الطاقة تعيد تشكيل خريطة الاستثمار العقاري.. «إنفستجيت» تطرح معادلة المستقبل بين الاستدامة والعائد الاقتصادي

الطاقة تعيد تشكيل خريطة الاستثمار العقاري.. «إنفستجيت» تطرح معادلة المستقبل بين الاستدامة والعائد الاقتصادي

✍️ بقلم: طه المكاوي

لم يعد الحديث عن الطاقة داخل القطاع العقاري يقتصر على فواتير الكهرباء أو تكلفة تشغيل المباني، بل أصبح جزءًا أساسيًا من معادلة الاستثمار والتقييم والقدرة التنافسية. وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة نحو الاقتصاد الأخضر، وتزايد الضغوط المرتبطة بالاستدامة البيئية، باتت كفاءة الطاقة أحد المؤشرات الرئيسية التي تحدد مستقبل الأصول العقارية وقدرتها على الاحتفاظ بقيمتها وتحقيق عوائد مستدامة.

ومن هذا المنطلق، نظمت شركة «إنفستجيت» مائدتها المستديرة الثامنة والعشرين تحت عنوان «الطاقة والقطاع العقاري.. معادلة القيمة الجديدة»، بحضور نخبة من المسؤولين الحكوميين، والمطورين العقاريين، وخبراء الطاقة والاستدامة، وممثلي المؤسسات التمويلية الدولية، لمناقشة مستقبل العلاقة بين قطاعي الطاقة والعقارات، واستعراض أفضل الممارسات التي تضمن تحقيق التوازن بين الجدوى الاقتصادية ومتطلبات التنمية المستدامة.

وجاءت المناقشات في توقيت بالغ الأهمية، حيث يشهد العالم تغيرات جوهرية في مفاهيم التنمية العمرانية، بالتزامن مع تصاعد أهمية المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG)، وارتفاع توقعات المستثمرين بشأن جودة الأصول وكفاءة تشغيلها وقدرتها على التكيف مع تحديات المستقبل.

العقارات والطاقة.. شراكة تتجاوز المفهوم التقليدي

على مدار عقود طويلة، ارتبطت قيمة العقار بعوامل معروفة مثل الموقع الجغرافي، والتصميم المعماري، وجودة التنفيذ، والخدمات المحيطة. إلا أن التطورات الاقتصادية والتكنولوجية الأخيرة أضافت عنصرًا جديدًا لا يقل أهمية عن تلك العوامل، وهو كفاءة الطاقة.

فالمباني الحديثة لم تعد تُقاس فقط بجمال التصميم أو حجم المساحات، بل بمدى قدرتها على تقليل استهلاك الطاقة والمياه، وخفض الانبعاثات الكربونية، وتوفير بيئة تشغيلية أكثر استدامة.

وأصبح المستثمرون العالميون ينظرون إلى استهلاك الطاقة باعتباره مؤشرًا مباشرًا على جودة الأصل العقاري ومستوى المخاطر المرتبطة به، وهو ما دفع المطورين في مختلف دول العالم إلى إعادة التفكير في أساليب التصميم والتشغيل والإدارة.

وفي مصر، بدأت هذه المفاهيم تفرض نفسها بقوة على القطاع العقاري، خاصة مع توسع الدولة في إنشاء المدن الذكية والمجتمعات العمرانية الجديدة التي تعتمد على بنية تحتية متطورة وتكنولوجيا حديثة لإدارة الموارد بكفاءة أعلى.

«إنفستجيت» تفتح ملفًا استراتيجيًا للمستقبل

استهلت الأستاذة صفاء عبد الباري، المدير العام ومدير تطوير الأعمال بشركة «إنفستجيت»، أعمال المائدة المستديرة بالتأكيد على أن اختيار هذا الموضوع جاء استجابة للتغيرات المتسارعة التي يشهدها القطاع العقاري محليًا وعالميًا.

وأوضحت أن الطاقة لم تعد عنصرًا تشغيليًا ثانويًا، وإنما أصبحت مكونًا رئيسيًا في تقييم الأصول العقارية وتحديد قدرتها على المنافسة في السوق.

وأكدت أن المستثمرين باتوا أكثر اهتمامًا بالمشروعات التي تحقق كفاءة تشغيلية مرتفعة، نظرًا لما توفره من وفورات مالية طويلة الأجل، فضلًا عن مساهمتها في تعزيز الاستدامة البيئية وتحسين جودة الحياة.

وأضافت أن المرحلة الحالية تتطلب حوارًا جادًا بين مختلف الأطراف المعنية للوصول إلى حلول عملية تدعم التحول نحو عقارات أكثر كفاءة واستدامة.

عمرو القاضي: مفهوم القيمة العقارية يشهد تحولًا جذريًا

من جانبه، أكد الأستاذ عمرو القاضي، المؤسس والعضو المنتدب لشركة AKD Advisory ورئيس الجلسة، أن القطاع العقاري يشهد تغيرًا غير مسبوق في مفهوم القيمة.

وأشار إلى أن المستثمرين لم يعودوا ينظرون إلى العقار باعتباره مبنى فقط، بل كمنظومة تشغيلية متكاملة تعتمد على كفاءة إدارة الموارد والطاقة.

وأوضح أن التطورات التكنولوجية المتلاحقة، والاعتماد المتزايد على أنظمة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، جعلت من الضروري دمج حلول الطاقة الذكية ضمن استراتيجية تطوير وإدارة الأصول العقارية.

وأكد أن التكامل بين الطاقة والعقارات أصبح ضرورة اقتصادية واستثمارية وليس مجرد خيار إضافي.

الدولة المصرية تضع الاستدامة في قلب التنمية العمرانية

وخلال المناقشات، استعرض المهندس خالد صديق، رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الحضرية ومساعد وزيرة الإسكان، رؤية الدولة المصرية تجاه ملف الطاقة والاستدامة.

وأوضح أن معايير كفاءة الطاقة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من خطط التنمية العمرانية الحديثة، وأن الحكومة تعمل على دمج تلك المعايير في مختلف مراحل التخطيط والتطوير.

وأشار إلى أن التصميم العمراني الذكي يمكن أن يحقق وفورات كبيرة في استهلاك الطاقة من خلال الاستفادة من العوامل الطبيعية مثل اتجاهات الرياح وأشعة الشمس والتهوية الطبيعية.

وأضاف أن تحقيق الاستدامة لا يقتصر على المباني فقط، بل يشمل أيضًا البنية التحتية ومرافق المياه والصرف الصحي وشبكات الخدمات المختلفة.

وأكد أن الدولة تسعى إلى بناء مجتمعات عمرانية متكاملة تحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية.

البناء الأخضر.. من المبادرات إلى التشريعات

بدوره، أكد الدكتور المهندس عبد الخالق إبراهيم، عضو مجلس النواب، أن مصر قطعت خطوات مهمة في مجال البناء الأخضر خلال السنوات الأخيرة.

وأوضح أن إطلاق الاستراتيجية الوطنية للبناء والعمران الأخضر يعكس التوجه الرسمي نحو تعزيز كفاءة الطاقة داخل القطاع العقاري.

وأشار إلى أن نجاح هذا التوجه يتطلب تطوير إطار تشريعي متكامل يحدد المسؤوليات ويوفر آليات واضحة للتطبيق والمتابعة.

كما شدد على أهمية الجمع بين الحوافز والإلزام، بحيث يتم تشجيع المطورين على تبني معايير الاستدامة دون التأثير سلبًا على نشاط السوق العقاري.

وأضاف أن التشريعات المستقبلية يجب أن تراعي طبيعة المباني المختلفة، سواء كانت سكنية أو تجارية أو إدارية، لضمان تحقيق أفضل النتائج.

هند فروح: المباني تستهلك نصف الطاقة تقريبًا

قدمت الدكتورة هند فروح، مدير معهد العمارة والإسكان بالمركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، قراءة مهمة لحجم التحدي الذي يواجه قطاع الطاقة.

وأوضحت أن المباني السكنية تستحوذ على نسبة كبيرة من إجمالي استهلاك الطاقة في مصر، وهو ما يجعل تحسين كفاءة استخدامها أولوية وطنية.

وأكدت أن الدراسات أثبتت قدرة الحلول المستدامة على تحقيق وفورات كبيرة في استهلاك الكهرباء والمياه، بالإضافة إلى تحسين جودة البيئة الداخلية للمباني.

وأشارت إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مرحلة التوعية والتوصيات إلى مرحلة التطبيق الفعلي والإلزام التدريجي.

«الهرم الأخضر».. شهادة مصرية للاستدامة

وتطرقت فروح إلى نظام «الهرم الأخضر» المصري، الذي يمثل أحد أهم أدوات تقييم المباني المستدامة في مصر.

وأوضحت أن النظام تم تطويره بما يتناسب مع الظروف البيئية والاقتصادية والاجتماعية المحلية، مستفيدًا من أفضل الممارسات العالمية في مجال البناء الأخضر.

وأكدت أن المباني التي تحصل على تقييمات مرتفعة ضمن هذا النظام تحقق قيمة سوقية أعلى، نظرًا لانخفاض تكاليف تشغيلها وارتفاع مستويات الكفاءة بها.

كما أشارت إلى أن الدراسات أظهرت إمكانية بيع الوحدات الخضراء بأسعار تزيد بنحو 30% مقارنة بالمباني التقليدية.

الطاقة الشمسية تفرض حضورها في المشروعات العقارية

احتلت الطاقة الشمسية مساحة واسعة من النقاشات، باعتبارها إحدى أكثر الوسائل فعالية لتحقيق الاستدامة داخل القطاع العقاري.

وأوضحت فروح أن مشروع الطاقة الشمسية الذي تم تنفيذه بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ساهم في تركيب مئات المحطات الشمسية داخل العديد من المحافظات المصرية.

وأكدت أن التطور التكنولوجي ساعد على دمج الألواح الشمسية في التصميم المعماري للمباني بشكل أكثر جاذبية ومرونة.

كما أشارت إلى أن انخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية خلال السنوات الأخيرة جعلها خيارًا اقتصاديًا أكثر جدوى للمطورين والمستخدمين.

المطورون العقاريون يطالبون بحوافز أوضح

من جانبهم، أجمع ممثلو شركات التطوير العقاري على أهمية وجود حوافز واضحة ومستقرة لدعم التحول نحو البناء المستدام.

وأكد المهندس وليد مختار، الرئيس التنفيذي لشركة إيوان للتطوير العقاري، أن المطورين بحاجة إلى رؤية واضحة منذ مرحلة تخصيص الأراضي وحتى التشغيل.

وأوضح أن إدراج اشتراطات الاستدامة ضمن شروط الطرح من البداية سيكون أكثر فاعلية من تطبيقها لاحقًا.

كما شدد على أهمية رفع وعي العملاء بأهمية كفاءة الطاقة والعائد الاقتصادي الناتج عنها.

سيتي إيدج: الاستدامة أصبحت جزءًا من المنافسة

أكد المهندس تامر ناصر، الرئيس التنفيذي لشركة سيتي إيدج للتطوير العقاري، أن السوق العقاري المصري بات أكثر استعدادًا لتبني مفاهيم الاستدامة.

وأوضح أن المطورين يدركون أهمية كفاءة الطاقة، لكنهم يواجهون تحديات تتعلق بالتكلفة والحاجة إلى حوافز إضافية.

وأضاف أن نجاح أي مشروع مستدام يعتمد على قدرة المطور على تحقيق توازن بين الجودة والكفاءة والعائد الاقتصادي.

وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف الإنشاء المرتبطة ببعض الحلول المستدامة يتطلب توفير آليات تمويل أكثر مرونة.

«منصات»: العائد الاقتصادي يبرر الاستثمار في الاستدامة

أكد المهندس أحمد أمين مسعود أن الاستثمار في كفاءة الطاقة لم يعد يمثل عبئًا إضافيًا، بل أصبح استثمارًا مربحًا على المدى المتوسط والطويل.

وأوضح أن تطبيق معايير الاستدامة يرفع تكاليف الإنشاء في البداية، لكنه يحقق وفورات كبيرة في التشغيل والصيانة لاحقًا.

وأشار إلى أن العديد من المشروعات التي تبنت هذه المعايير حققت زيادة في المبيعات نتيجة ارتفاع الطلب على الوحدات الأكثر كفاءة واستدامة.

وأكد أن تجربة العاصمة الإدارية الجديدة أثبتت نجاح سياسة الحوافز في تشجيع المطورين على تبني الحلول الخضراء.

«طاقة باور» تطرح نموذج الطاقة كخدمة

وخلال الجلسة، استعرض المهندس سامي عبد القادر مفهوم «الطاقة كخدمة» باعتباره أحد الحلول الواعدة لمواجهة تحديات التمويل والتشغيل.

وأوضح أن هذا النموذج يتيح للمطورين الاستفادة من أنظمة الطاقة الحديثة دون تحمل استثمارات ضخمة، حيث تتولى شركات متخصصة التمويل والتنفيذ والتشغيل.

وأكد أن هذا النموذج يسهم في تقليل المخاطر وتحسين كفاءة إدارة الطاقة داخل المشروعات العقارية.

كما أشار إلى أن انخفاض تكلفة الطاقة المتجددة أصبح عاملًا داعمًا للتوسع في تطبيق هذه الحلول.

التمويل الأخضر.. بوابة جذب الاستثمارات

في ختام المناقشات، أكدت مي إسماعيل، نائب مدير البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، أن المؤسسات المالية العالمية أصبحت تمنح أولوية متزايدة للمشروعات المستدامة.

وأوضحت أن تطبيق معايير كفاءة الطاقة يمكن أن يساعد المطورين على الحصول على تمويل بشروط أفضل وأسعار فائدة أكثر تنافسية.

وأضافت أن الاستدامة أصبحت أحد المعايير الرئيسية التي ينظر إليها المستثمرون الأجانب عند اتخاذ قراراتهم الاستثمارية.

وأكدت أن التمويل الأخضر يمثل فرصة كبيرة أمام القطاع العقاري المصري لتعزيز تنافسيته وجذب المزيد من رؤوس الأموال.

الاستدامة تصنع القيمة الجديدة للعقار

في ختام المائدة المستديرة، اتفقت آراء المشاركين على أن مستقبل القطاع العقاري أصبح مرتبطًا بشكل وثيق بمدى قدرته على إدارة الطاقة بكفاءة وتحقيق الاستدامة.

فالعقار الحديث لم يعد مجرد مبنى يوفر مساحة للسكن أو العمل، بل أصبح أصلًا اقتصاديًا متكاملًا يقاس بقدرته على تقليل استهلاك الموارد، وخفض التكاليف التشغيلية، وتحقيق قيمة مضافة طويلة الأجل.

ومع استمرار التوجهات الحكومية نحو التحول الأخضر، وتزايد اهتمام المستثمرين بالمعايير البيئية، تبدو كفاءة الطاقة مرشحة لأن تصبح أحد أهم محددات النجاح في السوق العقاري المصري خلال السنوات المقبلة.

وهكذا أكدت مائدة «إنفستجيت» أن العلاقة بين الطاقة والعقارات لم تعد علاقة خدمات ومرافق، بل أصبحت شراكة استراتيجية تعيد صياغة مفهوم القيمة العقارية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنمية العمرانية المستدامة القادرة على تحقيق التوازن بين الربحية الاقتصادية والمسؤولية البيئية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى