المستشارة هدى الخضراوي تتساءل: هل بدأ العد التنازلي لتغيير خريطة الشرق الأوسط؟

هدى الخضراوي 

محامية وباحثة في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

 

 

إيه اللي بيحصل فعلًا؟

اللي بيحصل دلوقتي أكبر بكتير من إنه خلاف بين إيران وأمريكا أو مواجهة مع إسرائيل. إحنا قدام مرحلة بيتعاد فيها ترتيب موازين القوة في الشرق الأوسط. كل طرف بيحاول يثبت إنه قادر يفرض معادلته من غير ما يفتح الباب لحرب شاملة لأن الجميع عارف إن الحرب المفتوحة هتكون خسارة للجميع قبل ما تكون مكسب لأي طرف.

المنطقة بقت نقطة تقاطع لمصالح دولية وإقليمية. وكل قرار بيتاخد فيها بقى تأثيره بيمتد لأسواق المال والطاقة والتجارة في العالم كله. وعلشان كده أي صاروخ بيتضرب في المنطقة مش بيسمع صداه في الشرق الأوسط بس. صداه بيوصل لأسعار البترول والبورصات وجيوب الناس في كل دول العالم.

مين هيكسب؟

الحقيقة إن السؤال مش مين هيكسب.

السؤال الحقيقي هو مين هيقدر يستحمل الأزمة أكتر.

الصراعات الحديثة مبقتش بتتقاس بعدد الطائرات والدبابات. بقت بتتقاس بقوة الاقتصاد وقدرة الدولة على الصمود وتحمل الضغوط لفترات طويلة.

الدولة اللي عندها اقتصاد قوي وغذاء وطاقة ومؤسسات مستقرة هتخرج بأقل خسائر حتى لو دفعت تمن كبير في البداية.

إيه تأثير ده على الشرق الأوسط؟

الشرق الأوسط داخل على فترة من الحذر وعدم اليقين.

المستثمر بطبيعته بيدور على الاستقرار. أول ما يحس إن المخاطر زادت بيأجل قراراته أو ينقل استثماراته لمكان أكثر أمان.

وده معناه إن بعض المشروعات الكبرى ممكن تتباطأ. وبعض الاستثمارات الأجنبية ممكن تنتظر لحد ما الصورة تبقى أوضح.

وفي نفس الوقت هتشهد المنطقة سباق أكبر في الإنفاق العسكري. وده معناه إن جزء من الميزانيات اللي كانت رايحة للتنمية والتعليم والصحة هيتحول للأمن والدفاع.

هل التحالفات هتتغير؟

أكيد.

كل أزمة كبيرة بتعيد ترتيب العلاقات بين الدول.

هنشوف دول تقرب من حلفائها التقليديين. ودول تانية هتحاول تمسك العصاية من النص. ودول هتلعب دور الوسيط علشان تحقق مكاسب سياسية واقتصادية.

وده معناه إن خريطة النفوذ في المنطقة ممكن تختلف عن اللي عرفناه خلال السنوات الماضية.

إيه تأثير الأزمة على البترول؟

دي أخطر نقطة.

الشرق الأوسط لسه هو قلب الطاقة في العالم.

وأي توتر يهدد حركة تصدير النفط أو الملاحة في مضيق هرمز أو البحر الأحمر بيخلي الأسواق تتحرك حتى قبل ما يحصل نقص حقيقي في البترول.

يعني مجرد الخوف بيحرك الأسعار.

ولما سعر البترول يرتفع مش البنزين بس اللي بيغلى.

النقل هيغلى.

الشحن هيغلى.

المصانع هتدفع أكتر.

وسعر كل منتج تقريبًا هيتأثر.

المواطن العادي هيحس بإيه؟

حتى لو عايش بعيد عن الشرق الأوسط.

هيحس بارتفاع الأسعار.

خلينا نبسطها بمثال.

لو تكلفة شحن القمح أو الذرة زادت بسبب ارتفاع أسعار الوقود فالمطحن هيدفع أكتر. والمخبز هيدفع أكتر. وفي النهاية رغيف العيش هيزيد سعره.

ولو شركة نقل دفعت أكتر في السولار هتزود تكلفة نقل الملابس والأدوية والأجهزة. وفي الآخر المواطن هو اللي بيدفع الفرق.

يعني الأزمة ممكن تبدأ في الشرق الأوسط لكن فاتورتها توصل لأي بيت في العالم.

الاقتصاد العالمي رايح على فين؟

لو التوتر استمر لفترة طويلة الاقتصاد العالمي هيواجه تحديات كبيرة.

التضخم ممكن يرجع يرتفع.

والبنوك المركزية ممكن تفضل محافظة على أسعار الفايدة المرتفعة.

وده معناه قروض أغلى.

واستثمارات أقل.

ونمو اقتصادي أبطأ.

وده سيناريو بيقلق كل الحكومات لأنه بيضغط على الشركات وعلى المواطن في نفس الوقت.

أسواق المال هتتصرف إزاي؟

أول رد فعل في أي أزمة كبيرة هو الخوف.

ولما الخوف يزيد المستثمرين بيبيعوا الأصول الخطرة ويدوروا على أماكن أكثر أمان.

علشان كده ممكن نشوف هبوط في بعض البورصات وارتفاع في الذهب أو أصول تانية بيعتبرها المستثمرون أكثر أمانًا وقت الأزمات.

مين المستفيد؟

فيه دول مصدرة للطاقة ممكن تستفيد من ارتفاع الأسعار.

وشركات الصناعات الدفاعية غالبًا هيزيد عليها الطلب.

وفي نفس الوقت شركات كتير هتتضرر بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل.

يعني حتى في الأزمات مفيش حد بيكسب في كل حاجة ولا حد بيخسر في كل حاجة.

هل إحنا داخلين على حرب عالمية؟

في رأيي لأ.

الأقرب إن العالم داخل على مرحلة طويلة من التوتر.

لا حرب شاملة.

ولا سلام كامل.

ضغوط سياسية.

ضربات محدودة.

ردود محسوبة.

عقوبات اقتصادية.

ومفاوضات مستمرة بعيدًا عن الكاميرات.

كل طرف بيحاول يحافظ على هيبته من غير ما يدخل حرب مفتوحة لأن تكلفة الحرب أكبر بكتير من أي مكسب ممكن يحققه.

إيه السيناريو الأقرب؟

السيناريو الأقرب هو استمرار الشد والجذب.

كل فترة يحصل تصعيد.

وبعدها تهدئة.

ثم تعود الأزمة من جديد.

وده معناه إن العالم هيفضل يعيش على موجات من القلق وعدم اليقين لفترة مش قصيرة.

الخلاصة وإحنا نعمل إيه؟

في وقت الأزمات أكبر غلطة إن الإنسان يصدق كل خبر أو يبني قراراته على الخوف.

افتكر وقت كورونا.

ناس خزنت أكل وأدوية بشكل مبالغ فيه.

وناس باعت استثماراتها بخسارة.

وبعدها اكتشفوا إن أكبر خسارة كانت القرارات اللي أخدوها وهم تحت ضغط.

وافتكر لما أسعار الذهب أو الدولار كانت بتتحرك بسرعة.

ناس اشترت بدافع الخوف مش بدافع الدراسة.

وبعدها السوق اتغير وخسروا جزء من فلوسهم.

اللي بيحصل النهارده محتاج هدوء أكتر من احتياجه خوف.

لو أنت مواطن عادي ركز على شغلك. طور مهاراتك. حافظ على مدخراتك. ومتخليش الشائعات تقود قراراتك.

ولو أنت صاحب شركة فكر على المدى الطويل. لأن الأزمات بتيجي وتعدي لكن الإدارة الذكية هي اللي بتعرف تكمل.

أما الحكومات فالتحدي الحقيقي مش بس إدارة الصراع. التحدي الأكبر هو حماية الاقتصاد وتأمين احتياجات الناس والحفاظ على الاستقرار لأن المواطن هو أول واحد بيدفع ثمن أي أزمة.

وفي النهاية التاريخ علمنا إن كل أزمة كبيرة غيرت شكل العالم. لكنه علمنا كمان إن الشعوب اللي انتصرت مش كانت الأقوى سلاحًا. كانت الأكثر وعيًا. والأهدأ في اتخاذ القرار. والأسرع في التكيف مع الواقع الجديد.

الرهان الحقيقي مش على مين هيطلق الصاروخ الأول.

الرهان الحقيقي على مين هيقدر يحافظ على الإنسان والاقتصاد والدولة لحد ما العاصفة تعدي.

المقالات والتحليلات الواردة تعبر عن رؤية تحليلية تستند إلى قراءة للوقائع والتطورات الجيوسياسية وتهدف إلى مناقشة السيناريوهات المحتملة دون الجزم بما سيحدث مستقبلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى