حين يتحول العطاء إلى جرح… قراءة مختلفة في “يوم اليتيم”

كتبت د. : غادة محفوظ
في كل عام، ومع اقتراب ما يُسمّى بـ”يوم اليتيم”، تتكاثر الدعوات والاحتفالات، وتُرفع الشعارات البراقة عن الرحمة والعطاء، وتُلتقط الصور، وتُوزَّع الهدايا. مشهد يبدو في ظاهره إنسانياً، لكنه في عمقه يطرح سؤالاً مؤلماً: هل نُسعد اليتيم حقاً… أم نُعيد تذكيره بفقده بطريقة أكثر قسوة؟
من واقع التجربة العملية والرؤية المجتمعية، فإن هذا اليوم – رغم حسن النوايا – قد يتحول إلى عبء نفسي على الطفل اليتيم. فهو لا يرى نفسه طفلاً عادياً يُحتفى به، بل حالة خاصة يُشار إليها، وتُسلَّط عليها الأضواء، وتُغلف بنظرات الشفقة وعبارات مثل “يا حرام” و”يا عيني”. كلمات قد تبدو عفوية، لكنها تترك في داخله أثراً عميقاً من الشعور بالنقص أو الاختلاف.
المشكلة ليست في الاحتفال ذاته، بل في فلسفة التعامل. حين يُختزل دعم اليتيم في يوم واحد، يتحول العطاء إلى “مناسبة”، لا إلى قيمة مستمرة. وحين يكون الحضور بهدف الظهور الإعلامي أو التقاط الصور، يفقد العمل الإنساني جوهره، ويتحول – دون قصد – إلى استعراض.
اليتيم لا يحتاج يوماً ليُذكَّر بأنه يتيم… بل يحتاج حياة يشعر فيها أنه إنسان كامل القيمة، له حقوق وفرص، وليس مجرد متلقٍ للشفقة.
الدعم الحقيقي لليتيم لا يكون في قاعة احتفال، بل في تفاصيل الحياة اليومية:
أن يجد من يسمعه… لا من يتحدث عنه.
أن يجد من يؤمن به… لا من يشفق عليه.
أن تتاح له فرص تعليم حقيقية، ورعاية صحية كريمة، ومسارات عمل تحفظ له كرامته.
أن يشعر أنه جزء من المجتمع… لا حالة منفصلة عنه.
إن أعظم أشكال العطاء هو ذاك الذي لا يُعلن، ولا يُصوَّر، ولا يُختزل في يوم. العطاء الذي يمتد عبر الوقت، ويُبنى على الاحتواء والاحترام، لا على الشفقة العابرة.
ولعل المعنى الأعمق يكمن في مراجعة نوايانا قبل أفعالنا… فليس كل ما يُقدَّم باسم الخير يكون خيراً حقيقياً. وكما جاء في المعنى القرآني: هناك من يظن أنه يُحسن صنعاً، بينما هو في الحقيقة يُخطئ الطريق.
فلنُعيد تعريف دعم اليتيم… من “يوم” إلى “مسؤولية”، ومن “مظهر” إلى “جوهر”، ومن “شفقة” إلى “تمكين”



