حسن أكيوز يكتب: مصر الجديدة للمستثمرين

لا تُقاس قوة البيئة الاستثمارية في أي دولة بالحوافز التي تقدمها للمستثمرين فحسب، بل تُقاس أيضًا بمدى سهولة وسرعة تنفيذ الاستثمارات على أرض الواقع. وقد اتخذت مصر خلال الفترة الأخيرة خطوات مهمة لتيسير الاستثمارات الصناعية، وزيادة الإنتاج، وتعزيز الصناعة المحلية.
ومن أبرز المبادرات الجديدة التي أطلقتها وزارة الصناعة إتاحة الأراضي الصناعية للمستثمرين وفق نظام «الإيجار المنتهي بالتملك». ففي أغسطس 2026، تم طرح 540 قطعة أرض صناعية، بمساحة إجمالية تتجاوز 5.7 مليون متر مربع، موزعة على 20 منطقة صناعية في 15 محافظة، وذلك ضمن هذا النظام. وخلال المرحلة الأولى من التخصيص، تم تخصيص أكثر من 300 ألف متر مربع من الأراضي الصناعية للمستثمرين.
وتتمثل الميزة الأهم لهذا النموذج في عدم اضطرار المستثمر إلى تخصيص رأس مال كبير في البداية لشراء الأرض. وهذا يتيح له توجيه موارده المالية نحو شراء الآلات، وخطوط الإنتاج، والتكنولوجيا، وتوفير رأس المال العامل. ويقدم هذا النهج فرصة مهمة بشكل خاص للمستثمرين من أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
ومن التطورات المهمة الأخرى إطلاق وزارة الصناعة المنصة الصناعية الرقمية الموحدة. فمن خلال هذا النظام، أصبح بإمكان المستثمرين الوصول إلكترونيًا إلى مجموعة من الخدمات، بدءًا من أفكار المشروعات ودراسات الجدوى الأولية، وصولًا إلى تأسيس المصانع وعمليات الإنتاج والتسويق. كما تساهم خدمة التقييم الأولي لدراسات الجدوى المدعومة بالذكاء الاصطناعي في مساعدة المستثمرين على إجراء تقييمات أولية لمشروعاتهم بصورة أسرع. وتُعد متابعة شكاوى المنتجين وتسريع إجراءات معالجتها من بين أهداف هذه المنصة أيضًا.
ومن الأهداف المهمة الأخرى للوزارة إقامة روابط تجارية أقوى بين المصانع الكبرى والمنشآت المحلية الصغيرة والمتوسطة. ويهدف ذلك إلى تصنيع بعض مستلزمات الإنتاج الصناعي التي يتم استيرادها حاليًا داخل مصر، ودعم نمو الموردين المحليين، وخفض تكاليف الإنتاج.
ومع ذلك، فإن تطوير مناخ الاستثمار لا يقتصر على توفير الأراضي الصناعية وإتاحة خدمات التقديم الإلكتروني فقط. إذ يجب أيضًا معالجة إجراءات التراخيص، وتوصيل الطاقة، والحصول على التمويل، وتوفير العمالة الماهرة، وتأمين المواد الخام بنفس المستوى من السرعة والكفاءة. فما يحتاج إليه المستثمر أكثر من أي شيء آخر هو وضوح الرؤية والقدرة على حساب التكاليف التي سيواجهها مسبقًا.
كما يوفر الموقع الجغرافي لمصر، وحجم سوقها المحلية الكبير، وإمكانية الوصول إلى الأسواق الأفريقية والأوروبية وأسواق الشرق الأوسط، مزايا مهمة. ويمكن للاستثمارات المشتركة بين تركيا ومصر أن تفتح آفاقًا جديدة للإنتاج والتصدير، لا سيما في قطاعات الآلات، والمنسوجات، والصناعات الغذائية، ومكونات صناعة السيارات، والتعبئة والتغليف.
إن الفرصة الحقيقية أمام مصر لا تقتصر على إنشاء مصانع جديدة، بل تتمثل في جمع المستثمرين والمنتجين والموردين المحليين والمصدرين ضمن منظومة اقتصادية متكاملة.
لأن القيمة الحقيقية للاستثمار لا تظهر من خلال الحوافز المعلنة أو الاتفاقيات الموقعة، بل من خلال المصانع التي يتم إنشاؤها، والمنتجات التي يتم تصنيعها، وفرص العمل التي يتم توفيرها، وعائدات التصدير التي تدخل إلى اقتصاد الدولة.



