيدة… من ذاكرة الكفاح المشترك إلى آفاق الشراكة الاستراتيجية والتضامن مع فلسطين

بقلم : إيمان مزريقي
في أجواء وطنية ودبلوماسية مفعمة بمعاني الوفاء للذاكرة التاريخية والاعتزاز بتضحيات الشعوب في سبيل الحرية والسيادة، أحيت سفارة الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بتونس الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة التحرير الجزائرية المجيدة، التي اندلعت شرارتها الأولى في الفاتح من نوفمبر 1954، بتنظيم حفل استقبال بإشراف سعادة سفير الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لدى تونس، السيد عزوز باعلال، وبحضور عدد من الشخصيات الرسمية والسياسية والدبلوماسية وممثلي المؤسسات الوطنية وفعاليات المجتمع المدني، في مناسبة تجاوزت بعدها الاحتفالي لتتحول إلى محطة لاستحضار تاريخ مشترك من النضال والتضحية والتضامن، وتجديد التأكيد على متانة العلاقات الأخوية التي تجمع الشعبين الجزائري والتونسي.
ولعل ما يمنح هذه المناسبة خصوصيتها أن إحياء ثورة أول نوفمبر على أرض تونس ليس مجرد استذكار لحدث تاريخي جزائري، وإنما هو استحضار لمرحلة متكاملة من تاريخ المنطقة المغاربية، حين تداخلت مسارات التحرر الوطني وتشابكت تضحيات الشعوب في مواجهة الاستعمار، وأصبح استقلال الجزائر جزءاً من وجدان الكفاح التونسي، كما أصبح استقلال تونس محطة مهمة في مسار الثورة الجزائرية.
ولفهم عمق هذه العلاقة، لا بد من العودة إلى جذورها التاريخية؛ فالجزائر عاشت الاستعمار الفرنسي منذ سنة 1830، بينما فرضت فرنسا نظام الحماية على تونس سنة 1881، وهو ما جعل البلدين يعيشان تجربة استعمارية متقاربة، وإن اختلفت طبيعة النظام الاستعماري وخصوصيات المقاومة في كل منهما. وعندما اندلعت الثورة الجزائرية في الفاتح من نوفمبر 1954، كانت تونس لا تزال ترزح تحت الحماية الفرنسية، الأمر الذي جعل القضية الجزائرية مرتبطة بصورة مباشرة بالتوازنات السياسية والأمنية في تونس وبمستقبل الاستقلال التونسي نفسه.
ومع حصول تونس على استقلالها في 20 مارس 1956، اتسعت مساحة الدعم الرسمي والشعبي للثورة الجزائرية، وأصبحت الأراضي التونسية إحدى أهم القواعد الخلفية لعمل جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني، سواء من خلال تسهيل انتقال المجاهدين والإمدادات، أو إيواء اللاجئين الجزائريين، أو فتح المجال أمام النشاط السياسي والدبلوماسي للثورة، فضلاً عن مساهمة شخصيات ومناضلين تونسيين في عمليات الإسناد والتنسيق ونقل السلاح والمؤن عبر المناطق الحدودية.
وفي هذا السياق، تشير الدراسات التاريخية الجامعية إلى أن الدعم التونسي لم يكن محصوراً في الجانب الإنساني أو السياسي، بل امتد إلى الإمداد العسكري واللوجستي، وإلى مساندة الجهود الرامية لتدويل القضية الجزائرية وربطها بالمؤسسات والمنظمات الدولية. كما شكل الموقع الجغرافي لتونس منفذاً استراتيجياً مهماً للثورة، سمح باستمرار الاتصال بين القيادة الخارجية والحركة الثورية داخل الجزائر، في ظروف حاولت فيها السلطات الاستعمارية الفرنسية عزل الثورة عن عمقها المغاربي والعربي.
ومن أبرز الشواهد على ذلك احتضان تونس جانباً مهماً من نشاط الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، التي أُعلن عن تأسيسها في 19 سبتمبر 1958، ثم أصبحت تونس منذ سنة 1959 قاعدة سياسية ودبلوماسية أساسية لنشاطها، بما أتاح للقيادة الجزائرية مواصلة اتصالاتها الدولية وإدارة جانب من العمل السياسي والثوري. كذلك عكست مؤتمرات طنجة في أبريل 1958 والمهدية في جوان من السنة نفسها محاولات بناء جبهة مغاربية موحدة في مواجهة الاستعمار، على أساس أن تحرير الجزائر يمثل قضية إقليمية تتصل بمستقبل المنطقة بأسرها.
غير أن هذه المرحلة لم تكن خالية من الصعوبات والتجاذبات السياسية، إذ سجلت العلاقات بين الحكومة التونسية والحكومة الجزائرية المؤقتة بعض الأزمات والتوترات خلال الفترة الممتدة من 1959 إلى 1962، بفعل اختلاف الحسابات السياسية والدبلوماسية وتعقيدات المرحلة الاستعمارية والضغوط الفرنسية. ومع ذلك، لم تؤد تلك الخلافات إلى محو حقيقة الدعم التونسي الواسع للثورة، ولا إلى إضعاف الإرث التاريخي الذي تأسست عليه العلاقة بين الشعبين.
وتظل أحداث ساقية سيدي يوسف، يوم 8 فبراير 1958، من أكثر المحطات تعبيراً عن هذا المصير المشترك؛ ففي ذلك اليوم قصفت الطائرات الفرنسية القرية الحدودية التونسية، في سياق محاولات عسكرية لعزل الثورة الجزائرية عن عمقها التونسي ومعاقبة المناطق التي قدمت لها الدعم. وقد استشهد عشرات المدنيين التونسيين والجزائريين، من بينهم أطفال وتلاميذ، وأصيب عدد كبير من السكان. وتجدر الإشارة إلى أن الأرقام التاريخية المنشورة ليست متطابقة تماماً؛ إذ أوردت وثيقة تونسية مرفوعة إلى مجلس الأمن حصيلة بلغت 79 قتيلاً و130 جريحاً، بينما اعتمدت وكالة تونس إفريقيا للأنباء في تغطيتها لإحياء الذكرى سنة 2026 حصيلة 70 قتيلاً و148 جريحاً. ومهما اختلفت الأرقام، فإن الثابت تاريخياً أن ساقية سيدي يوسف تحولت إلى رمز لامتزاج الدم التونسي والجزائري، وإلى شاهد على أن التضامن بين الشعبين لم يكن مجرد موقف سياسي، وإنما كان تضحيات بشرية حقيقية.
وبعد استقلال الجزائر في 5 يوليو 1962، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة عنوانها تحويل التضامن الثوري إلى تعاون بين دولتين مستقلتين. وقد بدأت العلاقات تتخذ أبعاداً قانونية ومؤسساتية، ومن الشواهد المبكرة على ذلك اتفاقية المساعدة المتبادلة والتعاون القضائي التي أبرمت في الجزائر يوم 26 يوليو 1963، وصادقت عليها تونس بقانون مؤرخ في 16 مارس 1966. كما توالت أطر التعاون في مجالات التنقل والإقامة والأمن والاقتصاد، بما يعكس إدراك الطرفين أن الجوار الجغرافي والتاريخ المشترك يفرضان تنسيقاً دائماً يحفظ مصالح البلدين.
وإذا كانت الذاكرة الجزائرية التونسية قد تشكلت أساساً حول مقاومة الاستعمار، فإنها لم تنفصل كذلك عن القضية الفلسطينية، التي احتلت مكانة مركزية في مسار التضامن السياسي العربي لدى البلدين. وهنا تبرز محطتان تاريخيتان بالغتا الأهمية، جسدتا الدور الذي اضطلعت به تونس والجزائر في احتضان القضية الفلسطينية والدفاع عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
فبعد خروج قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت سنة 1982، إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان، احتضنت تونس مقر المنظمة وقيادتها خلال الفترة الممتدة من 1982 إلى 1993، وفق ما أكدته تونس في وثيقة رسمية قدمتها إلى الأمم المتحدة. وبذلك أصبحت تونس مركزاً سياسياً ودبلوماسياً مهماً للحركة الوطنية الفلسطينية، واحتضنت قيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات ومؤسسات فلسطينية عديدة، لتتحمل بذلك تبعات سياسية وأمنية كبيرة نتيجة موقفها من القضية الفلسطينية.
ولم يقتصر الأمر على الاستضافة السياسية، بل امتد إلى دفع ثمن مباشر لهذا الموقف، ففي الأول من أكتوبر 1985 شنت إسرائيل غارة جوية على منطقة حمام الشط جنوب العاصمة تونس، مستهدفة مقراً كان يرتبط بوجود قيادة منظمة التحرير الفلسطينية. ووفق رسالة الحكومة التونسية إلى مجلس الأمن آنذاك، أسفر القصف عن سقوط أكثر من خمسين قتيلاً ونحو مئة جريح، فضلاً عن أضرار مادية واسعة. وقد أدان مجلس الأمن هذا العدوان بموجب القرار رقم 573 الصادر في 4 أكتوبر 1985، بأغلبية 14 صوتاً وامتناع عضو واحد عن التصويت، مؤكداً إدانة الاعتداء على الأراضي التونسية.
ثم تجددت خطورة تلك المرحلة في 16 أبريل 1988، عندما اغتالت قوة إسرائيلية خليل الوزير، المعروف باسم أبو جهاد، أحد أبرز قيادات منظمة التحرير الفلسطينية، داخل منزله بسيدي بوسعيد. وأشارت الرسالة التونسية المرفوعة إلى مجلس الأمن إلى مقتل المواطن التونسي حبيب الدخيلي، الذي كان يعمل بستانياً، خلال العملية، وهو ما يعكس مرة أخرى أن القضية الفلسطينية لم تكن بعيدة عن التضحيات التي قدمها التونسيون دفاعاً عن حق الشعب الفلسطيني في تمثيل نفسه والنضال من أجل حقوقه.
أما الجزائر، فقد ارتبط اسمها بمحطة مفصلية في التاريخ السياسي الفلسطيني، عندما احتضنت الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني خلال الفترة من 12 إلى 15 نوفمبر 1988، وفي 15 نوفمبر من السنة نفسها أُعلن من الجزائر قيام دولة فلسطين، في خطوة اكتسبت رمزية دبلوماسية وتاريخية كبيرة في مسار النضال الفلسطيني من أجل الاعتراف الدولي والسيادة الوطنية.
ولم يتوقف هذا الدور عند حدود التاريخ، بل تجدد في السنوات الأخيرة من خلال استضافة الجزائر حوار الفصائل الفلسطينية الذي توج بتوقيع «إعلان الجزائر» يوم 13 أكتوبر 2022، بمشاركة 14 فصيلاً فلسطينياً. وقد ركز الإعلان على إنهاء الانقسام، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، واعتماد الحوار والشراكة السياسية والانتخابات سبيلاً لتجديد الشرعية الفلسطينية. وقد رحب الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك بهذه الخطوة باعتبارها تقدماً مهماً في مسار المصالحة الفلسطينية، داعياً إلى تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، ولا سيما ما يتعلق بالانتخابات والوحدة الوطنية.
وانطلاقاً من هذا الرصيد التاريخي، يمكن فهم أهمية المواقف الجزائرية والتونسية الراهنة تجاه فلسطين، باعتبارها امتداداً لسياسة تضامن ارتبطت بحق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض الاحتلال والهيمنة. فالجزائر، خلال عضويتها غير الدائمة بمجلس الأمن الدولي للفترة 2024-2025، اضطلعت بدور دبلوماسي بارز في الدفاع عن وقف الحرب على غزة، وقدمت يوم 20 فبراير 2024 مشروع قرار يطالب بوقف إنساني فوري لإطلاق النار، حصل على تأييد 13 عضواً من أصل 15، غير أن استخدام الولايات المتحدة حق النقض حال دون اعتماده. وتكشف هذه الواقعة عن انتقال الموقف الجزائري من مستوى التصريحات السياسية إلى المبادرة داخل أحد أهم أجهزة الأمم المتحدة.
ومن جهتها، واصلت تونس التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف. وقد جدد وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، هذا الموقف خلال أشغال القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الإفريقي بأديس أبابا في 15 فبراير 2026، مؤكداً دعم تونس لقيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على كامل التراب الفلسطيني، وعاصمتها القدس.
وفي السياق ذاته، أكدت تونس والجزائر خلال أعمال الدورة الثالثة والعشرين للجنة الكبرى المشتركة المنعقدة يوم 12 ديسمبر 2025، ضرورة مساندة الجهود العربية والدولية لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني واستعادة حقوقه المشروعة، كما شدد الجانب الجزائري على التوافق بين البلدين في دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس. وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة لأنها تضع القضية الفلسطينية في قلب المشاورات الثنائية، لا باعتبارها ملفاً خارجياً عابراً، بل باعتبارها قضية ترتبط بمبادئ السيادة والكرامة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
ولعل التطور الأهم في المرحلة الراهنة يتمثل في أن التضامن بدأ يتخذ أبعاداً اجتماعية وإنسانية وتنموية إلى جانب المسار السياسي؛ فقد أعلنت تونس، في سبتمبر 2026، استعدادها لدعم فلسطين في مجالات الحماية الاجتماعية والتشغيل وريادة الأعمال، وذلك خلال لقاء وزير الشؤون الاجتماعية التونسي عصام الأحمر بوزيرة العمل الفلسطينية إيناس العطاري. كما جددت وزارة الخارجية الجزائرية، في لقاء جمع كاتب الدولة سفيان شايب بسفير دولة فلسطين لدى الجزائر فايز أبو عيطة في أواخر أكتوبر 2026، موقف الجزائر المبدئي والثابت الداعم للشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية المشروعة.
وتأتي هذه التحركات في وقت لا تزال فيه الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تفرض مسؤوليات كبيرة على المجتمع الدولي. فبحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في 29 أكتوبر 2026، تستمر الاحتياجات الإنسانية في مجالات الغذاء والإيواء والصحة والمياه، رغم الجهود الإغاثية المتواصلة. وقد أفاد التقرير بأن الشركاء الإنسانيين أعدوا نحو 586 ألف وجبة يومياً عبر 90 مطبخاً، فيما استفاد خلال دورة التوزيع لشهر أكتوبر نحو 422 ألف شخص من الطرود الغذائية والدقيق، بما وفر قرابة نصف الحد الأدنى من الاحتياجات الحرارية. كما أشار إلى أن 651 شاحنة تابعة للأمم المتحدة وشركائها كانت قد أُعدت لدخول القطاع خلال الفترة من 19 إلى 25 أكتوبر، وتم تفريغ 586 منها على الجانب الإسرائيلي من معبر كرم أبو سالم، وهو تفصيل يبرز استمرار التعقيدات اللوجستية التي تواجه إيصال المساعدات إلى مستحقيها. ومن ثم، فإن الحاجة إلى الإغاثة لم تعد مقتصرة على توفير الغذاء والدواء فحسب، بل تشمل كذلك إعادة بناء البنية الصحية والتعليمية والمائية وتأهيل المساكن وحماية الفئات الأكثر هشاشة.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبرز أمام تونس والجزائر فرصة حقيقية لتطوير شراكتهما من خلال الانتقال من التنسيق السياسي العام إلى برامج تضامن عملية ومنظمة تجاه فلسطين. فالاتفاقيات التي وقعتها الدولتان في مجالات الصحة والصناعات الصيدلانية والمياه والطاقة والتشغيل والاستثمار يمكن أن تشكل قاعدة مؤسساتية لإطلاق مبادرات مشتركة لفائدة الفلسطينيين، متى توفرت الإرادة والآليات التنفيذية والتمويل والتنسيق مع المؤسسات الفلسطينية والمنظمات الدولية.
ومن هذا المنطلق، يمكن التفكير في إرساء آلية تونسية جزائرية للتنسيق الإنساني، تتولى تنظيم المساعدات الطبية والغذائية، وتوحيد الجهود في مجال اقتناء الأدوية والمستلزمات الطبية، ودعم عمليات الإجلاء والعلاج للحالات التي تستوجب تدخلاً تخصصياً، فضلاً عن تخصيص برامج تكوين للأطقم الصحية الفلسطينية وتبادل الخبرات في مجالات الطب الاستعجالي وإعادة التأهيل والعلاج النفسي للأطفال والناجين من الحرب.
وعلاوة على ذلك، فإن خبرة البلدين في مجالات الهندسة والمياه والطاقة والصناعات والإنشاءات يمكن أن تفتح المجال أمام مساهمة مشتركة في إعادة إعمار غزة، من خلال مشاريع مستقبلية تتعلق بإعادة تأهيل المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والصرف الصحي، وتوفير التجهيزات الكهربائية والطاقة المتجددة، مع إشراك الكفاءات والمهندسين والمؤسسات الاقتصادية التونسية والجزائرية. وبحكم أن تونس والجزائر لا تمتلكان حدوداً مباشرة مع الأراضي الفلسطينية، فإن تنفيذ أي برنامج إغاثي واسع يقتضي تنسيقاً عملياً مع مصر والأردن والسلطات الفلسطينية ووكالات الأمم المتحدة المعنية، بما يضمن وصول المساعدات بطريقة قانونية وآمنة وفعالة.
كما يمكن أن يتوسع هذا التعاون ليشمل الجانب التعليمي والثقافي، عبر برامج منح دراسية للطلبة الفلسطينيين، وشراكات بين الجامعات ومراكز البحث، وتوفير فرص للتكوين المهني والتأهيل، إلى جانب برامج لدعم ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة الفلسطينية، بما يساعد على حماية النسيج الاجتماعي والاقتصادي الفلسطيني من آثار الحرب والدمار.
أما على المستوى الدبلوماسي، فإن تقارب المواقف التونسية الجزائرية بشأن فلسطين يتيح للبلدين مواصلة التنسيق داخل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، من أجل المطالبة بوقف الاعتداءات على المدنيين، وضمان دخول المساعدات دون عوائق، ورفض التهجير القسري، ودعم إعادة الإعمار، ومساندة المسارات القانونية الدولية الرامية إلى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مع التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في الاستقلال والسيادة وتقرير المصير.
وفي هذا الإطار تحديداً، تظل المصالحة الفلسطينية ضرورة لا غنى عنها؛ فإعلان الجزائر لسنة 2022 يمثل مرجعية سياسية يمكن البناء عليها، ليس بإعادة إنتاج الاتفاقات فحسب، وإنما بتشجيع الأطراف الفلسطينية على تحويل مبادئ الوحدة والشراكة إلى مؤسسات فاعلة وآليات تمثيل وطني شاملة، لأن قوة الموقف الفلسطيني على المستوى الدولي ترتبط كذلك بوحدة القرار والمؤسسات والتمثيل.
وبالعودة إلى العلاقات الثنائية بين تونس والجزائر، فإن المستقبل يفتح أمام البلدين مجالات أوسع من التعاون الاستراتيجي، خاصة في ظل ما تحقق من تقدم خلال السنوات الأخيرة. فقد شهدت العاصمة التونسية يومي 11 و12 ديسمبر 2025 انعقاد الدورة الثالثة والعشرين للجنة الكبرى المشتركة التونسية الجزائرية، بإشراف رئيسة الحكومة التونسية سارة الزعفراني الزنزري والوزير الأول الجزائري سيفي غريب، وتوجت بتوقيع 25 اتفاقية ومذكرة تفاهم وبرنامجاً تنفيذياً شملت مجالات الدبلوماسية والاقتصاد والصحة والمياه والطاقة والطاقات المتجددة والنقل والتشغيل والثقافة والإعلام والشباب والرياضة والاستثمار والصناعات الصيدلانية.
وتكتسي هذه الاتفاقيات أهمية خاصة لأنها تنقل التعاون من مستوى النوايا السياسية إلى مجالات محددة يمكن قياس نتائجها ومتابعة تنفيذها. ومن أبرزها برامج التعاون الصحي للفترة 2026-2028، ومذكرات التعاون في الطاقة والطاقات الجديدة والمتجددة، واتفاقيات التعاون في المياه والهندسة الريفية، والتعاون بين وكالات الاستثمار، إضافة إلى ترتيبات النقل البري والتعاون الدبلوماسي والإعلامي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، قدم الوزير الأول الجزائري سيفي غريب خلال المنتدى الاقتصادي التونسي الجزائري المنعقد في ديسمبر 2025 أرقاماً تعكس تطور المبادلات بين البلدين، حيث تجاوز حجم التجارة الثنائية 2.3 مليار دولار خلال سنة 2024، بزيادة قدرها 12 بالمائة مقارنة بسنة 2022. كما أشار إلى تسجيل نحو 66 مشروعاً استثمارياً في الجزائر بمساهمة متعاملين اقتصاديين تونسيين، بقيمة إجمالية تقارب 353 مليون دولار إلى نهاية أكتوبر 2025، ويتركز نحو 90 بالمائة منها في القطاع الصناعي، خاصة الصناعات الصيدلانية والكهربائية. كذلك أشار إلى وجود قرابة 750 شركة تونسية تنشط في الجزائر وفق بيانات سنة 2023.
ولا تقل أهمية هذه المؤشرات عن طبيعة القطاعات التي تربط الاقتصادين؛ فتونس توفر منتجات نصف مصنعة من الفوسفات والزجاج والألمنيوم ووسائل النقل، في حين تشكل الجزائر مورداً مهماً للطاقة والغاز والمشتقات النفطية والكهرباء، إلى جانب مواد غذائية ومواد أخرى. ومن هنا، فإن التحدي الأساسي لم يعد في إثبات وجود إمكانات للتبادل، بل في تطويرها نحو استثمارات مشتركة وسلاسل إنتاج متكاملة، وإزالة العراقيل التي تؤثر في حركة السلع ورجال الأعمال.
كما أن التعاون الأمني يظل من المرتكزات الأساسية لهذه الشراكة، خاصة في المناطق الحدودية التي تتطلب تنسيقاً دائماً لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب والاتجار بالمخدرات والهجرة غير النظامية. وقد انعقد الاجتماع الثاني للجنة الأمنية المشتركة في الجزائر يومي 14 و15 يوليو 2025، في إطار جهود البلدين لتعزيز أمن الحدود وتبادل المعلومات والتنسيق الميداني.
وبالموازاة مع ذلك، شكل استئناف الخط الحديدي بين تونس وعنابة الجزائرية في 11 أغسطس 2024، بعد توقف دام منذ سنة 1994، خطوة عملية في اتجاه تعزيز التواصل بين البلدين. وقد حدد برنامج الانطلاق الأولي رحلة تتجاوز 300 كيلومتر وتستغرق نحو سبع ساعات، مع ثلاث رحلات أسبوعية مبرمجة في مرحلة الإطلاق. وهي تجربة تؤكد أهمية تطوير النقل المشترك وتوسيع الربط البري والسككي بما يخدم السياحة والتجارة وتنقل المواطنين.
أما على مستوى المستقبل، فإن ما يجمع البلدين يسمح بالانتقال إلى مرحلة أعمق من التكامل، خصوصاً في مجالات الطاقات المتجددة والربط الكهربائي والأمن الغذائي والمائي والسياحة والصناعات التحويلية. كما يمكن أن يشكل التعاون الثلاثي بين تونس والجزائر وليبيا امتداداً طبيعياً لهذه الرؤية، عبر مشاريع مشتركة في النقل والطاقة والتبادل التجاري وتنمية المناطق الحدودية، بما يفتح المجال أمام فضاء اقتصادي مغاربي أكثر ترابطاً وقدرة على مواجهة التحولات الدولية.
وقد انعقدت يوم 8 يوليو 2026 لجنة المتابعة الجزائرية التونسية بإشراف وزيري خارجية البلدين، أحمد عطاف ومحمد علي النفطي، لتقييم تنفيذ توصيات الدورة الثالثة والعشرين، حيث أكد الجانب الجزائري الاستعداد لمواصلة العمل المشترك وتحويل مخرجات التعاون إلى مشاريع ملموسة وإنجازات مستدامة. وتكشف هذه الخطوة أن المرحلة المقبلة ستُقاس بمدى قدرة المؤسسات على تنفيذ الاتفاقيات وتجاوز العراقيل، وليس بمجرد عدد الاجتماعات والوثائق الموقعة.
وفي السياق نفسه، تبرز ضرورة إعطاء المناطق الحدودية أولوية أكبر عبر إنشاء مناطق صناعية ولوجستية مشتركة، وتسهيل حركة السلع والأفراد، ودعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتوسيع المبادلات السياحية والثقافية والجامعية، فضلاً عن تطوير برامج تدريب مشتركة للشباب والباحثين والمهنيين. كما تظل مراجعة وتحديث الأطر القانونية المتعلقة بإقامة المواطنين وتنقل العمال والطلبة والمستثمرين من الملفات التي أثيرت خلال أعمال اللجنة المشتركة، باعتبارها عاملاً مؤثراً في توسيع الشراكة الإنسانية والاقتصادية.
وهكذا، فإن الاحتفال بالذكرى الثانية والسبعين لثورة أول نوفمبر المجيدة في تونس يكتسب معنى يتجاوز حدود الاحتفاء بتاريخ الجزائر، ليعيد إلى الواجهة حقيقة تاريخية وسياسية مفادها أن العلاقات التونسية الجزائرية قامت على تجربة نضالية مشتركة، ثم تطورت إلى تعاون مؤسساتي واستراتيجي، وهي اليوم أمام فرصة لتوسيع شراكاتها في الاقتصاد والطاقة والأمن والتنمية، وفي الوقت ذاته تعزيز دورها الإقليمي والدولي في الدفاع عن القضايا العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
فإذا كانت ثورة نوفمبر قد جسدت قدرة الشعب الجزائري على انتزاع حريته بعد عقود طويلة من الاستعمار، وإذا كانت تضحيات الشعب التونسي إلى جانب أشقائه الجزائريين قد أسهمت في كتابة واحدة من أبرز صفحات التضامن المغاربي، فإن الوفاء الحقيقي لتلك الذاكرة يقتضي اليوم تحويل دروسها إلى مشاريع تنموية وشراكات فاعلة ومواقف دبلوماسية مسؤولة، تعزز سيادة البلدين وتحمي مصالح شعبيهما وتدعم حق الشعوب في الحرية والكرامة.
ولذلك، فإن الرهان المستقبلي لا يتمثل فقط في المحافظة على متانة العلاقات بين الجزائر وتونس، بل في الارتقاء بها إلى نموذج تعاون إقليمي يربط بين قوة التاريخ واحتياجات الحاضر واستحقاقات المستقبل، ويجعل من التضامن مع الشعب الفلسطيني عملاً سياسياً وإنسانياً وتنموياً مستداماً، لا يقتصر على بيانات المناسبات، بل يتجسد في مبادرات قابلة للقياس والتنفيذ.
إنها رسالة نوفمبر المتجددة: أن الحرية التي انتزعت بالتضحيات لا تكتمل دلالتها إلا بالدفاع عن كرامة الإنسان وحقوق الشعوب، وأن الأخوة التونسية الجزائرية ليست مجرد ذاكرة مشتركة، وإنما مسؤولية متجددة تجاه المستقبل.
**المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والوفاء لكل من ناضل من أجل الحرية والاستقلال، والحرية لفلسطين، وعاشت الأخوة التونسية الجزائرية.**



