هاجر أسامة تكتب سلسلة ( للقلب أحكام) .. المقال الأول بعنوان -لماذا لا يطمئن الإنسان رغم كل شيء؟-

للقلب أحكام… لا تُشبه أحكام العقل، ولا تُفسَّر دائمًا بمنطق الحياة. فالعقل يرى الأرقام، والإنجازات، والأسباب، وما يملكه الإنسان بين يديه، أما القلب فله ميزانٌ آخر.

 

قد يرى الناس إنسانًا يملك كل شيء، بينما قلبه مُرهق لا يعرف الطمأنينة، وقد يمرّ آخر بضيقٍ شديد وخسارات متتالية، ورغم ذلك يشعر بسكينةٍ لا تُفهم، وهنا تبدأ الحكاية…

 

نحن نظن دائمًا أن الطمأنينة نتيجة لاكتمال الحياة، وأننا سنهدأ حين نصل، وتستقر أمورنا، ونحقق ما تمنيناه طويلًا، لكن القلب لا تحكمه الأشياء وحدها.

كم من إنسانٍ وصل ولم يشعر بالراحة، وكم من إنسانٍ تأخرت أمانيه لكنه كان أكثر سلامًا من غيره،

لأن للقلب أحكامًا تختلف عن تصوراتنا. فالقلب لا يطمئن دائمًا بما يراه الناس نجاحًا، ولا يختنق دائمًا بسبب قلة النِعم، بل قد يتعب وهو يملك كل شيء لأنه بعيد عن المعنى الذي خُلق له.

ولهذا قال رب العالمين : ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾، لم يقل: تكتمل، أو تملك، أو تنتصر… بل تطمئن، وكأن الطمأنينة ليست شيئًا يُؤخذ من العالم، بل نورٌ يُوضع في القلب.

فنحن كبشر نأخذ بالأسباب، ونسعى، ونخطط، ونتمنى، وهذا جزء من السعي الطبيعي للحياة، لكن المشكلة تبدأ حين نربط سلامنا الداخلي بالنتائج فقط، حين نظن أن الراحة مشروطة بأن تسير الحياة كما نريد. مع أن أقدار الله لا تُقاس دائمًا بالمنطق البشري، فكم من أمرٍ ظننّاه خيرًا وكان باب تعب، وكم من خسارةٍ كانت حماية، وكم من تأخيرٍ كان رحمةً لم نفهمها إلا بعد وقت. لكن القلب القريب من الله يرى بطريقة مختلفة، فهو يعلم أن الطمأنينة ليست غياب الابتلاء، بل حضور اليقين. ولهذا… بعض القلوب تنهار من موقفٍ صغير، وبعضها ينجو من عواصف كاملة، لأن للقلب أحكامًا… فهو إن امتلأ بالتعلق أرهقه كل شيء، وإن امتلأ باليقين هدأ وسط أكثر الأيام اضطرابًا. وفي النهاية… قد لا تكون المشكلة في قلة ما نملك، بل في الطريقة التي نحمل بها الحياة داخل قلوبنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى