” ألغاز تاريخية ” .. سرقة الـ 300 مليون ين.. الجريمة الكاملة التي حيرت اليابان لنصف قرن!

كتبت سوزان مرمر

عزيزي القارئ، قصتنا اليوم تختلف عن كل ما اعتدت سماعه. ليست حكاية دموية عن سفاح يقطر حقداً، ولا عن عصابة مدججة بالسلاح تقتحم الأبواب وتطلق الرصاص. قصتنا اليوم هي تجسيد حرفي لما يُسمى بـ “الجريمة الكاملة”. إنها حكاية رجل واحد، وقف وحيداً ضد نظام بأكمله، وبسلاح “الذكاء” فقط استطاع أن يسرق تعب آلاف العمال، ويختفي في الضباب تاركاً وراءه أضخم جهاز شرطة في آسيا يتخبط في الحيرة لنصف قرن.

 

في العاشر من ديسمبر عام 1968، استطاع مجهول سرقة مبلغ 300 مليون ين ياباني (ما يعادل قيمته اليوم قرابة المليار ين أو 7 ملايين دولار أمريكي)، والمثير للدهشة والغرابة أن هذه السرقة التاريخية حدثت بلا قتيل واحد، بلا جريح واحد، وبلا رصاصة واحدة!

 

كيف حدث ذلك؟ وكيف تبخرت الأموال واللص وكأن الأرض انشقت وابتلعتهم؟ لنعد بالزمن إلى الوراء، إلى طوكيو الصاخبة في الستينيات.

 

الفصل الأول: رسالة الرعب

 

بدأت فصول الكابوس قبل الحادثة بأيام قليلة، وتحديداً في صباح يوم الجمعة، السادس من ديسمبر عام 1968. في مدينة “كوكوبونجي” بطوكيو، كان مدير فرع بنك “نيهون شينتاكو” يجلس في مكتبه يمارس عمله الروتيني، يرتشف الشاي ويفرز البريد الصباحي.

 

وبينما هو يفتح المغلفات، وقعت بين يديه رسالة غريبة الشكل. لم تكن مكتوبة بخط اليد، بل كانت عبارة عن قصاصات حروف جُمعت من مجلات وجرائد مختلفة ولصقت بعناية لتشكل جملاً، وهي حيلة كلاسيكية يستخدمها المجرمون لكي لا يتم التعرف على خط يدهم. وما إن قرأ المدير السطور الأولى حتى قفز من كرسيه والذعر يملأ قلبه.

 

كانت الرسالة تحمل تهديداً صريحاً ومرعباً: “أحضر مبلغ 3 ملايين ين، وسلمه للموظفة (فلانة)، واجعلها تذهب به إلى المكان المحدد غداً في الخامسة مساءً. إذا لم تنفذ التعليمات، سنقوم بتفجير منزلك الشخصي، وسننسف البنك بمن فيه”.

 

لم يكن المدير ليخاطر بحياة موظفيه أو عائلته، فاتصل بالشرطة فوراً. تعاملت السلطات مع التهديد بمنتهى الجدية، وتم تجنيد 50 ضابط شرطة من النخبة، توزعوا حول المكان المحدد للتسليم، ونصبوا كميناً محكماً للقبض على المبتز لحظة وصوله لاستلام المال.

 

مرت الساعات ثقيلة.. الخامسة عصراً.. السادسة.. السابعة.. ولم يظهر أحد. انتظرت الشرطة حتى انقضاء اليوم، ومع عدم ظهور أي شخص، استنتج المحققون أن الرسالة لم تكن سوى “مزحة ثقيلة” أو تصرف طائش من شخص يريد إثارة الفوضى. وللأسف، تم إغلاق ملف التهديد مؤقتاً باعتباره بلاغاً كاذباً.

 

لكن، لماذا تهاونت الشرطة بهذه السرعة؟ عليك أن تتخيل معي يا عزيزي القارئ الوضع في اليابان عام 1968. كانت البلاد تغلي على صفيح ساخن؛ اضطرابات طلابية تجتاح الجامعات، ومظاهرات عمالية تطالب بتحسين الأجور، وفجوة تتسع بين ثراء الشركات الكبرى وفقر العمال. في تلك الأجواء الفوضوية، كانت التهديدات تصل للبنوك والشركات بشكل يومي تقريباً، لذا كان من السهل على الشرطة اعتبار هذه الرسالة مجرد “تهديد آخر” ضمن مئات التهديدات التي لا تنفذ.

 

ورغم تطمينات الشرطة، ظل مدير البنك يعيش في رعب، وأصدر تعليمات صارمة لموظفيه بتوخي الحذر الشديد، خاصة وأن موسم “البونص” (مكافآت نهاية العام) قد حان، وهي الفترة التي تنقل فيها البنوك جبالاً من الأموال النقدية (الكاش) لتوزيعها على موظفي الشركات الكبرى.

 

الفصل الثاني: صباح العاشر من ديسمبر

جاء يوم الثلاثاء، 10 ديسمبر 1968. كانت السماء ملبدة بالغيوم، والأمطار تهطل بغزارة على شوارع طوكيو، مما جعل الرؤية صعبة وحركة المرور بطيئة. الأجواء كانت مثالية لجريمة لا يراها أحد.

 

في تمام الساعة 9:30 صباحاً، تحركت سيارة سوداء من نوع “نيسان سيدريك” تابعة للبنك. كان بداخلها أربعة موظفين، وفي صندوقها الخلفي ثلاثة صناديق معدنية ثقيلة تحتوي على 294 مليون ين (حوالي 300 مليون)، وهي مكافآت ومروتبات عمال مصنع “توشيبا” (المعروف آنذاك بشركة طوكيو شيبورا).

 

كان الموظفون الأربعة يشعرون بتوتر بالغ. الطرق زلقة، المطر ينهمر، وذكرى تهديد التفجير لا تزال عالقة في أذهانهم. السيارة لم تكن مصفحة، ولم تكن معهم حراسة أمنية، فقد كانت العادة في اليابان حينها نقل الأموال في سيارات عادية لعدم لفت الأنظار.

 

وبينما كانت السيارة تشق طريقها بمحاذاة سور سجن “فوتشو” الطويل والكئيب، نظر السائق في المرآة الخلفية ولاحظ شيئاً جعله يضطرب: دراجة نارية بيضاء تابعة للشرطة تطاردهم، ويقوم الضابط الذي يقودها بالتلويح بيده آمراً إياهم بالتوقف.

 

توقف السائق فوراً على جانب الطريق. كان المشهد يبدو رسمياً تماماً؛ دراجة شرطة بيضاء، ضابط يرتدي الزي الرسمي الكامل وخوذة بيضاء، ويتصرف بكل ثقة. ترجل الشرطي من دراجته، واقترب من نافذة السائق وهو يلهث، وبنبرة صوت تحمل الخوف والاستعجال صرخ فيهم: “هل أنتم من بنك نيهون شينتاكو؟ لقد تم تفجير منزل مدير الفرع للتو! ووصلتنا معلومات استخباراتية مؤكدة بأن سيارتكم هذه مفخخة بالديناميت أيضاً وستنفجر في أية لحظة!”.

 

وقع الخبر كالصاعقة على رؤوس الموظفين الأربعة. تجمدت الدماء في عروقهم، وصرخوا في أنفسهم: “لقد نفذ المجرم تهديده!”. لم يشكوا للحظة في كلام الشرطي، فالزي الرسمي، والدراجة، والمعلومات الدقيقة عن المدير، كلها جعلت الأمر يبدو حقيقة مطلقة.

 

الفصل الثالث: الخدعة السينمائية

بسرعة البرق، نزل الموظفون الأربعة من السيارة وهم يرتعدون خوفاً، وابتعدوا عنها قليلاً. وهنا بدأ “الشرطي البطل” عمله. انحنى أسفل السيارة ليتفقد القنبلة المزعومة، بينما الموظفون يراقبونه بقلوب واجفة.

 

وفجأة.. تصاعد دخان كثيف وألسنة لهب من أسفل السيارة! صرخ الشرطي بأعلى صوته وهو يلوح لهم: “إنها ستنفجر! القنبلة ستنفجر الآن! اهربوا.. اهربوا بعيداً!”.

 

لم يفكر الموظفون مرتين. ركضوا بكل قوتهم نحو سور السجن ليحتموا خلفه، وهم ينظرون بامتنان لهذا الشرطي الشجاع الذي خاطر بحياته لإنقاذهم. كانوا يتوقعون أن يروا الشرطي يهرب معهم، أو أن تنفجر السيارة وتتحول لكتلة من اللهب.

 

لكن ما حدث كان أغرب من الخيال. الشرطي، وبدلاً من الهرب، قفز بكل خفة إلى مقعد السائق في سيارة البنك، أغلق الباب، وداس على دواسة البنزين لينطلق بالسيارة المليئة بالأموال وسط المطر والضباب، تاركاً الموظفين خلفه.

 

انتظر الموظفون دقيقة.. دقيقتين.. ثلاث دقائق. لم يحدث انفجار. خفت الدخان، وعاد الهدوء للمكان. تسلل الشك إلى نفوسهم، فعادوا بحذر إلى موقع السيارة، وهناك كانت الصدمة. وجدوا على الأرض “شعلة تحذير ضوئية” (Road Flare) تحترق، وهي التي أصدرت الدخان واللهب، ولم يكن هناك ديناميت ولا متفجرات.

 

نظروا إلى دراجة الشرطة التي تركها اللص خلفه، واكتشفوا الحقيقة المرة: الدراجة لم تكن تابعة للشرطة، بل كانت دراجة عادية طُليت باللون الأبيض بمهارة، وأضيف لها صندوق مزيف ومكبر صوت لتبدو رسمية. لقد تعرضوا لأكبر عملية خداع نفسي في التاريخ.. وسُرقت الـ 300 مليون ين في أقل من 3 دقائق!

 

الفصل الرابع: المطاردة المستحيلة

أدرك الموظفون الكارثة، وأبلغوا الشرطة فوراً. اشتعلت طوكيو بأسرها، وأعلنت الشرطة حالة استنفار قصوى (Code Red). تم إغلاق جميع مخارج المدينة، ونصبت مئات الحواجز ونقاط التفتيش. كان قادة الشرطة واثقين: “اللص يقود سيارة مميزة ومبلغ عنها، لن يستطيع الابتعاد أكثر من كيلومترات قليلة”.

 

لكن اللص كان عبقرياً، وكان يخطط لهذه اللحظة منذ شهور. اكتشفت التحقيقات لاحقاً أن المجرم لم يقد سيارة البنك طويلاً. قادها لمسافة قصيرة إلى بقعة هادئة، وهناك نقل صناديق المال إلى سيارة “تويوتا كورولا” كان قد سرقها سابقاً وجهزها لهذا الغرض، وترك سيارة البنك. ثم قاد السيارة الثانية لمسافة أخرى، ونقل المال مرة ثالثة لسيارة أخرى، وهكذا..

 

كان يغير السيارات كما يغير ملابسه، وكان يقوم بتغطية السيارات التي يتركها بأغطية قماشية لتبدو وكأنها سيارات معطلة أو مهملة، مما خدع دوريات الشرطة الجوية والأرضية وأخر اكتشاف السيارات لساعات طويلة، مما منحه وقتاً ذهبياً للهروب والذوبان وسط ملايين البشر في طوكيو.

 

 

إليك يا عزيزي القارئ بعض الأرقام التي ستشعرك بحجم الفشل الذي منيت به الشرطة اليابانية:

 

استمرت التحقيقات لـ 7 سنوات متواصلة.

شارك في القضية 170 ألف شرطي (أكبر حشد شرطي في تاريخ اليابان).

تم استجواب 110 آلاف مشتبه به.

طبعت الشرطة 780 ألف نسخة من صورة المشتبه به التخيلية ووزعتها في كل شبر من اليابان.

تمت مقارنة بصمات الأصابع يدوياً مع 6 ملايين بصمة في السرشيف.

تكلفت التحقيقات مبلغاً وقدره 900 مليون ين.. أي أنهم أنفقوا ثلاثة أضعاف المبلغ المسروق في محاولة استعادته، ولم ينجحوا!

ترك اللص في مسرح الجريمة أكثر من 120 دليلاً مادياً (خوذة، الدراجة، مشط، قبعة..)، ظنت الشرطة أنها كنز من الأدلة، لكن تبين أن جميع هذه الأدوات هي بضائع عامة تُباع بالملايين في الأسواق، وتعمد اللص تركها لتشتيت انتباه الشرطة وإغراقهم في تفاصيل لا فائدة منها.

 

الفصل الخامس: مأساة “الفتى S”

 

تحت الضغط الإعلامي الرهيب، والانتقادات اللاذعة من الصحافة والتلفزيون لعدم كفاءة الشرطة، كان المحققون بحاجة ماسة إلى “كبش فداء” أو مشتبه به حقيقي يهدئ الرأي العام.

 

وقعت الأنظار على فتى يبلغ من العمر 19 عاماً، وهو ابن لضابط شرطة يعمل في فرقة الدراجات النارية بطوكيو. كان الفتى زعيم عصابة محلية صغيرة للمراهقين تدعى “تاتشيكاوا”، وكان يملك مهارة عالية في قيادة الدراجات، وملامحه تشبه إلى حد كبير الرسم التخيلي للمجرم. والأهم من ذلك، أنه لم يكن يملك دليلاً يثبت مكان تواجده وقت الجريمة.

 

ظنت الشرطة أنها أمسكت بطرف الخيط. فمهارة اللص في تقمص دور الشرطي وقيادة الدراجة تشير بوضوح إلى شخص نشأ في بيئة شرطية أو تدرب عليها، وابن الضابط كان المرشح المثالي.

 

وفي خطوة درامية، اصطحبت الشرطة الموظفين الأربعة (الشهود) وذهبت لمنزل الفتى ليتمكنوا من التعرف عليه وجهاً لوجه. لكن عندما وصلوا، كانت الفاجعة في انتظارهم. وجدوا الفتى ميتاً. لقد انتحر بتناول كبسولات “السيانيد” السامة.

 

كانت طريقة موته مريبة جداً. السم كان ملفوفاً بقطعة جريدة عليها بصمات والده الضابط! هل انتحر الفتى لأنه السارق الحقيقي وخاف من السجن؟ أم أن والده الضابط اكتشف جريمته وأجبره على الانتحار لغسل العار عن العائلة؟ أم -وهذا ما يهمس به الكثيرون- هل قامت الشرطة بتصفيته أو الضغط عليه لإنهاء حياته لإغلاق القضية التي دمرت سمعتهم؟

 

برأت الشرطة الفتى لاحقاً لعدم كفاية الأدلة، وأعلنوا أنه بريء، خاصة وأن الشهود الأربعة تراجعوا وقالوا إنهم لم يروا وجه اللص بوضوح بسبب المطر والخوذة. لكن حتى يومنا هذا، يعتقد قطاع كبير من اليابانيين أن هذا الفتى (أو والده) هو الفاعل الحقيقي، وأن الأموال لا تزال مدفونة في مكان ما، أو أن عصابته تقاسمتها.

 

الفصل السادس: اعترافات كاذبة ونهاية مفتوحة

 

مع مرور السنوات، تحولت القضية إلى أسطورة حضرية. ظهر مئات الأشخاص الذين ادعوا أنهم السارقون طمعاً في الشهرة، وصدرت كتب ومسلسلات تحاول حل اللغز.

 

وفي عام 1998، ظن الجميع أن الحقيقة ظهرت أخيراً. نشرت مجلة “شوكان هوسيكي” تقريراً مدوياً، ادعت فيه أنها تتبعت رجلاً خمسينياً يدعى “يوجي يوغاتا”، وأنه اعترف لهم بالتفصيل بارتكاب الجريمة. سرد يوغاتا قصة متماسكة، وقال إنه استعان بشركاء لتهريب الصناديق عبر الحواجز، ثم افترقوا وعاشوا بأموالهم.

 

تنفست اليابان الصعداء، لكن الفرحة لم تدم طويلاً. ظهرت طليقة يوغاتا وأصدقاؤه المقربون، وكشفوا للإعلام حقيقته. قالوا إنه رجل يعيش في عالم من الأوهام، وأنه “كذاب مرضي”. وأثبتوا بالوثائق أنه في الأسابيع التي تلت السرقة (حيث يفترض أن يكون مليونيراً)، كان يستجدي أصدقاءه لاقتراض مبالغ تافهة لسد ديونه. وتبين أن اعترافه كان مجرد محاولة بائسة أخيرة للحصول على الاهتمام قبل موته.

 

الخاتمة في عام 1975، سقطت الدعوى الجنائية بالتقادم، وفي عام 1988 سقطت المسؤولية المدنية. هذا يعني بلغة القانون، أنه حتى لو ظهر السارق الحقيقي الآن، ووقف في ميدان عام بطوكيو وصاح: “أنا من سرقت الـ 300 مليون ين”، فلن تستطيع الشرطة اعتقاله، ولن يضطر لدفع ين واحد كتعويض. لقد أصبحت الأموال حلالاً عليه تماماً!

 

وهكذا يا عزيزي، طويت صفحة أكبر وأذكى عملية سطو في القرن العشرين. عملية أثبتت أن العقل أخطر من السلاح، وأن الجرأة قد تصنع المعجزات.

 

والآن، أترك لك مساحة التفكير والتخيل.. من برأيك قام بهذه الجريمة؟ هل هو ذلك الفتى المراهق المظلوم؟ أم شرطي فاسد استغل منصبه؟ وماذا كنت ستفعل أنت لو وجدت نفسك مكان الموظفين في تلك اللحظة؟

 

شاركنا رأيك، فلربما تستطيع أنت حل اللغز الذي عجز عنه 170 ألف شرطي ياباني!

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى