هرمز .. حين تفضح الجغرافيا هشاشة الاقتصاد العالمي

بقلم : سفانة الديب
إعلامية وكاتبة
في عالم يتحدث يوميًا عن الذكاء الاصطناعي، والعملات الرقمية، والثورة التكنولوجية، يبدو من الغريب أن يتوقف الاقتصاد العالمي عند ممر مائي ضيق في الخليج العربي. لكن هذا ما يفعله مضيق هرمز منذ عقود، وما عاد ليؤكده مجددًا مع كل تصعيد سياسي أو عسكري تشهده المنطقة.
فبينما تتنافس الدول على امتلاك أحدث التقنيات وأسرع شبكات الاتصال، يبقى شريان بحري لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات قادرًا على إرباك الأسواق العالمية وتحريك أسعار النفط وإثارة مخاوف المستثمرين والحكومات على حد سواء ..
واليوم لم يعد السؤال ماذا يحدث في مضيق هرمز، بل ماذا يكشف مضيق هرمز عن حقيقة النظام الاقتصادي العالمي؟
لسنوات طويلة روجت العولمة لفكرة أن العالم أصبح شبكة مترابطة قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والعقبات التقليدية. قيل إن التكنولوجيا اختصرت المسافات، وإن الاقتصاد الرقمي حرر الأسواق من قيود المكان.
لكن الواقع أثبت شيئًا مختلفًا.
فما إن تتصاعد التوترات في منطقة الخليج حتى ترتفع أسعار الطاقة، وتبدأ الأسواق العالمية بحساب الخسائر المحتملة، وكأن العالم بأسره ما زال مربوطًا بخيط جغرافي واحد.
أزمة مضيق هرمز كشفت أن العولمة لم تلغِ الجغرافيا، بل جعلت تأثيرها أكثر اتساعًا. فتعطيل حركة الطاقة في نقطة واحدة يمكن أن يمتد أثره من مصانع آسيا إلى أسواق أوروبا وموانئ الولايات المتحدة.
فرغم الحديث المتكرر عن التحول نحو الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية والاقتصاد الأخضر، فإن النفط لا يزال يحتفظ بمكانته الاستراتيجية في قلب الاقتصاد العالمي.
مازالت المصانع ووسائل النقل والطائرات وسلاسل الإمداد العالمية تعتمد بدرجات متفاوتة على الطاقة التقليدية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في إمدادات النفط مصدر قلق عالمي فوري.
ولعل المفارقة الكبرى أن العالم الذي يتحدث عن المستقبل الرقمي ما زال يتوقف عند كل أزمة نفطية وكأن عقارب الساعة تعود به إلى عقود مضت.
بعد كل هذا التقدم التكنولوجي، ما زالت ناقلة نفط واحدة قادرة على هز الأسواق العالمية.
اعتاد العالم خلال العقود الأخيرة على فكرة الاستقرار النسبي في أسعار النقل والطاقة والتجارة الدولية. وأصبحت سلاسل التوريد العالمية تعتمد على تدفق مستمر وسلس للسلع والموارد.
لكن الأزمات المتكررة في الممرات البحرية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، تشير إلى أن تلك الحقبة لم تعد مضمونة.
فارتفاع تكاليف التأمين البحري، وزيادة المخاطر الجيوسياسية، واحتمالات تعطل الإمدادات، كلها عوامل تضيف أعباء جديدة على الاقتصاد العالمي.
والنتيجة النهائية لا تتوقف عند الحكومات أو الشركات الكبرى، بل تصل إلى المستهلك العادي الذي يدفع ثمن التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وخلال السنوات الماضية، بدا وكأن التكنولوجيا هي العامل الحاسم في تحديد موازين القوة الدولية. لكن الأزمات المتلاحقة أثبتت أن الجغرافيا لم تتراجع، بل عادت بقوة إلى قلب المعادلة.
فالدول التي تمتلك ممرات بحرية استراتيجية أو موارد طاقة حيوية ما زالت تملك أوراق ضغط لا تقل أهمية عن امتلاك التكنولوجيا أو رأس المال.
ولهذا لم يعد مضيق هرمز مجرد معبر للسفن، بل تحول إلى رمز للصراع على النفوذ والمصالح الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين.
ولكن ماذا عن المنتصر الخفي في الأزمات؟
في كل أزمة اقتصادية كبرى يوجد خاسرون واضحون، لكن هناك أيضًا مستفيدون يعملون في الظل.
فارتفاع أسعار الطاقة قد يمنح بعض الدول المصدرة للنفط مكاسب إضافية، كما يفتح الباب أمام استثمارات جديدة في مسارات النقل البديلة ومشروعات الطاقة المختلفة.
ولهذا فإن الصراع حول الممرات الاستراتيجية لا يتعلق فقط بالأمن أو السياسة، بل يرتبط أيضًا بإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي العالمي.
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري بين الخليج والعالم، بل أصبح اختبارًا قاسيًا لفكرة العولمة نفسها.
فكل أزمة جديدة تؤكد أن الاقتصاد العالمي، مهما بدا رقميًا وحديثًا، ما زال مربوطًا بخيوط الجغرافيا القديمة.
وبينما تتسابق الدول نحو الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، يذكرها هرمز بحقيقة بسيطة: أحيانًا يتحدد مصير الأسواق العالمية عند أضيق نقطة على الخريطة.
وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن العالم الذي يطمح للعيش في المستقبل، ما زال عاجزًا عن التحرر الكامل .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى