ترامب والعداء للجميع لصالح إسرائيل

بقلم: ناصر السلاموني
شهدت المنطقة العربية من حروب وتدخلات منذ حرب العراق وإيران ثم غزو العراق للكويت ثم غزو العراق وتدميره واحتلاله ثم الفتن التي أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل تحت مسمى الربيع العربي، و التى أسهمت في تفكيك دولا وإضعاف مؤسساتها وتغيير أنظمتها، وتدمير دولا أخرى لامتصاص خيراتها؛لإتاحة توسيع النفوذ الإسرائيلي وتعزيز المصالح المرتبطة به.
وبعد ما حدث في الدول العربية من مسخ وتدمير اتجهت الولايات المتحدة إلى مواجهة إيران، في ظل مبررات اعترضت عليها أطراف دولية عديدة.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل تتوقف آثار الحرب عند حدود الشرق الأوسط، أم تمتد إلى الدول التي عارضت التصعيد العسكري أو رفضت المشاركة فيه، وإلى المجتمعات التي شهدت تحركات واسعة تضامنًا مع الشعب الفلسطيني، فضلًا عن الدول التي يتزايد فيها الوجود الإسلامي؟
أقولها بكل شفافية: لم تعد الحرب الإيرانية مجرد مواجهة عسكرية محصورة في الشرق الأوسط، بل أصبحت أزمة تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والملاحة الدولية والاقتصاد العالمي. وتجد أوروبا نفسها أمام اختبار صعب لقدرتها على حماية مصالحها واستقلال قرارها، في وقت لم تتعافَ فيه بصورة كاملة من أزمات اقتصادية متلاحقة أثرت في مستويات المعيشة، ورفعت تكاليف الطاقة والغذاء، وزادت الضغوط على الحكومات والمواطنين.
وما نراه الآن في فرنسا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال وألبانيا وإسبانيا من احتجاجات وتحركات شعبية ارتبطت بقضايا المعيشة والسكن والقدرة الشرائية والخدمات العامة، مع اختلاف أسبابها المباشرة وطبيعتها من دولة إلى أخرى. تعكس حجم الضغوط التي تواجهها المجتمعات الأوروبية، وتطرح تساؤلا حول قدرة الحكومات على حماية مواطنيها من تداعيات الأزمات الدولية. كما تثير تساؤلًا أوسع عن مدى تأثير السياسات الأمريكية والصراعات الدولية في الأوضاع الاقتصادية والسياسية داخل أوروبا.
ولفهم ما تواجهه أوروبا اليوم، ينبغي العودة إلى الوراء قليلا حيث جائحة كورونا التي بدأت عام 2020، وأحدثت اضطرابًا واسعًا في الاقتصاد العالمي نتيجة الإغلاق وتعطل المصانع والموانئ واضطراب سلاسل الإمداد، مما أدى إلى نقص بعض السلع وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
ومع عودة النشاط الاقتصادي، واجهت الدول تحديات تتعلق باستعادة مستويات الإنتاج ومعالجة الاختلالات في سلاسل التوريد، فيما استمرت آثارها في التداخل مع عوامل اقتصادية وتجارية أخرى أسهمت في ارتفاع الأسعار.
ولا تزال كورونا موضع نقاش وتحقيق دولي. فقد تناول تقرير اللجنة الفرعية المختارة بمجلس النواب الأمريكي، الصادر في ديسمبر 2024، فرضية ارتباط منشأ الفيروس بمختبر في ووهان، كماهناك من شكك في أن أبحاث فيروسات كورونا تمت بالتمويل الأمريكي لبعض الأبحاث ذات الصلة.
ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتضيف أعباء جديدة إلى الاقتصاد الأوروبي، إذ تسببت في اضطرابات في أسواق الطاقة، وأثرت في صادرات الحبوب والأسمدة وتكاليف النقل والتأمين، فضلًا عن اضطراب بعض مسارات التجارة والإمداد. ولم تكن الحرب وحدها سبب موجة الغلاء، إذ تداخلت آثارها مع عوامل اقتصادية وتجارية أخرى، لكن تداعياتها زادت الأعباء على الأسر والمزارعين والشركات الأوروبية.
وهكذا وجدت أوروبا نفسها أمام أزمات متعاقبة: جائحة عطلت الإنتاج والتجارة، ثم حرب في محيطها الأوروبي هزت أسواق الطاقة والغذاء، ثم مواجهة عسكرية مع إيران تهدد بإضافة أعباء جديدة إلى اقتصاد لم يستعد توازنه بالكامل. ويثير هذا التتابع سؤالًا جوهريًّا حول قدرة القارة الأوروبية على حماية اقتصادها من صدمات خارجية متلاحقة، في ظل اعتماد قطاعات واسعة من اقتصاداتها على التجارة الدولية واستقرار أسواق الطاقة.
وتزداد خطورة الحرب على إيران إذا طال اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة مهمة من تجارة النفط العالمية وكميات من الغاز الطبيعي المسال. فأي تعطيل مستمر لحركة الشحن أو ارتفاع في تكاليف التأمين والنقل قد ينعكس على أسعار الطاقة والإنتاج في أوروبا وخارجها. ولا تقف التداعيات عند الوقود، بل يمكن أن تمتد إلى المواد الخام والأسمدة والصناعات التي تعتمد على الطاقة، ثم تنتقل آثارها إلى المستهلك النهائي. ولهذا فإن أوروبا ليست بعيدة عن الحرب، حتى إذا رفضت المشاركة العسكرية فيها.
لقد عبّرت حكومات أوروبية عن تحفظات على الانخراط في العمليات العسكرية ضد إيران، واختلفت مواقفها بشأن استخدام القواعد العسكرية وتقديم الدعم اللوجستي والمشاركة المباشرة. وتعكس هذه المواقف تباينًا في تقدير الحكومات الأوروبية لمخاطر الانخراط العسكري، وللتداعيات التي قد تتحملها بلدانها إذا اتسعت المواجهة.
ولا ينفصل هذا المشهد عن الجدل الذي أثارته تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الهجرة والإسلام والمسلمين في أوروبا.
ولا يعني ذلك أن كل نقاش حول الهجرة أو الإسلام يحمل بالضرورة موقفًا عدائيًّا؛ فمن الضروري التمييز بين النقاش المشروع حول الهجرة والاندماج والأمن، وبين تعميم الاتهامات على المسلمين أو تصويرهم باعتبارهم تهديدًا جماعيًّا. فأوروبا ليست كتلة واحدة، والمسلمون فيها ليسوا جماعة متجانسة ذات موقف سياسي واحد مثل اليهود، بل مواطنون ومقيمون ينتمون إلى خلفيات متعددة ويسهمون في الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
وإذا تحولت الأزمات الاقتصادية إلى اتهامات جماعية للمهاجرين أو المسلمين، فقد ينصرف النقاش عن الأسباب الفعلية للغلاء وأوجه القصور في السياسات العامة، ويتحول إلى صراع اجتماعي يزيد الانقسام بدلًا من معالجة جذور المشكلة.
فضلاً عما سبق، لا يمكن تجاهل التحولات التي شهدتها المواقف الأوروبية من القضية الفلسطينية. فقد اعترفت دول أوروبية، من بينها المملكة المتحدة والبرتغال وفرنسا، بدولة فلسطين خلال عام 2025؛ إذ أعلنت المملكة المتحدة والبرتغال اعترافهما في 21 سبتمبر، ثم أعلنت فرنسا اعترافها في 22 سبتمبر من العام نفسه. وجاءت هذه الخطوات في ظل تصاعد المطالبات السياسية والشعبية بإنهاء الحرب في غزة، وتأكيد الحقوق الفلسطينية، وإحياء مسار التسوية القائمة على حل الدولتين.
وكشفت هذه التطورات عن تباينات داخل المعسكر الغربي بشأن كيفية التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعن اتساع الفجوة بين مواقف بعض الحكومات الأوروبية والسياسة التي تتبناها واشنطن في الشرق الأوسط. كما أظهرت الاحتجاجات والتظاهرات التضامنية مع فلسطين أن قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي لم تعد تتلقى السياسات الخارجية لحكوماتها دون نقاش أو اعتراض، بل باتت تطالب بمراجعة مواقفها تجاه الحرب، وحماية المدنيين، واحترام القانون الدولي.
فهل ستؤدي الخلافات الأوروبية الأمريكية حول فلسطين وإيران إلى إعادة تشكيل العلاقة بينهم؟ وهل تستطيع العواصم الأوروبية ترجمة مواقفها المعلنة إلى سياسة مستقلة، أم ستتراجع عندما تتعارض هذه المواقف مع الضغوط الاستراتيجية والاقتصادية؟
إن ما تواجهه أوروبا اليوم ليس مجرد ارتفاع عابر في الأسعار، بل اختبار متراكم لقدرة الأنظمة السياسية على حماية مستويات المعيشة، وتأمين الطاقة والغذاء، وصون الخدمات العامة، والحفاظ على الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وهو أيضًا اختبار لقدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة عندما تتعارض الحسابات الأمريكية مع المصالح الأوروبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى