لم يستطيعوا تدمير فلسطين بالسلاح فاتجهوا إلى المخدرات

 

بقلم,, هيثم جمال السدوري

لم تعد الحرب على فلسطين حربًا تقليدية تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات والقذائف، بل تحولت إلى حرب أشد خطورة وأعمق أثرًا، حرب تستهدف الإنسان الفلسطيني في عقله وروحه ووجدانه، بعد أن عجزت آلة القتل عن كسر إرادته، اتجهت إلى وسيلة أكثر خُبثًا وانحطاطًا: المخدرات.

في مشهد يكشف حجم الانحدار الأخلاقي والإنساني، سقطت طائرة مسيّرة إسرائيلية من نوع “كوادكوبتر” داخل مخيم النصيرات للاجئين في قطاع غزة، وعندما اقترب منها السكان فوجئوا بأنها لا تحمل متفجرات هذه المرة، بل تحمل كميات من المواد المخدرة، في واقعة لا يمكن قراءتها باعتبارها صدفة عابرة، بل هي جريمة مكتملة الأركان، ورسالة واضحة بأن الحرب على غزة لم تعد تستهدف فقط هدم البيوت وقتل الأجساد، وإنما أيضًا تدمير العقول وإفساد المجتمعات من الداخل.

إنها ليست مجرد حادثة، بل مؤشر بالغ الخطورة على تحوّل أدوات الحرب ضد الشعب الفلسطيني من القصف المباشر إلى الحرب الناعمة القذرة؛ حرب تستهدف الشباب، وتضرب الوعي، وتفتح أبواب الانهيار النفسي والاجتماعي، في محاولة خبيثة لتحويل شعب صامد مقاوم إلى مجتمع منهك، محطم، فاقد للتركيز والإرادة.

لقد أدرك الاحتلال، بعد عقود من القتل والحصار والتجويع، أن الفلسطيني الذي لم تكسره المجازر، ولم تُسقطه الصواريخ، ولم تُرعبه الطائرات، لا يمكن هزيمته بالقوة وحدها، فانتقل إلى سلاح آخر أكثر خسة: إغراق المجتمع بالمخدرات.

وهذه ليست مجرد جريمة أمنية، بل جريمة حرب أخلاقية وإنسانية، لأن إدخال المخدرات إلى مناطق منكوبة ومحاصرة ومثقلة بالجراح، لا يعني سوى استهداف ما تبقى من النسيج الاجتماعي الفلسطيني، ومحاولة تفكيك الأسرة، وضرب الشباب، ونشر الإدمان، وتدمير المناعة النفسية لشعب يعيش أصلًا تحت أقسى درجات القهر والعدوان

إن الاحتلال الذي فشل في إسقاط فلسطين بالسلاح، يحاول اليوم إسقاطها بالمخدرات

وحين يعجز عن كسر الجسد، يتجه إلى تسميم العقل.

وحين يفشل في احتلال الأرض كاملًا، يحاول احتلال الوعي.

إن ما جرى في مخيم النصيرات ليس حادثًا عابرًا، بل جرس إنذار خطير يجب أن يدق في كل بيت فلسطيني، وفي كل مؤسسة عربية، وفي كل ضمير إنساني حي. فالمعركة لم تعد فقط معركة حدود وأرض، بل باتت معركة وعي وهوية وأخلاق ومستقبل

إن استهداف الشعب الفلسطيني بالمخدرات هو إعلان حرب من نوع آخر، حرب تستهدف الإنسان الفلسطيني جسديًا ومعنويًا ونفسيًا، وتسعى إلى قتله ببطء، لا بالرصاص فقط، بل بالسم أيضًا

وإذا كان الاحتلال قد استخدم الطائرات لسنوات في القتل والقصف والمراقبة وبث الرعب في سماء غزة، فإن استخدام هذه الطائرات ذاتها في نشر المخدرات يكشف أننا أمام سياسة ممنهجة لا تقل خطورة عن القصف بل ربما تفوقه أثرًا على المدى الطويل، لأنها تستهدف جيلًا كاملًا، وتضرب مستقبل شعب بأكمله. وقد وثّقت تقارير حديثة استمرار استخدام الطائرات المسيّرة “كوادكوبتر” في النصيرات ومناطق أخرى من غزة في الاستهداف المباشر والترويع النفسي للمدنيين، ما يعزز خطورة توظيفها أيضًا في أدوات تخريب اجتماعي موازية

إننا أمام جريمة جديدة تُضاف إلى سجل الاحتلال الأسود

من القتل إلى التجويع

ومن الحصار إلى التهجير

ومن التدمير إلى الإفساد،

ومن الحرب على الأرض… إلى الحرب على الإنسان

لكن فلسطين التي صمدت أمام الرصاص، ستنتصر أيضًا على السم

وشعبٌ لم تكسره المجازر، لن تهزمه المخدرات

ففلسطين التي قاومت آلة الحرب، قادرة أن تقاوم حرب الوعي أيضًا

وستبقى فلسطين، رغم القتل والحصار والمخدرات، عصية على الانكسار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى