«صناع القرار 2026».. كيف ترسم مصر خريطة جديدة للنمو عبر تحالف الاستثمار والعقار والسياحة؟

«صناع القرار 2026».. كيف ترسم مصر خريطة جديدة للنمو عبر تحالف الاستثمار والعقار والسياحة؟

 

✍️ بقلم: طه المكاوي

 

في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي حالة من إعادة التشكل، وتتنافس الدول على جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال والمشروعات الكبرى، أصبحت قدرة أي دولة على تحقيق النمو مرتبطة بمدى نجاحها في بناء منظومة اقتصادية متكاملة تجمع بين الاستثمار والإنتاج والبنية التحتية والسياحة والخدمات. ومن هنا جاءت أهمية النسخة الثامنة من مؤتمر «صناع القرار» التي انطلقت فعالياتها داخل المتحف المصري الكبير تحت عنوان «القطاع الاستثماري والعقاري والسياحي: مثلث النمو الاقتصادي في مصر 2026»، لتسلط الضوء على ثلاثة قطاعات باتت تمثل العمود الفقري للاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة.

المؤتمر الذي نظمته شركة «سان أند سام» لصناعة المؤتمرات تحت رعاية وزارات الإسكان والاستثمار والتجارة الخارجية والسياحة والآثار، إلى جانب جهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، لم يكن مجرد فعالية اقتصادية تقليدية، بل جاء كمنصة حوار واسعة جمعت بين الحكومة والقطاع الخاص والخبراء الاقتصاديين والمستثمرين وصناع السياسات، بهدف البحث عن آليات جديدة لتعزيز النمو الاقتصادي المصري في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وشهد المؤتمر مشاركة أكثر من 500 شخصية من القيادات التنفيذية وأعضاء مجالس الإدارات والخبراء والمستثمرين، إضافة إلى عدد من كبار المسؤولين الحكوميين، في مشهد يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الحوار بين الدولة ومجتمع الأعمال باعتباره أحد أهم أدوات مواجهة التحديات الاقتصادية وصناعة الفرص المستقبلية.

مصر والبحث عن نموذج اقتصادي جديد

خلال العقد الأخير، شهدت مصر واحدة من أكبر عمليات إعادة بناء الاقتصاد في تاريخها الحديث. فقد اتجهت الدولة إلى تنفيذ برنامج واسع للإصلاح الاقتصادي، بالتوازي مع إطلاق عشرات المشروعات القومية الكبرى في مجالات البنية التحتية والطرق والنقل والطاقة والمدن الجديدة.

هذه المشروعات لم تكن مجرد أعمال إنشائية ضخمة، بل كانت جزءًا من رؤية أشمل تستهدف تهيئة البيئة اللازمة لجذب الاستثمارات وتحفيز النشاط الاقتصادي وتحسين جودة الحياة.

ومع مرور الوقت بدأت نتائج هذه السياسات تظهر بصورة تدريجية، سواء من خلال تحسن البنية التحتية أو زيادة جاذبية العديد من المناطق الاستثمارية أو نمو القطاعات العقارية والسياحية بشكل لافت.

لكن التحدي الأكبر الذي ما زال مطروحًا يتمثل في كيفية تحويل هذه الإنجازات إلى معدلات نمو مستدامة قادرة على خلق فرص عمل جديدة وزيادة الصادرات وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

ومن هنا برزت أهمية مؤتمر «صناع القرار» باعتباره منصة تسعى إلى مناقشة هذا السؤال المحوري: كيف يمكن تعظيم الاستفادة من الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الماضية وتحويلها إلى فرص اقتصادية حقيقية؟

المتحف المصري الكبير.. عنوان المرحلة الجديدة

لم يكن اختيار المتحف المصري الكبير مكانًا لانعقاد المؤتمر أمرًا عابرًا.

فالمتحف الذي يمثل أحد أكبر المشروعات الحضارية والثقافية في القرن الحادي والعشرين أصبح رمزًا لفكرة جديدة تتبناها الدولة المصرية، وهي أن الاستثمار في الثقافة والتراث يمكن أن يتحول إلى استثمار اقتصادي يدر عوائد ضخمة على المدى الطويل.

ويمثل المتحف نموذجًا واضحًا لقدرة مصر على تنفيذ مشروعات عملاقة بمواصفات عالمية، كما يعكس صورة الدولة الحديثة التي تجمع بين الحفاظ على الهوية التاريخية والانفتاح على المستقبل.

ولهذا جاء انعقاد المؤتمر داخل هذا الصرح الحضاري ليحمل رسالة رمزية مفادها أن التنمية الاقتصادية لا تنفصل عن الهوية الثقافية، وأن مصر تستطيع أن توظف تاريخها العريق في خدمة حاضرها ومستقبلها.

وفي افتتاح الفعاليات، أكدت الإعلامية منة شاهين أن المتحف المصري الكبير يجسد قدرة المصريين على صناعة التاريخ عبر العصور، مشيرة إلى أن المؤتمر يهدف إلى مناقشة الفرص والتحديات التي تواجه القطاعات الثلاثة الأكثر تأثيرًا في الاقتصاد المصري.

كما أشاد الإعلامي سعيد جميل بالنجاحات التي حققتها المؤتمرات السابقة التي نظمتها الشركة، مؤكدًا أن النسخة الحالية تأتي استكمالًا لمسيرة من الفعاليات الاقتصادية التي تسعى إلى تقديم رؤى عملية وقابلة للتنفيذ.

الاستثمار.. كلمة السر في الاقتصاد الحديث

إذا كان هناك عنصر واحد يجمع كل خطط التنمية حول العالم، فهو الاستثمار.

فبدون تدفق رؤوس الأموال لا يمكن تنفيذ مشروعات جديدة أو خلق فرص عمل أو تطوير البنية التحتية أو رفع معدلات الإنتاج.

ولهذا أصبح جذب الاستثمارات هدفًا رئيسيًا لمعظم الحكومات، خاصة في ظل المنافسة العالمية المتزايدة بين الدول على استقطاب المستثمرين.

وخلال المؤتمر، كان الاستثمار حاضرًا بقوة باعتباره المحور الذي تتقاطع عنده مختلف القطاعات الاقتصادية.

وأكد المشاركون أن مصر تمتلك فرصًا استثمارية ضخمة في مجالات متنوعة تشمل الصناعة والطاقة والعقارات والسياحة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والزراعة.

لكن النجاح في جذب هذه الاستثمارات يتطلب الاستمرار في تطوير بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات وتحسين الخدمات المقدمة للمستثمرين.

وفي هذا السياق، شدد سامر فراج على أن إضافة محور الاستثمار إلى أجندة المؤتمر هذا العام جاءت استجابة للتحولات التي يشهدها الاقتصاد المصري، وإدراكًا للدور المحوري الذي يلعبه الاستثمار في دعم النمو الاقتصادي.

وأوضح أن مصر تمتلك العديد من المقومات التي تجعلها وجهة جاذبة للاستثمارات، بدءًا من موقعها الجغرافي المتميز، مرورًا بالبنية التحتية الحديثة، ووصولًا إلى الاستقرار السياسي والأمني الذي تتمتع به مقارنة بالعديد من الأسواق الأخرى في المنطقة.

العقار.. القطاع الذي لا يتوقف عن النمو

على مدار السنوات الماضية، تحول القطاع العقاري إلى أحد أهم محركات الاقتصاد المصري.

فمع إطلاق عشرات المدن الجديدة والمجتمعات العمرانية المتكاملة، أصبحت العقارات تمثل أحد أكثر القطاعات جذبًا للاستثمارات المحلية والأجنبية.

ولا يقتصر تأثير القطاع العقاري على بيع الوحدات السكنية فقط، بل يمتد ليشمل عشرات الصناعات والأنشطة المرتبطة به، مثل مواد البناء والنقل والخدمات الهندسية والتشغيل والصيانة والتكنولوجيا.

وخلال المؤتمر، أكد عدد من المشاركين أن القطاع العقاري المصري يمتلك فرص نمو كبيرة خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل استمرار الطلب المحلي، وتزايد اهتمام المستثمرين العرب والأجانب بالسوق المصرية.

كما أشاروا إلى أن التحولات التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة جعلته أكثر تنوعًا، حيث لم تعد المشروعات العقارية تقتصر على الإسكان فقط، بل أصبحت تضم مكونات تجارية وإدارية وفندقية وسياحية وترفيهية.

وهذا التنوع ساهم في رفع جاذبية المشروعات العقارية وزيادة قدرتها على تحقيق عوائد مستدامة للمستثمرين.

السياحة.. الذهب الذي لا ينضب

إذا كانت العقارات تمثل أحد محركات النمو، فإن السياحة تظل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري.

فمصر تمتلك مزيجًا فريدًا من المقومات السياحية التي يصعب تكرارها في أي دولة أخرى، بدءًا من الحضارة الفرعونية، مرورًا بالشواطئ الممتدة على البحرين الأحمر والمتوسط، ووصولًا إلى السياحة الدينية والعلاجية والثقافية.

وخلال السنوات الأخيرة، نجحت الدولة في تطوير البنية التحتية السياحية بصورة كبيرة، سواء من خلال تحديث المطارات أو تطوير الطرق أو إنشاء مشروعات فندقية جديدة.

كما ساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في تعزيز مكانة مصر كواحدة من أهم الوجهات السياحية والثقافية في العالم.

وأكد المشاركون في المؤتمر أن تحقيق مستهدف الوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030 يتطلب استمرار العمل على تطوير المنتج السياحي المصري وتنويع الأسواق المستهدفة وتحسين جودة الخدمات.

وأشاروا إلى أن التكامل بين السياحة والاستثمار والعقارات يمكن أن يخلق فرصًا هائلة للنمو، خاصة في المناطق الواعدة مثل الساحل الشمالي والبحر الأحمر والعلمين الجديدة ورأس الحكمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى