مديرًا خفيًا للعلاقات

بقلم .. صفاء مهنا
ليس من السهل اكتشافه ، لأنه نادرًا ما يظهر بصورته الحقيقية. فهو لا يأتي دائمًا على هيئة شخص خجول أو منطوٍ، بل قد يرتدي ثوب الثقة، والنجاح، وحتى الحضور الطاغي. ولهذا، تمر كثير من العلاقات وهي تُدار بهذا الشعور من دون أن ينتبه أصحابها إلى ذلك، هو الشعور بالدونية.
في الحياة اليومية، لا تنشأ معظم الخلافات بسبب المواقف نفسها، بل بسبب الطريقة التي يفسر بها كل طرف تلك المواقف. فكلمة عابرة قد تُفهم على أنها تقليل من القيمة، ونجاح شخص آخر قد يُقرأ كأنه إعلان فشل شخصي، ونقد مهني قد يتحول إلى جرح يمس الكرامة أكثر مما يمس الأداء.
عندما يشعر الإنسان في داخله بأنه أقل مما ينبغي، يصبح في حالة دفاع مستمرة. يبحث عن الاعتراف، ويترقب المقارنة، ويبالغ في قراءة تصرفات الآخرين. وما يبدو للناس ثقة بالنفس قد يكون، في بعض الأحيان، محاولة متواصلة لإخفاء شعور عميق بعدم الكفاية.
لذلك، لا يكون السعي إلى السيطرة في بعض العلاقات تعبيرًا عن القوة بقدر ما يكون محاولة للهروب من الإحساس بالضعف. فالشخص الذي يحتاج دائمًا إلى أن تكون له الكلمة الأخيرة، أو الذي لا يحتمل نجاح غيره، أو الذي يفسر كل اختلاف على أنه تحدٍ شخصي، قد لا يكون مغرورًا بقدر ما يكون منشغلًا بإثبات قيمة يخشى أن يفقدها.
وفي بيئات العمل تظهر هذه الديناميكية بوضوح. فهناك من يرى نجاح زميله فرصة للتعلم، وهناك من يراه تهديدًا مباشرًا لمكانته. والفرق بين الحالتين لا تصنعه الكفاءة وحدها، بل الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه قبل أن ينظر إلى الآخرين.
أما في العلاقات العاطفية والاجتماعية، فإن الشعور بالدونية قد يدفع صاحبه إلى طلب الطمأنينة بشكل لا ينتهي. فهو يحتاج باستمرار إلى كلمات تؤكد أهميته، ويقرأ الصمت على أنه رفض، والانشغال على أنه إهمال، والاختلاف على أنه بداية خسارة. ومع الوقت، تتحول العلاقة إلى عبء، لأن الطرف الآخر يصبح مطالبًا بسد فراغ لم يصنعه.
المشكلة أن كثيرًا من الناس يحاولون علاج هذا الشعور من الخارج؛ بمنصب أعلى، أو شهرة أكبر، أو إعجاب أكثر، بينما يبقى أصل المشكلة في الداخل. لذلك قد يحقق الإنسان نجاحًا لافتًا، لكنه يظل يشعر بأنه بحاجة إلى إنجاز جديد يثبت أنه يستحق مكانه.
العلاقات الأكثر استقرارًا لا تنشأ بين أشخاص كاملين، بل بين أشخاص لا يجعلون قيمتهم رهينة بنظرة الآخرين. فمن يعرف نفسه جيدًا لا يخوض كل حوار كأنه معركة، ولا يحول كل اختلاف إلى منافسة، ولا يحتاج إلى التقليل من غيره حتى يشعر بأنه أكبر.
ربما لهذا السبب، لا يكون أخطر أثر للشعور بالدونية أنه يؤلم صاحبه فقط، بل أنه يعيد تشكيل كل علاقة يدخلها. فهو يغيّر طريقة الاستماع، والتفسير، والثقة، وحتى الحب. وعندما يصبح تقدير الذات مسؤولية الآخرين، تتحول العلاقات إلى اختبار دائم بدل أن تكون مساحة للأمان.
فالإنسان لا يدير علاقاته بما يقوله عن نفسه، بل بما يؤمن به في أعماقه. وهناك، بعيدًا عن المظاهر، تبدأ القصة الحقيقية.
صفاء مهنا



