“دور التربية الإعلامية”.. كتاب جديد يسترشد برؤية الشيخة موزا بنت ناصر

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، لم تعد التنمية المستدامة مفهومًا يقتصر على الجوانب الاقتصادية أو البيئية فحسب، بل أصبحت رؤية شاملة ترتكز على بناء الإنسان الواعي القادر على التفاعل الإيجابي مع متغيرات العصر. ومن هذا المنطلق، يبرز كتاب “دور التربية الإعلامية” للدكتورة ميرفت ابراهيم ، كأحد الإسهامات الفكرية المهمة التي تعكس فهمًا عميقًا للعلاقة بين الأسرة والإعلام والتنمية، خاصة في إطار توجهات دولة قطر نحو تحقيق تنمية مستدامة متكاملة.
ينطلق الكتاب من فكرة جوهرية مفادها أن الأسرة هي النواة الأولى في بناء المجتمع، وأن أي تنمية حقيقية لا يمكن أن تتحقق دون تمكين هذه المؤسسة الأساسية. وفي هذا السياق، يسترشد الكتاب برؤية الشيخة موزا بنت ناصر، التي تؤكد أن نهوض الأسرة بدورها في تربية الأطفال وتعليمهم ورعايتهم يسهم بشكل مباشر في تحقيق التنمية على المستويين الوطني والدولي. هذه الرؤية تعكس بوضوح أهمية الاستثمار في الإنسان منذ المراحل الأولى، وهو ما يتوافق مع ركائز التنمية المستدامة.
ويؤكد الكتاب أن التربية الإعلامية لم تعد رفاهية، بل أصبحت ضرورة ملحة في ظل الانفتاح الإعلامي الهائل والتطور التكنولوجي المتسارع. فالأبناء اليوم يتعرضون لمحتوى إعلامي متنوع ومتشعب، مما يستدعي وجود دور فاعل للأسرة في التوجيه والمتابعة. ومن هنا، يطرح الكتاب مفهوم التربية الإعلامية كأداة لتمكين الأفراد من التفكير النقدي، وتحليل الرسائل الإعلامية، والتمييز بين الصحيح والمضلل.
كما يسلط الكتاب الضوء على أهمية الدور الوالدي في بناء شخصية متوازنة، حيث لا يقتصر دور الوالدين على توفير الاحتياجات المادية، بل يمتد ليشمل التوجيه الفكري والتربوي. ويؤكد أن الحوار المفتوح داخل الأسرة، وتعزيز الثقة بين الآباء والأبناء، يمثلان أساسًا مهمًا في بناء وعي إعلامي سليم. فكلما كانت العلاقة الأسرية قائمة على الفهم والاحترام، كان الأبناء أكثر قدرة على التعامل مع التحديات الخارجية.
ومن الجوانب المهمة التي يتناولها الكتاب أيضًا، دور اللغة العربية في تعزيز الهوية الثقافية. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أداة لنقل القيم والتراث، وبوابة لفهم الذات والانتماء. ولذلك، يشدد الكتاب على ضرورة تعزيز استخدام اللغة العربية داخل الأسرة، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها العولمة والانفتاح الثقافي.
إلى جانب ذلك، يبرز الدين كأحد الركائز الأساسية في بناء الإنسان. فالقيم الدينية تمثل مرجعية أخلاقية تضبط السلوك وتوجهه، وتساعد الأفراد على اتخاذ قرارات سليمة في مختلف جوانب الحياة. ومن خلال دمج هذه القيم مع التربية الإعلامية، يقدم الكتاب نموذجًا متكاملًا يحقق التوازن بين الأصالة والمعاصرة.
ويربط الكتاب بشكل واضح بين هذه العناصر مجتمعة وبين تحقيق التنمية المستدامة، حيث يؤكد أن المجتمع الواعي يبدأ من أسرة واعية، وأن الاستثمار في التربية هو استثمار في مستقبل الوطن. كما يشير إلى أن تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي يعتمد بشكل كبير على مستوى الوعي لدى الأفراد، وهو ما تسهم فيه التربية الإعلامية بشكل مباشر.
ويتميز الكتاب بطرحه العملي، حيث لا يكتفي بالتنظير، بل يقدم مجموعة من التوصيات والاستراتيجيات التي يمكن تطبيقها داخل الأسرة. وتشمل هذه التوصيات أهمية تحديد أوقات لاستخدام الأجهزة الإلكترونية، ومتابعة المحتوى الذي يتعرض له الأبناء، وتشجيعهم على التفكير والتحليل، إضافة إلى تعزيز القيم الأخلاقية والدينية في حياتهم اليومية.
كما يعكس الكتاب توجهًا يتماشى مع ما تطرحه العديد من المؤسسات الإعلامية والتربوية، التي تؤكد على أهمية تمكين الأسرة في مواجهة التحديات الرقمية. فالإعلام اليوم أصبح قوة مؤثرة في تشكيل الوعي، ولا يمكن التعامل معه بفعالية دون وجود أساس تربوي قوي داخل الأسرة.
وفي هذا الإطار، يمثل كتاب “دور التربية الإعلامية” إضافة نوعية للمكتبة العربية، حيث يجمع بين العمق الفكري والطرح التطبيقي، ويقدم رؤية متكاملة لبناء إنسان واعٍ قادر على المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة. كما يعكس تجربة يمكن الاستفادة منها ليس فقط في قطر، بل في مختلف دول العالم.
ختامًا، يمكن القول إن هذا الكتاب يشكل دعوة صادقة لكل أسرة لإعادة النظر في دورها التربوي، والعمل على بناء جيل واعٍ يمتلك أدوات المعرفة، وقيم الانتماء، ومهارات التعامل مع الإعلام الحديث. فالتنمية المستدامة تبدأ من الإنسان، والإنسان يبدأ من الأسرة، والأسرة الواعية هي الطريق نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.



