أحدث التحليلات السياسية العالمية على موقع “المودرن دبلوماسى” للدكتورة نادية حلمي

أحدث التحليلات السياسية العالمية على موقع “المودرن دبلوماسى” للتحليلات السياسية العالمية باللغة الإنجليزية، وتغطياتها وترجماتها للعديد من اللغات حول العالم، والإشارة إليها فى مواقع إستخباراتية وعسكرية ودفاعية وسياسية دولية. وتصدرها قائمة التحليلات العالمية الأكثر تداولاً عالمياً، أهمها:
١) رؤية بكين لآليات حماية التنوع الدينى من التوظيف السياسى والتحريض بين المحور الحوثى والإيرانى الشيعى والمحور السنى السعودى والخليجى بوساطة الأزهر الشريف فى مصر: الدبلوماسية الدينية الصينية: وساطة الأزهر فى الخلاف الإيرانى السعودى
٢) إستفادة الإستخبارات الصينية من إرسال سوريا لقوات إلى اليمن لمواجهة الحوثيين من مقاتلى الإيغور المصنفين إرهابيين لدى الدوائر الإستخباراتية والأمنية الصينية
٣) الموقف الصينى من الإنتخابات الإسرائيلية القادمة وأيهما تفضل؟: الإنتخابات الإسرائيلية: من تريد الصين أن يفوز، وما هو على المحك بالنسبة لبكين؟
٤) تحذير وزارة أمن الدولة الصينية من إختراق عدداً من المنظمات الأجنبية للمناطق الحساسة بيئياً فى الصين تحت ستار النشاط السياحى أو الأبحاث العلمية وتفكيك السلطات الصينية شبكة عابرة للحدود للإتجار بالبشر والمواد البيولوجية فى الصين: الصين تحذر من عمليات تجسس أجنبية متنكرة فى زى أبحاث، بينما تكشف السلطات عن شبكة تهريب عبر الحدود
٥) تنظيم الصين مؤتمر هونان – أفريقيا ٢٠٢٦ فى مصر لآليات تسوية المنازعات التجارية، لتعزيز بيئة الإستثمار ودعم التعاون الإقتصادى والإستراتيجى بين الصين ومصر والدول الأفريقية والجنوب العالمى
المقال الأول
رؤية بكين لآليات حماية التنوع الدينى من التوظيف السياسى والتحريض بين المحور الحوثى والإيرانى الشيعى والمحور السنى السعودى والخليجى بوساطة الأزهر الشريف فى مصر: الدبلوماسية الدينية الصينية: وساطة الأزهر فى الخلاف الإيرانى السعودى
تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية والمحللة الإستخباراتية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
تتأسس رؤية بكين لحماية التنوع الدينى من التوظيف السياسى والتحريض فى الشرق الأوسط على مبدأ “الأمن الشامل والحلول التنموية”، والتى ترى فى المبادرة الدينية للأزهر الشريف رافداً أخلاقياً ومعنوياً يكمّل وساطتها الدبلوماسية التاريخية بين الرياض وطهران. وتتعامل بكين مع التنافس الإقليمى بين المحور الإيرانى-الحوثى (الشيعي) والمحور السعودى-الخليجى (السنى) من منظور جيوسياسى صارم، معتبرةً أن إستغلال الهويات المذهبية هو مجرد أداة لتغذية الصراعات وليس أصلها. لذا، تتحسب الصين بشدة من توظيف الدين والمذهبية كأداة “قوة ناعمة” أو “تخريب أيديولوجى” من قوى دولية (خاصةً الغرب) كأداة لإشعال فتيل الطائفية والمذهبية بين المحورين السنى – الشيعى فى الشرق الأوسط. ومن أجل ذلك، تتبنى بكين رؤية دبلوماسية براغماتية تقوم على إدارة الإستقرار الإقليمى وحماية أمن الممرات التجارية والطاقة عبر المبادرات التنموية والأمنية الشاملة.
وترتكز الرؤية الصينية الشاملة على تحييد الخلافات الأيديولوجية والمذهبية، ومكافحة توظيف الدين سياسياً لمنع تقويض مكتسبات السلام فى الشرق الأوسط خاصةً بين محورى صراع الطائفية والمذهبية الحوثى والإيرانى الشيعى والمحور السنى السعودى والخليجى والتدخل لإبعاد أى أصابع أو أطراف أجنبية أو خارجية تؤجج هذا الصراع. بينما يرى الغرب تحييد الدين عبر إبعاده عن الدولة ومنح الأفراد حرية التنظيم، ترى الصين أن التحييد لا يتحقق إلا بإحتواء الدولة الكامل للدين وتوجيهه عبر مؤسساتها القومية وقنواتها الشرعية الدينية وعلى رأسها مؤسسة الأزهر الشريف كمنارة للوسطية والإعتدال فى منطقة الشرق الأوسط والدول العربية والإسلامية، بحيث يصبح الدين وفقاً لهذا المنظور الصينى أداة لتعزيز الإستقرار والتناغم الإجتماعى تحت مظلة الهوية القومية للدولة الشرعية وسيادتها، وليس منصة للمعارضة أو التعبئة السياسية أو حشد صراع الهويات والأجنحة والمذاهب والطائفية والتحريض بين أبناء الأمة الواحدة. وتلتقى رؤية الصين مع مبادرة الأزهر الشريف من خلال عدة آليات حماية وتكامل، بحيث تتكامل الهندسة السياسية الصينية مع الدور الروحى الدينى والوسطى للأزهر الشريف فى مصر لمعالجة لعبة الإستقطاب بين المحاور الإقليمية (المحور الحوثى-الإيرانى والمحور السعودى-الخليجى)، عبر آليات محددة:
– أولاً: آليات تحييد “التوظيف السياسى” للدين (المنظور الصينى)
يقوم المنظور الصينى لتحييد “التوظيف السياسى” للدين على مبدأ جوهرى حازم، وهو إخضاع المجال الدينى بالكامل لسيادة الدولة ومؤسساتها وقنواتها الشرعية والدينية، وقطع أى إمتدادات سياسية أو خارجية لإشعال فتيل التحريض المذهبى والفوضى والطائفية بين المذاهب والأديان. وترى بكين أن الدين يُمكن أن يُستغل كأداة إختراق سياسى من قِبل قوى أجنبية (كالحركات الغربية أو التيارات العابرة للحدود) لزعزعة الإستقرار القومى للدول ولاسيما فى ظل سياسة صراع الطائفية والمذهبية الحوثى الشيعى والسعودى السنى بعد حرب إيران فى ٢٠٢٦، ولذلك إستبدلت الصين هذا النموذج الغربى (القائم على فصل الدين عن الدولة) بنموذج “إحتواء وتوجيه الدين” لصالح أهداف الدولة القومية وسيادتها وحفاظاً على مقدرات الدول والشعوب، من خلال:
١) تغليب الصين لغة “الأمن المشترك” على الأيديولوجيا: ترى بكين أن الصراع السنى-الشيعى ليس حتمياً، بل يتم توظيفه سياسياً لتوسيع النفوذ. لذا، تعتمد الصين على “مبادرة الأمن العالمى”
(GSI)
التى دعا إليها الرئيس الصينى “شى جين بينغ”، والتى تدعو إلى حلول دبلوماسية تحترم سيادة الدول، وتفرغ الخطاب التحريضى من مضمونه ومحتواه عبر تقديم بدائل للشراكة الإقتصادية.
٢) نموذج التنمية كبديل للتطرف (مبادرة الحزام والطريق الصينية): تتبنى الصين مقاربة “التنمية السلمية”، حيث ترى أن معالجة جذور الأزمات الإقتصادية فى اليمن والمنطقة تسحب البساط من تحت أقدام الجماعات التى تستخدم التعبئة الطائفية للحشد العسكرى والسياسى.
– ثانياً: دور الأزهر الشريف كمرجعية إسلامية وسيطة
يمثل الأزهر الشريف فى مصر، بصفته منارة الفكر الوسطى، ركيزة أساسية تدعمها المقاربة الصينية لضبط التنوع الدينى وحمايته من التحريض والعنف المذهبى والدينى، من خلال:
١) تفكيك الخطاب الطائفى: يعمل الأزهر على سحب الشرعية الدينية عن محاولات تأطير الصراعات السياسية (كصراع الحوثيين والتحالف بقيادة السعودية) فى قوالب مذهبية (سنة ضد شيعة).
٢) طرح مبادرات الوساطة الشاملة: تعزز المبادرات الدينية للأزهر، مثل (دعوته لتشكيل لجان وساطة عربية إسلامية لحقن الدماء ووقف الحروب) جهود التهدئة السياسية، وهو ما يلقى قبولاً مبدئياً وتفاعلاً من مختلف الأطراف بما فيها الأطراف اليمنية والإقليمية.
٣) ترسيخ فقه “المواطنة” لا المذهبية: يدعو الأزهر إلى إعلاء مفهوم الدولة الوطنية بدلاً من الولاءات المذهبية العابرة للحدود، وهو ما يتطابق مع المبدأ الصينى الصارم القائم على “إحترام السيادة وعدم التدخل فى الشؤون الداخلية”.
– ثالثاً: مسارات التكامل بين وساطة بكين السياسية والوساطة الروحية للأزهر
يمكن تحقيق التكامل بين مسارات الصين والأزهر الشريف، من خلال تكامل الأدوار بين الدور الصينى (السياسى والتنموى) و (دور الأزهر الشريف (الروحى والمعرفى). من خلال:
١) مسارات التكامل بين الصين ومؤسسة الأزهر الشريف فى (بناء الثقة الإقليمية) بين محورى صراع الطائفية والمذهبية فى الشرق الأوسط:
وهنا يمكن أن تلعب الصين ومؤسسة الأزهر الشريف دوراً فى (مسار بناء الثقة الإقليمية) عن طريق رعاية إتفاق إستئناف العلاقات (السعودية-الإيرانية) لضمان بيئة سياسية مستقرة، بينما يلعب الأزهر الشريف دوراً فى مد الجسور الفكرية والحوار الإسلامي-الإسلامي لتقريب وجهات النظر الفقهية ومنع تكفير الآخر.
٢) مسارات التكامل بين الصين ومؤسسة الأزهر الشريف فى (مسار إحتواء أزمة اليمن) بين محورى صراع الطائفية والمذهبية الحوثى والسعودى الخليجى السنى:
فمن جانب آخر، يمكن للصين ومؤسسة الأزهر الشريف فى مصر أن يلعبا دوراً فى (مسار إحتواء أزمة اليمن)، وهنا يمكن للصين أن تقوم بدور الضغط الدبلوماسى لتأمين خطوط الملاحة وتهدئة الجبهات لضمان تدفق التجارة والإستثمارات، وهو ما يتقاطع مع دور الأزهر فى دعمه لمبادرات السلام وتوفير غطاء شرعى وأخلاقى ولجان للتهدئة والحوار بين الحوثيين الشيعة والمحيط الخليجى.
٣) مسارات التكامل بين الصين ومؤسسة الأزهر الشريف فى (مسار إحتواء أزمة اليمن) بين محورى صراع الطائفية والمذهبية الحوثى والسعودى الخليجى السنى:
يتقاطع (مسار تأهيل الكوادر الدينية) بين الأدوار السياسية والتنموية والإقتصادية لبكين والدينية للأزهر الشريف، وهنا يقوم الدور السياسى والتنموى للصين على تعزيز التعاون التبادلى ومكافحة التطرف عبر القنوات الرسمية وتوفير الدعم والغطاء المالى لمصالح الشؤون الدينية، بينما يتركز دور الأزهر الشريف كمرجعية إسلامية دينية وسيطة فى تدريب الأئمة ونشر قيم التسامح والتنوع، مما يمنع استخدام المنابر في التحريض المذهبى بين المذهبين السنة والشيعة.
بإختصار، تتكامل رؤية بكين للأمن الإقليمى القائم على المصالح التنموية المشتركة مع دور الأزهر الشريف الأخلاقى والفكرى، حيث توفر الصين الإطار السياسى والضمانات الدبلوماسية بين العواصم (الرياض وطهران)، بينما يقدم الأزهر الغطاء المعرفى والشرعى الذى يفكك فتيل التحريض المذهبى ويحمى التنوع الدينى من التوظيف السياسى فى صراعات المحاور بين السنة والشيعة فى المنطقة.
– رابعاً: الحماية والتكامل بين الدبلوماسية الصينية والوساطة الأزهرية
تتكامل أدوار الحماية بين دبلوماسية الصين البراغماتية والعملية فى طرحها لحلول للمشاكل والأزمات المتفاقمة فى الشرق الأوسط وبين دور الأزهر الشريف كمؤسسة روحية ومرجعية دينية تعيد الإستقرار الدينى والمذهبى لمنطقة الشرق الأوسط والخليج، وهو ما يتطابق مع الدور السياسى والتنموى للصين، من خلال:
١) تكامل النفوذ المعنوى والسياسى: تؤمن الصين بأن التوافقات السياسية، مثل (إتفاق بكين التاريخى للمصالحة بين السعودية وإيران) تحتاج إلى حماية ثقافية ودينية لضمان ديمومتها وعزل التحريض المذهبى. وهنا ترى بكين فى مبادرة شيخ الأزهر بـ (تشكيل لجنة وساطة عربية وإسلامية لحل الخلاف) آلية شرعية بالغة الأهمية لتقديم غطاء روحى يمنع توظيف المذهب سياسياً.
٢) تفكيك الإستقطاب الطائفى: تتبنى بكين فكرة أن النزاع بين المحورين السنى والشيعى هو نزاع مصالح إقليمية تم تغليفه بالطائفية. وتدعم الرؤية الصينية الطرح الفكرى للأزهر الشريف الذى يؤكد دائماً على “الأخوة الإسلامية وحقن الدماء” وإعتبار الخلافات الفقهية بين السنة والشيعة خلافات فكرية لا تبرر الإقتتال أو التحريض السياسى.
– خامساً: مرتكزات الرؤية الصينية لحماية الإستقرار الإقليمى
تقوم سياسة الآلية الصينية المدعومة بروحية مبادرة الأزهر على عدة أبعاد ومقاربات رئيسية ومحاور لنزع فتيل الفتنة الطائفية والمذهبية والتحريض فى منطقة الشرق الأوسط، من خلال:
١) التأكيد الصينى على محور (فصل الدين عن الجغرافيا السياسية)
وهنا تقوم الآلية الصينية المدعومة بروحية مبادرة الأزهر على التأكيد على (فصل الدين عن الجغرافيا السياسية)، من خلال التأكيد على أن المذهب الدينى لا يجب أن يُترجم إلى ولاء سياسى عابر للحدود، مثل (حالة الحوثيين فى اليمن)، بل يجب إحترام سيادة الدول الوطنية.
٢) التأكيد الصينى على سياسة (التنمية كبديل للتحريض)
وهنا ترى الصين أن الفقر والبطالة والتهميش فى مناطق النزاع هى التربة الخصبة للتحريض الطائفى، وأن الحل يكمن فى ربط مبادرة “الحزام والطريق الصينية” بمشاريع إعمار وتنمية تحيد لغة السلاح.
٣) الدعوة الصينية للحوار المتعدد الأطراف بالتنسيق والتعاون والوساطة الروحية للأزهر الشريف بين المحورين السنى والشيعى
وذلك من خلال الدعوة الصينية إلى الإنتقال من سياسة إدارة الأزمات العسكرية إلى رعاية حوارات مستدامة، تجمع بين الدبلوماسية الرسمية والوساطات الفكرية كالأزهر لتقليل فجوة الثقة بين الخليج وإيران.
– سادساً: الموقف الصينى من “المحور الحوثى-الإيرانى” و “الخليجى-السعودى”
تتحرك بكين فى مساحة وسطى شديدة الحساسية، للحفاظ على شبكة علاقاتها وتحالفاتها مت بين المحورين السنى السعودى الخليجى والشيعى الإيرانى فى منطقة الشرق الأوسط، من خلال:
١) سياسة الصين تجاه المحور الإيرانى والحوثى: تضغط الصين على طهران لتهدئة جبهات حلفائها (لا سيما الحوثيين فى اليمن) وتدعوهم للتفاعل الإيجابى مع مبادرات السلام الصينية وحقن الدماء، معتبرة أن إستخدام الورقة الطائفية يهدد خطوط الملاحة الدولية ومصالح الطاقة الصينية.
٢) سياسة الصين تجاه المحور السعودى الخليجى: تلتزم بكين بضمانات أمنية وإقتصادية للشراكة مع الخليج، وتدعم مساعى السعودية فى إنهاء الحرب فى اليمن بالوسائل السياسية والدبلوماسية لتأمين رؤيتها التنموية (رؤية ٢٠٣٠).
وبناءً على التحليل الإستراتيجى السابق، تنظر بكين إلى مصر، والأزهر الشريف على وجه الخصوص، كقوة ناعمة ومرجعية إسلامية وسطية قادرة على إختراق الجدران المذهبية السميكة بين الجانبين السنى والشيعى فى منطقة الشرق الأوسط والخليج. وترى الصين أن تلازم “الإتفاق السياسى برعاية بكين” مع “التوافق الفكرى والروحى والدينى والوساطة الإنسانية برعاية الأزهر”، هو الصيغة الأمثل لإنهاء التوظيف السياسى للدين وصناعة سلام دائم وإستقرار إستراتيجى فى الشرق الأوسط.
المقال الثانى
إستفادة الإستخبارات الصينية من إرسال سوريا لقوات إلى اليمن لمواجهة الحوثيين من مقاتلى الإيغور المصنفين إرهابيين لدى الدوائر الإستخباراتية والأمنية الصينية
تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
تداولت الأوساط السياسية والإعلامية تقارير ومباحثات حول مقترح الرئيس السورى “أحمد الشرع” لنقل مقاتلين سوريين وأجانب (بمن فيهم مقاتلو الإيغور الصينيون والحزب الإسلامى التركستانى) من سوريا إلى اليمن لمواجهة جماعة الحوثى. ورغم النفى الرسمى السورى لهذه الأنباء، فإن مجرد طرح هذا السيناريو يفتح الباب لقراءة الأبعاد الأمنية والعسكرية، وتحديداً كيفية إستفادة الاستخبارات الصينية من هذا التحرك المفترض. حيث تُشير المعطيات الأمنية والتقارير الإستخباراتية المتداولة إلى أن أجهزة الإستخبارات الصينية تنظر بقلق بالغ إلى ملف مقاتلى الإيغور والحزب الإسلامى التركستانى فى سوريا وتأثيراتهم الممتدة على الأمن القومى الصينى، خاصةً بعد سقوط النظام السورى السابق لـ “بشار الأسد”، ودمج أعداد منهم فى التشكيلات العسكرية للجيش السوري الجديد، مثل (الفرقة ٨٤) بترحيب كامل من الرئيس السورى الحالى “أحمد الشرع”.
وهنا، يرتكز تحليل الدوائر الإستخباراتية والإستراتيجية والأمنية والسياسية فى الصين تجاه ملف “الحزب الإسلامى التركستانى” وعلاقته باليمن، على مبدأ حماية الأمن القومى الصينى وتأمين المصالح الإقتصادية لبكين عبر قنوات دبلوماسية وإستخباراتية غير مباشرة. فالصين لا تشارك عسكرياً بشكل مباشر فى النزاعات البعيدة عن حدودها، لكنها تدير هذا الملف عبر شبكة معقدة من التوازنات. وذلك بالنظر لتصنيف أجهزة الإستخبارات الصينية، ممثلة فى (وزارة أمن الدولة الصينية) القائمة بعمل الإستخبارات الصينية “إم إس إس:
(MSS)
إلى “الحزب الإسلامى التركستانى”
(TIP)
كإمتداد لـ “الحركة الإسلامية لشرق تركستان”
(ETIM)
وهى التهديد الإرهابى الأول للأمن القومى الصينى (خاصةً فى إقليم شينجيانغ ذات الأغلبية المسلمة فى الصين). ولذلك، تولى أجهزة الإستخبارات والأمن الصينية أهمية بالغة لكافة التحركات لعناصر ومقاتلى الإيغور والحزب الإسلامى التركستانى، خوفاً من تدريبهم وتسليحهم وإرسالهم لعمل عمليات إرهابية داخل الصين أو إستهدافهم شبكات مصالح وإستثمارات الصين فى منطقة الشرق الأوسط وحول العالم. وهو الأمر الذى يدفع مراكز الفكر والتحليل الإستراتيجى المرتبطة بوزارة أمن الدولة الصينية لتفكيك أبعاد المشهد السياسى والأمنى فى سوريا، فى حالة إرسال مقاتلى الإيغور والحزب الإسلامى التركستانى إلى اليمن لقتال الحوثيين، ومدى تأثيراته سلباً وإيجاباً على الأمن القومى الصينى، وفى سياق الربط بين الجبهة السورية واليمنية، تتداخل الحسابات الصينية وفق الأبعاد والتقديرات الإستخباراتية الآتية:
– أولاً: التناقض الصينى المعقد فى ملف اليمن والحوثيين
تجد الصين نفسها أمام معادلة إستخباراتية وسياسية شديدة التعقيد تجمع بين عدائها للحزب التركستاني وعلاقتها بملف اليمن، من حيث:
١) مخاوف من نقل الخبرات الجهادية: تخشى أجهزة الأمن الصينية من أن يؤدي أي احتكاك أو انتقال للمقاتلين إلى اليمن إلى نشوء شبكات عابرة للحدود، أو اكتساب مقاتلي الإيغور لخبرات جديدة في حرب العصابات البحرية والطائرات المسيرة التى يتقنها الحوثيون.
٢) شبهة الدعم الصينى غير المباشر للحوثيين: فى المقابل، تشير تقارير إستخباراتية غربية ويمنية، مثل (تقرير مؤسسة أبحاث التسلح فى الصراعات)
(CAR)
إلى رصد مكونات وقطع غيار صينية الصنع (مزدوجة الإستخدام أو مخصصة للصواريخ) وصلت إلى الحوثيين لتطوير صواريخهم الباليستية. ورغم نفى بكين الرسمى التام لتقديم أى دعم عسكري للحوثيين وتأكيدها الإلتزام بقرارات مجلس الأمن، فإن محللين يرون أن بكين قد تغض الطرف أحياناً عن أنشطة شركات تجارية لتأمين ممراتها البحرية فى البحر الأحمر.
– ثانياً: ربط أجهزة الإستخبارات الصينية بين إرسال سوريا مقاتلى الإيغور والحزب الإسلامى التركستانى إلى اليمن لقتال الحوثيين وإضعاف القدرات القتالية لـ “الحزب الإسلامى التركستانى” بالنسبة للصين
تنظر بكين بترحيب “ضمنى” لأى سيناريوهات تؤدى إلى نقل أو إرسال مقاتلى الإيغور المتمرسين من سوريا إلى جبهات إستنزاف خارجية مثل اليمن لقتال جماعة الحوثيين. فمن منظور إستخباراتى صينى، فإن زج هؤلاء المقاتلين فى معارك طاحنة وبعيدة يسهم بشكل مباشر فى تفتيت هيكليتهم التنظيمية المتماسكة التيدى بنوها فى محافظة إدلب السورية خلال فترة قتالهم مع “داعش”، ويبدد ويشتت قوتهم البشرية وخبراتهم القتالية المتراكمة. لذا، تربط الدوائر الصينية بين مشاركتهم فى حرب اليمن ضد الحوثيين وأوجه الإستفادة من ذلك، من خلال:
١) إستنزاف بشرى مباشر: تعتبر بكين “الحزب الإسلامى التركستانى” (المكون من مقاتلى الإيغور) تهديداً مباشراً لأمنها القومى. نقل هؤلاء المقاتلين إلى جبهة مشتعلة ومعقدة كاليمن يعنى زجّهم فى حرب إستنزاف طويلة ضد الحوثيين، مما يؤدى إلى تصفية أو إضعاف أعداد كبيرة منهم خارج حدود الإهتمام المباشر للصين. ولكن فى ذات الوقت، تعمل أجهزة الإستخبارات الصينية على مراقبة خطوط إمداد الحزب الإسلامى التركستانى وإنتقال مقاتليه من سوريا وأفغانستان إلى جبهات أخرى كاليمن، خوفاً من إكتسابهم خبرات قتالية متطورة أو وصولهم إلى أسلحة نوعية، مثل (الدرونات) والتقنيات التى يستخدمها الحوثيون) قد تُنقل مستقبلاً إلى الداخل الصينى.
٢) تشتيت القيادة والسيطرة: خروج المقاتلين من بيئتهم المستقرة نسبياً في الشمال السوري (حيث تم دمج أعداد منهم سابقاً في هياكل محلية) وتوزيعهم على جبهات خارجية يضعف تماسكهم التنظيمي ويفكك شبكاتهم اللوجستية.
٣) منع التفكير فى العودة إلى شينجيانغ: التخوف الأكبر للصين يكمن فى إمكانية إستخدام هؤلاء المقاتلين لخبراتهم العسكرية المتقدمة للتخطيط لعمليات داخل إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية) ذات الأغلبية المسلمة فى شمال غرب الصين حيث ينحدرون منه. وبالتالى، فإن إستهلاك طاقتهم القتالية فى صراعات إقليمية (كاليمن) يقلل من إحتمالية تفرغهم لتهديد العمق الصينى.
– ثالثاً: توسيع التغطية الإستخباراتية الصينية وجمع المعلومات عن مقاتلى الإيغور والحزب الإسلامى التركستانى عبر الحدود الدولية فى حال إنتقالهم لجبهة اليمن
تشير التحليلات الأمنية ومراكز الدراسات السياسية إلى أن الصين تولى إهتماماً بالغاً بـ مراقبة وتتبع مقاتلى الحزب الإسلامى التركستانيى (الأويغور) العابرين للحدود، وذلك ضمن إستراتيجيتها لمكافحة الإرهاب وحماية مصالحها الخارجية المتنامية، خاصة في مناطق النزاع مثل اليمن. وفى حال إنتقال عناصر من الحزب الإسلامى التركستانى إلى جبهة اليمن، فإن بكين تعتمد على آليات متعددة لتوسيع تغطيتها الإستخباراتية وجمع المعلومات هناك، مثل:
١) رصد الحركة والإتصالات: يتيح إنتقال المقاتلين عبر الحدود الدولية (من سوريا إلى السعودية أو اليمن) للإستخبارات الصينية فرصة ذهبية لمراقبة خطوط الإمداد، وتتبع شبكات التمويل، ورصد قنوات الإتصال السرية التى تستخدمها هذه الجماعات للإنتقال.
٢) تحديث قوائم المطلوبين: توفر العمليات العسكرية في اليمن بيانات ميدانية جديدة (قتلى، جرحى، أسرى)، مما يساعد بكين على تحديث قواعد بياناتها الأمنية حول القيادات الميدانية للإيغور الذين غادروا إقليم شينجيانغ.
٣) التعاون الأمنى والإستخباراتى الإقليمى: من خلال:
• تبادل المعلومات مع القوى المحلية والإقليمية: تعتمد الصين على علاقاتها الدبلوماسية والأمنية المتوازنة مع الأطراف المؤثرة فى ملف اليمن. مثل (السعودية، وإيران، والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً) للحصول على معلومات إستخباراتية بشرية وميدانية حول تحركات الجماعات الإيغورية والتركستانية المسلحة.
• تفعيل القنوات الدبلوماسية والأمنية: الإستفادة من اللقاءات المشتركة لتبادل قوائم المطلوبين وبياناتهم الحيوية لضمان رصدهم عند منافذ الدخول والخروج من قبل السلطات الصينية.
٤) الإستخبارات التقنية والسيبرانية
(SIGINT)
• المراقبة الرقمية: تتبع البصمات الرقمية، الحسابات على منصات التواصل الإجتماعى، وقنوات الإتصال المشفرة التى تستخدمها عناصر التنظيم للتنسيق أو التجنيد.
• التعرف على الوجه والبيانات الحيوية: تمتلك الصين أنظمة متطورة للغاية للتعرف على الهويات، وتعمل على مطابقة البيانات الحيوية للمقاتلين الفارين من جبهات أخرى، مثل (سوريا أو أفغانستان) فى حال محاولتهم التسلل إلى اليمن بجوازات سفر مزورة
٥) إستخبارات الصور والأقمار الصناعية
(IMINT)
• المراقبة الفضائية: إستخدام شبكة الأقمار الصناعية الصينية لمراقبة معسكرات التدريب المحتملة، خطوط الإمداد، والمناطق النائية فى اليمن التى قد تتخذها هذه الجماعات ملاذاً آمنا لها.
• رصد الصين للعناصر الإرهابية الإيغورية والتركستانية بإستخدام نظام “بيدو الصينى المتكامل للأقمار الصناعية: إستخدام الصين تقنية “بيدو” المطورة من قبل الشركات الصينية التابعة لجيش التحرير الشعبى الصينى ومراكز الأبحاث العسكرية، بعيداً عن تقنية “جى بى تى” للتتبع الغربية عبر الأقمار الصناعية، خاصةً بعد إمداد إيران وإحلالها بمنظومة “بيدو الصينية” كاملة للأقمار الصناعية، بعيداً عن أنظمة التتبع والرصد الغربية والأمريكية.
٦) تأمين المصالح الحيوية ومكافحة القرصنة
• القاعدة العسكرية الصينية فى جيبوتى: تمنح القاعدة البحرية الصينية فى جيبوتي (القريبة من السواحل اليمنية وباب المندب) بكين قدرة على رصد التحركات البحرية وعمليات التهريب عبر خليج عدن والبحر الأحمر، مما يسهم فى إعتراض أى محاولات تسلل بحرى للمقاتلين.
• حماية مبادرة الحزام والطريق الصينية: يمثل أمن الممرات المائية القريبة من اليمن أولوية قصوى للصين، مما يدفعها لتعزيز جمع المعلومات لمنع أى تهديدات قد تستهدف السفن التجارية أو المصالح الإقتصادية الصينية فى المنطقة، سواء عن طريق مقاتلى الإيغور والحزب الإسلامى التركستانى أو غيرهم.
– رابعاً: ربط أجهزة الإستخبارات الصينية من إرسال مقاتلى الإيغور والحزب الإسلامى التركستانى لليمن وإبعاد مصادر تهديدهم المحتملة عن المصالح الصينية فى الشرق الأوسط
حيث تتبع أجهزة الإستخبارات الصينية ممثلة فى وزارة أمن الدولة الصينية والمكتب التاسع التابع لوزارة أمن الدولة الصينية المعنى بتفكيك الشبكات الإرهابية دولياً المؤثرة على الأمن القومى الصينى، وذلك من أجل حماية إستثمارات مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، حيث تخشى الصين دائماً من قيام المقاتلين الإيغور بإستهداف مصالحها الإقتصادية أو الدبلوماسية فى المنطقة. لذا، فإن تحويل بندقية هؤلاء المقاتلين نحو الحوثيين فى جنوب الجزيرة العربية يبعد خطرهم المباشر عن المشاريع الصينية الحيوية فى بلاد الشام والمنافذ البحرية القريبة. وفيما يلى تحليل لطبيعة التعامل الإستخباراتى والأمنى الصينى مع ملف مقاتلى الإيغور:
١) إستراتيجية الصين “التفكيك والتصفية” لا “الترحيل والتوجيه” لمقاتلى الإيغور والحزب الإسلامى التركستانى فى سوريا
• الموقف من المقاتلين: ترفض الصين بشكل قاطع أى دمج أو إعادة توطين لمقاتلى الإيغور فى أى منطقة.
• الضغط فى الساحة السورية: تمارس بكين ضغوطاً سياسية وإقتصادية مشروطة على الحكومة السورية الجديدة بقيادة “أحمد الشرع” لتفكيك الوجود العسكرى للحزب التركستانى بشكل نهائى وتصفية عناصره أو تسليمهم، رافضةً دمجهم فى مؤسسات الدولة السورية الجديدة أو وزارة الدفاع السورية أو رفع العقوبات عن الفصائل السورية الموالية للرئيس “أحمد الشرع” ما لم يُحسم هذا الملف.
٢) طبيعة التهديد التركستاني للمصالح الصينية
• العداء المباشر لبكين: هدد قادة الحزب الإسلامى التركستاني صراحةً بنقل المعركة إلى الداخل الصينى (إقليم شينجيانغ) وإستهداف المصالح الصينية فى الخارج عقب التطورات الميدانية فى سوريا.
• التحالفات المتطرفة: يرتبط الحزب الإسلامى التركستانى الصينى تاريخياً بتنظيم القاعدة، وتحاول تنظيمات مثل “داعش خراسان” إستقطاب مقاتليه لتنفيذ هجمات ضد أهداف صينية في آسيا الوسطى والشرق الأوسط. بناءً على ذلك، فإن ترك هؤلاء المقاتلين يتحركون بحرية نحو اليمن سيشكل خطراً مضاعفاً على خطوط الملاحة والمصالح الإقتصادية الصينية هناك.
٣) آليات بكين لحماية مصالحها فى الشرق الأوسط
• التعاون الإلكترونى والإستخباراتى: تستخدم الصين قدراتها التقنية لملاحقة هؤلاء المقاتلين؛ حيث رصدت تقارير حملات إستهداف إلكترونى منظم مدعومة من بكين تستخدم الذكاء الإصطناعى لمراقبة وإختراق أفراد من الإيغور يتواجدون فى مناطق النزاع.
• التنسيق الإقليمى: تسعى الصين لتعزيز المراقبة الحدودية وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع دول الجوار، مثل (طاجيكستان وتركيا ودول آسيا الوسطى) لمنع تسلل أو هروب هؤلاء المقاتلين من جبهات القتال إلى مناطق أخرى.
– خامساً: تعزيز بكين أوراق الضغط السياسى والدبلوماسى فى مواجهة حكومة الرئيس السورى “أحمد الشرع” لتسليم مقاتلى الإيغور والحزب الإسلامى التركستانى للسلطات الصينية
تستخدم بكين حزمة أدوات ضغط سياسى وإقتصادى فى تفاوضها مع حكومة الرئيس السورى “أحمد الشرع” بهدف تسليم مقاتلى الإيغور والحزب الإسلامى التركستانى. وفى المقابل، تفضل الحكومة السورية مقاربة تقوم على الإحتواء والترتيبات الداخلية بدلاً من التسليم القسرى، وذلك فى محاولة لتحقيق تعادل دبلوماسى يحفظ الإستقرار الداخلى. ولذلك تضغط السلطات الصينية على نظيرتها السورية فى ملف الإيغور والحزب الإسلامى التركستانى المتواجدين فى الأراضى السورية، من خلال:
١) الضغط على الحكومة السورية: تستغل بكين ملف الإيغور كورقة ضغط مستمرة في علاقتها مع دمشق، حيث تطالبها دوماً بتصفية هذا الملف أو تسليم المطلوبين كشرط للمساهمة في إعادة الإعمار وضخ الاستثمارات. خروج هؤلاء المقاتلين إلى جبهة أخرى قد يسهل على الصين تتبعهم بشكل منفصل بعيداً عن التعقيدات السياسية السورية.
٢) التنسيق الأمنى الإقليمى: يعزز هذا السيناريو حاجة الأطراف الإقليمية، مثل (السعودية أو الحكومة اليمنية) إلى التعاون الإستخباراتى مع الصين للحصول على معلومات حول البنية القتالية والتكتيكات العسكرية لمقاتلى الإيغور، مما يمنح بكين نفوذاً أمنياً أوسع فى ملفات الخليج واليمن.
وبناءً على التحليل الإستراتيجى السابق، نفهم خلاص الموقف الإستخباراتى الصينى، حيث تسعى الصين عبر أدواتها الدبلوماسية والإستخباراتية إلى الضغط المستمر على القيادة السورية الجديدة للرئيس “أحمد الشرع” لتفكيك ونزع سلاح الحزب الإسلامى التركستانى أو ترحيل مقاتليه، حيث ترى بكين أن إستنزاف هذه المجموعات وإضعاف قدراتها العسكرية فى صراعات الشرق الأوسط (سواء فى سوريا أو عبر إشغالهم فى جبهات كاليمن) يخدم أمنها القومى على المدى الطويل، شريطة ألّا يؤدى ذلك إلى تمدد نفوذهم المسلح أو تهديد مصالحها الإقتصادية الحيوية فى المنطقة.
المقال الثالث
الموقف الصينى من الإنتخابات الإسرائيلية القادمة وأيهما تفضل؟: الإنتخابات الإسرائيلية: من تريد الصين أن يفوز، وما هو على المحك بالنسبة لبكين؟
تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية والمحللة الإستخباراتية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
تنظر مراكز الفكر والدوائر الإستراتيجية والإستخباراتية الصينية، مثل (معهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة)
(CICIR)
وأكاديمية العلوم الإجتماعية
(CASS)
إلى الإنتخابات الإسرائيلية الـ ٢٦ المرتقبة فى تل أبيب، بإعتبارها محطة مفصلية لإعادة صياغة التوازنات الجيوسياسية الجديدة فى منطقة الشرق الأوسط، وتعتبر أن رحيل “بنيامين نتنياهو” قد يخدم المصالح الصينية على المديين المتوسط والبعيد. فوفقاً للتحليلات السياسية ومواقف مراكز الأبحاث الصينية المعنية بالشرق الأوسط، فإن الصين تتبنى دائماً مبدأ “عدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول” كسياسة رسمية معلنة تجاه الإنتخابات الإسرائيلية، ولا تبدى تفضيلاً علنياً لأى حزب أو مرشح محدد. ومع ذلك، تنظر بكين إلى نتائج هذه الإنتخابات من منظور براغماتى عملى مرن بحت يتعلق بمصالحها الجيوسياسية والإقتصادية. وتتلخص القراءة الإستراتيجية الصينية للإنتخابات الإسرائيلية القادمة وإحتمالية تغيير حكومة نتنياهو وتفضيلاتها الضمنية، من خلال عدداً من المحاور الأساسية التالية:
– أولاً: المنظور الإقتصادى والتكنولوجى لعلاقات الصين بإسرائيل والرغبة الصينية فى بيئة مستقرة لإستثماراتها فى تل أبيب
١) الإستثمارات الصينية فى إسرائيل: تولى الصين أهمية كبرى لتعزيز إستثماراتها فى البنية التحتية الإسرائيلية، مثل (الموانئ والسكك الحديدية) وشراكاتها التكنولوجية.
٢) الصين تُفضّل حكومة إسرائيلية جديدة أقل تأثراً بالضغوط الأمريكية على بكين: تميل بكين ضمنياً إلى أى حكومة إسرائيلية توفر بيئة مستقرة لهذه الإستثمارات، وتكون أقل إستجابة للضغوط الأمريكية التى تحاول تقييد التعاون التكنولوجى والإقتصادى بين إسرائيل والصين.
– ثانياً: المنظور السياسى الإقليمى وحرب غزة كأحد أسباب توتر العلاقات بين الصين والحكومة الحالية فى تل أبيب
١) شهدت العلاقات بين بكين وتل أبيب توترات واضحة فى أعقاب أحداث أكتوبر ٢٠٢٣ والحرب على غزة: فقد شهدت العلاقات بين بكين وتل أبيب توترات واضحة عقب أحداث أكتوبر ٢٠٢٣ والحرب على غزة، نظراً لإتخاذ الصين موقفاً يدعم الوقف الفورى لإطلاق النار وإقامة الدولة الفلسطينية، وإنتقادها للسياسات العسكرية الإسرائيلية، فى حين إتهمت حكومة “بنيامين نتنياهو” بكين بالمساهمة فى عزلتها الدولية.
٢) بكين تُفضّل حكومة إسرائيلية مستقرة: يرى المحللون الصينيون ومراكز الفكر والدوائر الإستراتيجية والسياسية والتحليلية الصين، أن بكين قد تفضل حكومة إسرائيلية أكثر ميلاً إلى التهدئة الإقليمية وخفض التصعيد فى الشرق الأوسط، لأن الإستقرار يخدم مشروعها الإقتصادى الأكبر “حزام واحد.. طريق واحد”، بينما يمثل إستمرار الصراع الإقليمى الممتد تهديداً لمصالحها الحيوية وممرات التجارة والطاقة فى المنطقة.
– ثالثاً: تقييم الصين “حقبة نتنياهو”: من الشراكة الإقتصاديّة إلى الصدام والإتهامات
١) نهاية البراغماتية: ترى الدوائر الصينية أن نتنياهو – الذى قاد لسنوات سياسة إنفتاح إقتصادى وتكنولوجى واسع مع بكين – قد شطب هذا النهج بالكامل بعد حرب غزة، متبنياً تموضعاً أيديولوجياً منحازاً كلياً للمحور الأمريكى على حساب الصين.
٢) أزمة الإتهامات المباشرة: ترصد التقارير الإستخباراتية الصينية بإمتعاض إتهامات “نتنياهو” المباشرة لبكين بقيادة “حصار إعلامى وضخ بروباغندا ودعاية معادية لإسرائيل” عبر منصات، مثل (التيك توك)
(TikTok)
وهو ما جعل مراكز الفكر الصينية تصنّف حكومة نتنياهو الحالية كعنصر “مشاغب” وضار بالصورة الدولية للصين.
– رابعاً: سيناريو التغيير وصعود المعارضة (تحالف بينيت-لابيد أو آيزنكوت)
١) رصد إستراتيجي دقيق: تتابع وكالات الإستخبارات والتحليل الصينية بدقة التحالفات السياسية الإسرائيلية قبيل الإنتخابات، مثل (تحالف لابيد-بينيت، أو تقدم معسكر غادى آيزنكوت).
٢) حكومة أكثر عقلانية ودبلوماسية: ترى الدوائر السياسية الصينية أن سقوط نتنياهو وصعود حكومة من “الوسط-اليسار” أو عسكرية معتدلة، لن يغير من تحالف إسرائيل العضوى مع واشنطن، لكنه سيعيد “العقلانية والدبلوماسية التقليدية” لسياسة تل أبيب الخارجية.
٣) تخفيف الإستقطاب العالمى: تعتقد بكين أن حكومة إسرائيلية جديدة ستكون أقل ميلاً لتصعيد الصراع اللفظى والسياسى مع الصين، وأكثر مرونة تجاه ترتيبات التهدئة الإقليمية، مما يتيح لبكين مساحة أوسع للمناورة كـ “وسيط سلام” إقليمى دون الإصطدام المباشر بتشدد نتنياهو.
– خامساً: حسابات التحالفات الصينية الإقليمية (إيران ومحور المقاومة)
١) كبح جماح الحرب الإقليمية الواسعة: ينصب تركيز التحليل الإستراتيجى الصينى على أن “نتنياهو” يرى فى الحروب المفتوحة وسيلة لبقائه السياسى. لذا فإن تغييره قد يقلل من إحتمالات إنزلاق المنطقة إلى حرب شاملة ومباشرة مع إيران (الحليف الإستراتيجى النفطى والسياسى للصين عبر إتفاقية الـ ٢٥ عاماً للشراكة الإستراتيجية بين بكين وطهران).
٢) حماية مشروع “الحزام والطريق” الصينى: ترى بكين أن إستمرار التصعيد العسكرى لحكومة اليمين الإسرائيلى المتطرف بقيادة “بنيامين نتنياهو” يهدد خطوط التجارة وسلاسل الإمداد الحيوية للصين فى البحر الأحمر وشرق المتوسط. وبالتالى، فإن رحيل نتنياهو يمثّل لبكين بداية لتهدئة إقليمية تحمى إستثماراتها وضخها الإقتصادى.
– سادساً: التنافس الصينى – الأمريكى فى المنطقة وعلاقته بالإنتخابات الإسرائيلية المرتقبة
١) إسرائيل كساحة حرب باردة: تدرك مراكز الفكر الصينية أن الولايات المتحدة تضغط بشدة لتطهير البنية التحتية والتكنولوجية الإسرائيلية من أى نفوذ صينى، مثل التواجد الصينى فى الموانئ الإسرائيلية وشبكات “الجيل الخامس”
(5G)
لشركة هواوى الصينية.
٢) إستغلال العزلة الدولية لإسرائيل: ترى القراءة الصينية أن سياسات نتنياهو المتشددة عمّقت من العزلة الدولية لإسرائيل وتسببت فى تآكل مكانة واشنطن الأخلاقية والسياسية عالمياً، ورغم أن بكين تفضل إستقرار التجارة، إلا أن المحللين الصينيين يرون فى هذا التآكل الأمريكى فرصة لتعزيز السردية الصينية فى “الجنوب العالمى” كقوة راعية للقانون الدولى والعدالة.
وبناءً على هذا التحليل الإستراتيجى، نفهم ربط الدوائر الإستراتيجية الصينية رحيل “بنيامين نتنياهو” وتغييره بحكومة إسرائيلية أكثر براغماتية وعملية ومرونة، ليس رغبةً فى تحويل إسرائيل نحو المعسكر الصينى، بل لخفض منسوب التوتر الإقليمى الذى يهدد مصالح بكين الإقتصادية مع الخليج وإيران، ولإنهاء حالة العداء الشخصى والسياسى المباشر التى تبناها نتنياهو ضد الصين فى أواخر عهده.
المقال الرابع
تحذير وزارة أمن الدولة الصينية من إختراق عدداً من المنظمات الأجنبية للمناطق الحساسة بيئياً فى الصين تحت ستار النشاط السياحى أو الأبحاث العلمية وتفكيك السلطات الصينية شبكة عابرة للحدود للإتجار بالبشر والمواد البيولوجية فى الصين: الصين تحذر من عمليات تجسس أجنبية متنكرة فى زى أبحاث، بينما تكشف السلطات عن شبكة تهريب عبر الحدود
تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية والمحللة الإستخباراتية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
حذرت وزارة أمن الدولة الصينية (المخابرات) فى مطلع شهر أكتوبر ٢٠٢٦ من مخاطر أمنية وبيولوجية متزايدة تهدد أمنها القومى، كاشفةً عن تسلل منظمات أجنبية إلى مناطق حساسة بيئياً فى البلاد تحت ستار الأبحاث العلمية والنشاط السياحى لسرقة الموارد الوراثية. كما أعلنت السلطات الصينية عن تفكيك شبكة عابرة للحدود لتهريب المواد البيولوجية وعينات جينية بشرية. وبناءً عليه، أصدرت وزارة أمن الدولة القائمة بعمل الإستخبارات فى جمهورية الصين الشعبية تحذيراً أمنياً رسمياً بشأن مخاطر التهريب غير القانونى للموارد الوراثية والمواد البيولوجية. وتتوزع تفاصيل هذا التحذير والعملية الأمنية الصينية، على عدة محاور رئيسية:
– أولاً: التسلل تحت غطاء السياحة والأبحاث
أفادت وزارة أمن الدولة الصينية عبر حسابها الرسمى، بأن منظمات وهيئات أجنبية إستغلت أنشطة تبدو مشروعة، مثل (التبادلات الأكاديمية، والبحوث العلمية، والجولات السياحية)، لفتح ممرات دخول غير قانونية إلى بيئات محمية وحساسة داخل الصين. الهدف من هذا التسلل هو جمع بيانات جينية وبيئية خاصة بالصين دون الحصول على الموافقات الرسمية اللازمة من مجلس الدولة وسلطات الجمارك. وكان أبرز ما جاء فى التحذير الأمنى والإستخباراتى الصينى:
١) التحذير من التسلل تحت غطاءات مختلفة: تحاول بعض المنظمات الأجنبية إختراق المناطق الحساسة بيئياً فى الصين تحت ستار النشاط السياحى أو الأبحاث العلمية.
٢) سرقة عينات الدم: يتم جمع عينات من دم الإنسان بطرق غير قانونية مستغلين غطاء الفحوصات الطبية، وقد أشارت الوزارة إلى تفكيك شبكة عابرة للحدود فى مقاطعة قوانغتشو عام ٢٠٢٥، كانت تختص بتهريب عينات دم نساء حوامل عبر ٢٣ مقاطعة صينية.
٣) التهديد البيئى والزراعى: حذرت السلطات الصينية من إستيراد أو تصدير الحيوانات والنباتات والبذور الغريبة دون تصاريح رسمية، لما يمثله ذلك من أخطار على النظم البيئية والزراعة والصحة العامة.
٤) دعوة للرقابة والإبلاغ: طالبت الوزارة بالحصول المسبق على التراخيص وإجراءات الحجر الصحى من الجهات المختصة، وحثت المواطنين على الإبلاغ عن أى تحركات مشبوهة للمواد البيولوجية عبر الحدود.
– ثانياً: تفكيك شبكة تهريب العينات البيولوجية (دم الحوامل)
كجزء من جهود مكافحة التجسس الحيوى، إستعرضت وزارة أمن الدولة الصينية نجاح سلطات جمارك غوانغتشو فى تفكيك شبكة تهريب عابرة للحدود إمتد نشاطها غير القانونى ليشمل ٢٣ مقاطعة صينية. فكانت التفاصيل من خلال:
١) آلية عمل الشبكة: كانت تقوم بجمع عينات من دماء النساء الحوامل الصيدلانية والبشرية وتصديرها بشكل غير قانوني إلى الخارج تحت غطاء “الفحوصات الطبية المزيفة”.
٢) الهدف المحتمل: حذرت الإستخبارات الصينية من أن تسريب هذه العينات والبيانات الجينية يسلب الصين قدرتها التنافسية فى براءات الإختراع الجينية، ويشكل تهديداً مباشراً للأمن القومى لسلامة الجينوم البشرى الخاص بسكانها، مع إحتمال إساءة إستخدامها فى تطوير أسلحة بيولوجية ضد أبناء الشعب الصينى.
– ثالثاً: تهريب الكائنات الغريبة والحيوانات الأليفة
لم يقتصر التحذير الأمنى والإستخباراتى الصينى على الجينات البشرية فحسب، بل شمل أيضاً مكافحة المخاطر البيئية الناتجة عن:
١) تهريب بذور النباتات النادرة والحيوانات الغريبة: التى تحاول جهات أجنبية إخراجها لدراستها أو إدخالها بطرق غير مشروعة.
٢) التحذير الرسمى للمسافرين: دعت الوزارة الصينية المواطنين والمسافرين إلى توخى الحذر الشديد خلال فترات العطلات من نقل أى مواد بيولوجية، حيوانات أليفة، أو عينات طبية عبر الحدود دون تصاريح مسبقة.
– رابعاً: الأنشطة الغطاء والأساليب المستخدمة
وفقاً للبيان الصينى، فإن الجهات الأجنبية تستخدم أنشطة القوة الناعمة والتعاون الدولي كغطاء، وتشمل:
١) التبادلات الأكاديمية والبحوث المشتركة: دمج باحثين أجانب في مشروعات محلية تتيح لهم الوصول إلى عينات بيولوجية.
٢) الجولات السياحية والاستكشافية: تنظيم رحلات إلى مناطق ريفية أو محميات طبيعية غنية بالتنوع البيولوجى لجمع عينات ميدانية (تربة، نباتات، مياه) دون لفت الإنتباه.
– خامساً: المستهدفات: البيانات الجينية والبيئية
بعد تنامى سلسلة محاولات الإختراق الأجنبية للداخل الصينى بهدف سرقة الجينات البشرية وغيرها، تركز بكين على حماية نوعين رئيسيين من البيانات، هما:
١) البيانات الجينية (الدنا والجينوم): تخشى الصين من استخدام البيانات الجينية للشعب الصيني لتطوير أسلحة بيولوجية عرقية محددة، أو إحتكار براءات ادإختراع طبية وعلاجية من قبل شركات أدوية غربية بناءً على جينات صينية.
٢) البيانات البيئية والجغرافية: تشمل مسح التضاريس، والموارد المائية، والأنواع النادرة، والتى يمكن إستخدامها لأغراض استخباراتية أو للإضرار بالأمن الغذائى والبيئى.
– سادساً: السياق القانونى والتشريعى فى الصين
نلاحظ بأن هذا التحذير الصينى ليس مجرد تصريح إعلامى، بل يستند إلى ترسانة قانونية صارمة حددتها الصين فى السنوات الأخيرة، من خلال:
١) قانون الأمن البيولوجي (دخل حيز التنفيذ عام ٢٠٢١): ينظم بشكل صارم جمع وتخزين وتصدير الموارد الجينية البشرية والبيولوجية الصينية، ويعاقب على مشاركتها مع أطراف أجنبية دون إذن.
٢) قانون مكافحة التجسس المُعدل (٢٠٢٣):



