100 مليار دولار صادرات .. كيف نصل اليها ؟!

وزير الصناعة يقترب من الحقيقة… لكنه لم يضع يده بعد على موضع الداء
بقلم د ناديه المرشدي
أخيرًا خرج وزير الصناعه بتصريح يستحق التوقف أمامه، عندما حذر من أن الوصول إلى 100 مليار دولار صادرات قد يقابله استيراد مستلزمات إنتاج بقيمة 140 مليار دولار، أي أن الدوله قد تجد نفسها تحتفل بأرقام قياسيه في الصادرات بينما تغرق أكثر في نزيف النقد الأجنبي. هذا التصريح مهم لأنه يكشف أن هناك إدراكًا متزايدًا بأن شيئًا ما خطأ في المنظومه الصناعيه المصريه. لكن الحقيقه الأكثر إيلامًا هي أن المشكلة أعمق بكثير مما جاء في التصريح.
فالأزمه ليست في حجم الصادرات. وليست في حجم الواردات. وليست حتى في عجز الميزان التجاري. الأزمه الحقيقيه أن الدولة ظلت لعقود طويله تقيس النجاح الصناعي بأدوات خاطئه، وتبني سياساتها على مؤشرات مضلله، وتخلط بين ما هو صناعه وما ليس صناعه. لقد تحولنا إلى دولة تحتفل بالرقم قبل أن تسأل عن مضمونه.
نحتفل بمليارات الدولارات من الصادرات دون أن نسأل:
o كم منها صُنع فعلًا داخل مصر؟
o وكم منها مجرد مكونات مستورده تم تجميعها؟
o وكم منها مجرد تعبئه وتغليف وإعادة تصدير؟
o وكم منها قيمة مضافه حقيقيه خلقتها المصانع المصريه؟
لقد وقعنا في خطأ استراتيجي قاتل عندما ساوينا بين التصنيع والتجميع. فالتجميع ليس صناعه بالمعنى الاقتصادي الكامل. هو مرحلة من مراحل الصناعه. أما عندما يتحول إلى هدف دائم وسياسه مستمره لعشرات السنين، فإنه يصبح مجرد نشاط محدود القيمه، يخلق أرقامًا كبيره على الورق، لكنه لا يخلق قاعده صناعيه وطنيه حقيقيه. والمؤسف أن الحكومات المتعاقبه لم تكتفِ بهذا الخلط، بل كرسته في التشريعات والحوافز وآليات القياس. فأصبحت خطوط التجميع تُعامل باعتبارها إنجازًا صناعيًا، بينما ظل تعميق التصنيع المحلي الحلقه المفقوده في كل الخطط والاستراتيجيات. والنتيجة أننا أصبحنا أمام اقتصاد يبدو قويًا في الجداول والإحصاءات، لكنه ضعيف في خلق القيمه المضافه الحقيقيه.
الأخطر من ذلك أن طريقة حساب المكون المحلي نفسها تحتاج إلى مراجعه جذريه.
فما قيمة الحديث عن نسب مكون محلي مرتفعة إذا كانت هذه النسب تُحسب بإضافة أجور العماله واستهلاك الطاقه وبعض البنود المحاسبيه الأخرى؟ هل هذا هو المكون المحلي الحقيقي؟ أم أن المكون المحلي الحقيقي هو ما تمت إضافته فعليًا من قيمه صناعيه داخل الاقتصاد الوطني؟ الحقيقه التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها أن بعض المنتجات التي يقال إنها تحتوي على مكون محلي مرتفع، لو تم حساب قيمتها المضافه الفعليه وفق المعايير الدوليه، لاكتشفنا أن الجزء الأعظم منها مستورد من الخارج. وهنا تتحول الأرقام من أداة قياس إلى أداة تضليل.
ثم نأتي إلى واحدة من أخطر القضايا التي لم تحظَ بالنقاش الكافي حتى الآن، وهي التوسع غير المدروس في تطبيق نظامي السماح المؤقت والدروباك. هذان النظامان لم يُنشآ أصلًا لدعم أنشطة التعبئه والتغليف أو لتخفيض تكلفة تصدير المنتجات في صورتها الأوليه. لقد أُنشئا لدعم الصناعات التحويليه التي تضيف قيمه حقيقيه للاقتصاد.
لكن ما الذي حدث؟
تم التوسع في استخدامهما بصورة جعلت أنشطه محدودة القيمه المضافه تتمتع بالمزايا نفسها التي تحصل عليها الصناعات التحويليه الثقيله والمتقدمه. فهل يعقل أن يحصل مصدر البرتقال أو العنب على رد للرسوم الجمركيه الخاصة بالكراتين والشنابر والأغلفه، بينما يتم التعامل مع ذلك باعتباره إنجازًا صناعيًا؟ وهل يعقل أن تختلط الصادرات الزراعيه المعبأه بالصادرات الصناعيه التحويليه في المؤشرات نفسها ثم نتحدث بعد ذلك عن التنميه الصناعيه؟
إن هذا الخلط هو أحد الأسباب الرئيسية لتشوه الصوره الحقيقيه للاقتصاد. والأمر نفسه ينطبق على المناطق الحرة. فليس كل ما يخرج من منطقة حرة صناعه. وليس كل نشاط تصديري نشاطًا صناعيًا. هناك فرق هائل بين مصنع ينتج ويصنع ويطور ويبتكر. وبين مخزن يعيد التعبئه أو التوزيع أو إعادة التصدير. وعندما تختلط هذه الأنشطه كلها تحت عنوان واحد هو “الصناعه”، تصبح الأرقام بلا معنى وتصبح القرارات مبنية على صورة غير حقيقية للواقع.
لقد بدأت مصر واليابان تطبيق كثير من السياسات الصناعية الحديثة في فترات متقاربة، لكن الفارق أن اليابان كانت تعرف إلى أين تريد أن تصل. كانت تستخدم التجميع كجسر إلى التصنيع. أما نحن فحوّلنا الجسر إلى محطه نهائيه. وكانت اليابان تقيس القيمه المضافه. أما نحن فانشغلنا بقياس حجم الحركه. وكانت اليابان تبني المورد المحلي.
أما نحن فبنينا الاعتماد على المستورد. لذلك أصبحت اليابان قوه صناعيه عالميه، بينما ما زلنا حتى اليوم نناقش الفرق بين الصناعه والتجميع. إن إنقاذ الصناعه المصريه لن يتحقق بإعلان أهداف تصديريه جديده. ولن يتحقق بإضافة أصفار جديده إلى أرقام الصادرات. ولن يتحقق بالمؤتمرات والشعارات. بل يبدأ لحظة الاعتراف بأن هناك خللًا جوهريًا في تعريف الصناعة نفسها. ويبدأ عندما تصبح القيمه المضافه المحليه هي معيار النجاح الأول. ويبدأ عندما يتم الفصل الكامل بين التصنيع والتجميع.
وبين الصناعه الحقيقيه وأنشطة التعبئة والتغليف. وبين المناطق الصناعيه ومناطق إعادة التصدير. وبين الأرقام الاقتصاديه الحقيقيه والأرقام الدعائيه. إن الاقتصاد لا ينهض بالأوهام. ولا يبنى باللافتات. ولا يقاس بعدد الحاويات التي تغادر الموانئ. بل بما تضيفه تلك الحاويات من قيمه داخل الوطن. ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يواجه كل مسؤول وكل خطه وكل إستراتيجيه ليس كم صدرنا؟ وإنما: كم صنعنا فعلًا داخل مصر؟
فالإجابه عن هذا السؤال وحدها هي التي ستحدد ما إذا كنا نبني اقتصادًا منتجًا… أم نطارد سراب الأرقام منذ عقود


