رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مكانة الحرف اليدوية والأعمال المهنية من منظور الإسلام

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مكانة الحرف اليدوية والأعمال المهنية من منظور الإسلام
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
منزلة العمل والحرفة في ميزان الإسلام
· العمل اليدوي ليس مجرد وسيلة للرزق، بل هو أمانة وجود، ورسالة استخلاف، وسراج إعمار للأرض.
· العمل اليدوي ينسف المفهوم الخاطئ بازدراء المهن، ويُحل محله اليقين بأن العامل الصانع هو قلب الأمة النابض.
● الحرفة والعمل اليدوي تكريم إلهي وتشريف رباني
أولاً: عمل الأنبياء عليهم السلام بالحرف:
· نبي الله نوح عليه السلام – عمل بالنجارة:
قال تعالى: · ﴿وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧].
· نبي الله داود عليه السلام – عمل بالحدادة:
· قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ ١٠ أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١﴾ [سبأ: ١٠-١١].
وقال ﷺ : «مَا أكَلَ أحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِن أنْ يَأْكُلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ، وإنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عليه السَّلَامُ، كانَ يَأْكُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ». <خرجه البخاري، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، رقم: 2072>.
· نبي الله زكريا عليه السلام – عمل بالنجارة أيضًا.
● ثانياً: الحرفة ميدان للاستخلاف وعمارة الأرض:
· قال تعالى ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَاۖ فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ﴾ [هود: ٦١].
● العنصر الثاني: إتقان العمل الحرفي عبادة وأمانة وضرورة حضارية
أولاً: الأمر بالإتقان واعتباره فريضة شرعية:
· قالﷺ : «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ علَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». <خرجه مسلم، كتاب الصيد والذبائح، رقم: 1955>.
· وقال ﷺ : «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ». <حسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم: 1880>.
ثانياً: الإتقان أمانة يترتب عليها الجزاء:
· قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨].
· عن أبي هريرة: مر النبي ﷺ على صبرة طعام فأدخل يده فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، مَن غَشَّ فليس مني». <خرجه مسلم، كتاب الإيمان، رقم: 102>.
ثالثاً: الإتقان سبب للبركة والتنمية:
· قالﷺ : «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى». <خرجه البخاري، كتاب البيوع، رقم: 2076>.
● العنصر الثالث: الحرفة والكسب الحلال طريق الجنة والنجاة
أولاً: فضل كسب اليد والترغيب فيه:
· عن رافع بن خديج قال: قيل: يا رسول الله، أي الكسب أطيب؟ قال: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ». <خرجه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الترغيب، رقم: 1692>.
ثانياً: التنزه عن سؤال الناس والتعفف بالحرفة:
· قال ﷺ : «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً علَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِن أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ». <خرجه البخاري، كتاب المساقاة، رقم: 2374>.
· وقال ﷺ «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بحُزْمَةِ حَطَبٍ علَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بهَا وجْهَهُ؛ خَيْرٌ له مِن أنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ». <خرجه مسلم، كتاب الزكاة، رقم: 1042>.
ثالثاً: الحرفة زكاة للنفس وكفارة للذنوب:
· قال ﷺ : «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِن نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أذًى وَلَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا؛ إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ». <خرجه البخاري، كتاب المرضى، رقم: 5641، ومسلم، رقم: 2573>.
● العنصر الرابع: الصناعة والحرفة جهاد في سبيل الله
أولاً: سد حاجة الأمة جهاد بالصناعة:
· قال تعالى ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
· شواهد من السيرة:
– سعد بن معاذ يصنع السيوف، وأم عمارة تداوي الجرحى، ومشاركة النبي ﷺ في حفر الخندق قائلاً: «اللَّهُمَّ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ… فَاغْفِرْ لِلأنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ». <خرجه البخاري، كتاب المغازي، رقم: 4106>.
ثانياً: الغزو الفكري والاقتصادي يحتاج إلى حرفيين:
· قال تعالى : ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] – والقوة اليوم هي القوة الصناعية والإنتاجية.
● العنصر الخامس: من فقه الحرفة: أحكام المعاملات وضوابط الأخلاق
أولاً: أخلاق الحرفي المسلم:
· الصدق والأمانة، قال تعالى : ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
· الوفاء بالعقود، قال تعالى : ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ﴾ [المائدة: ١].
· الرحمة واليسر:
قال ﷺ :
«مَن أنْظَرَ مُعْسِرًا أوْ وضَعَ له، أظَلَّهُ اللَّهُ في ظِلِّهِ». <خرجه مسلم، كتاب الزهد، رقم: 3006>.
تحريم الغش والتدليس:
· قال تعالى : ﴿أَلَمۡ يَعۡلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ [العلق: ١٤].
· وقال : «مَن غَشَّ فليس مني»
● العنصر السادس: نماذج حضارية من تاريخ الإسلام في إجلال الحرفة .
· الإمام أبو حنيفة: كان تاجر خزّاز (يبيع القماش).
· القاضي أبو يوسف: كان يعمل قصارًا ثم صار قاضي القضاة.
· الخلفاء العثمانيون: السلطان سليمان القانوني يجيد صناعة المجوهرات،
والسلطان عبد الحميد الثاني كان نجارًا ماهرًا.
· نظام الأوقاف الإسلامية: كانت توقف الأوقاف لتعليم الحرف وبناء الخانات للصناع.
إن العمل اليدوي والحرفة في الإسلام لهما منزلة رفيعة لا تضاهيها منزلة، إذ يرقى بهما الدين إلى مصاف العبادة والجهاد والاستخلاف في الأرض.
اللهم يا من علمت داود صنعة الحداد، وهديت نوحًا إلى نجارة السفين، وألهمت إدريس حياكة الثياب، نسألك يا ذا الجلال والإكرام، يا بديع السماوات والأرض، أن ترزقنا حب العمل، وتجعلنا من المتقنين في صنائعهم، الصادقين في معاملاتهم، المخلصين في مساعيهم




