الإعلامية رانيا عادل تكتب: جوازة في قفص الاتهام

سلسلة «إعادة نظر»
وجوه الطلاق
جوازة في قفص الاتهام ⚖️
كل واحد شايف نفسه المجني عليه.. وكل واحد عنده أدلة تدين التاني!
لما الدنيا ضاقت بأحمد، رجع يدور على الأمان عند ملك.. نفس الست اللي اختار يبعد عنها!
مفارقة تستوقفك: إزاي شخص يقرر يبتعد عن شريك حياته، ويطلب مساحة يعيش فيها بعيدًا عن مسؤوليات العلاقة، لكن أول ما الدنيا تقفل في وشه، يرجع يدور على الاحتواء عند نفس الشخص اللي سابه؟
في فيلم «السلم والثعبان: لعب عيال»، بنشوف جانبًا من التناقض ده في علاقة أحمد وملك. بعد سنوات من الزواج، أحمد بيحاول يستعيد إحساسه بالحرية، ويختار الابتعاد، لكن لما يواجه أزماته ويحتاج للأمان، بيرجع لملك.
أما ملك، فبتواجه سؤالًا أصعب من مجرد رجوعه: هل رجوعه معناه إنه اختارها فعلًا، ولا إنه محتاج وجودها وقت ما الدنيا تضيق عليه؟
وهنا الحكاية بتخرج من حدود الفيلم، وتدخل بيوت كتير، فيها طرف عايز يحتفظ بمميزات العلاقة من غير ما يتحمل كل مسؤولياتها، وطرف تاني بيحاول يفهم هو واقف فين من حياة شريكه.
لكن هل أحمد وحده هو المتهم؟ وهل ملك مجرد ضحية؟ ولا كل واحد فيهم عنده رواية مختلفة، شايف نفسه فيها صاحب الحق؟
البيت ساحة محكمة.. والأولاد ضحايا القضية!
تخيّل بيتًا تحوّل إلى قاعة محكمة.. الزوج واقف في قفص الاتهام، والزوجة على منصة الادعاء، وكل واحد منهما يحمل ملفًا مليئًا بالأدلة والشهود!
أما الأولاد، فقاعدين في قاعة المحكمة، مش فاهمين تفاصيل القضية، لكنهم بيدفعوا تمن كل جلسة.
مفيش قاضٍ يصدر حكمًا، ولا محامٍ يدافع عن المتهم، لكن فيه زوجين قرر كل واحد منهما إنه المجني عليه، وإن الطرف الآخر هو المسؤول عن خراب العلاقة.
كل واحد عنده رواية، وكل واحد عنده أدلة، وكل واحد مستني يسمع كلمة واحدة: «إنت معاك حق».
والمشكلة إن القضية ساعات بتبدأ بخلاف بسيط، لكن مع الوقت تتحول إلى محاكمة مفتوحة، مفيش فيها حد مستعد يعترف إنه ممكن يكون غلطان.
من الصمت إلى المواجهة.. بدأت المحاكمة!
في بيوت كتير، الخلافات مش بتبدأ بالصوت العالي ولا بالمواجهات المباشرة. ممكن تبدأ بسكوت طويل، وتنازلات صغيرة، ومواقف كل طرف قرر يعدّيها علشان الحياة تستمر.
لكن الصمت مش دايمًا معناه إن المشكلة اتحلت، ساعات بيكون مجرد تأجيل للمواجهة.
ولما الكلام يخرج أخيرًا، مش بالضرورة يخرج في صورة عتاب أو محاولة للفهم، ممكن يخرج محمّل بكل الغضب اللي اتخزن على مدار سنين.
بدل ما الزوج يقول: «أنا مفتقد اهتمامك»، يقول: «إنتِ عمرك ما اهتميتي بيا».
وبدل ما الزوجة تقول: «أنا محتاجة أحس إنك جنبي»، تقول: «إنت طول عمرك أناني ومبتفكرش غير في نفسك».
فرق كبير بين إنك تحكي عن وجعك، وإنك تحوّل وجعك إلى اتهام. الأول ممكن يفتح باب للتفاهم، أما التاني فغالبًا بيخلي الطرف الآخر يدخل في وضع الدفاع عن نفسه، وينسى أصل المشكلة.
ملف الاتهام الأول: إنت السبب!
الزوج عنده رواية بيحكي فيها عن تعبه وشغله ومسؤوليته عن البيت، وعن إحساسه إن كل اللي بيعمله بقى واجبًا لا يستحق حتى كلمة تقدير.
والزوجة عندها رواية تانية، بتحكي فيها عن سنين قضتها بين البيت والأولاد والمسؤوليات، وعن احتياجات أجلتها وأحلام تنازلت عنها، ومشاعر فضلت مستنية حد يلاحظها.
كل واحد عنده رواية، وكل رواية فيها جزء من الحقيقة.
لكن المشكلة إن كل طرف بقى بيحكي حكايته علشان يكسب القضية، مش علشان يوصل للتاني.
فالزوج شايف إنه أدى كل اللي عليه، والزوجة شايفة إنها استحملت أكتر من طاقتها، وفي وسط الحسابات دي محدش بيسأل نفسه: هل أنا فعلًا شايف احتياجات شريكي؟ وهل اللي بقدمه هو فعلًا اللي محتاجه؟
دفتر الحسابات.. مفيش حاجة بتضيع!
فيه أزواج عندهم ذاكرة عجيبة وقت الخلاف!
موقف من خمس سنين، كلمة اتقالت في مناسبة، زيارة ما حصلتش، هدية ما اتجابتش، مكالمة ما اتردش عليها.. كل ده ممكن يتحط فجأة على الترابيزة في خناقة مالهاش علاقة بأي حاجة من دول.
«فاكر يوم عيد ميلادي عملت إيه؟»
«وأنت نسيت لما وقفت جنبك في مشكلتك؟»
«طب وأنا لما تعبت، كنت فين؟»
وهكذا تتحول الخناقة من مشكلة واحدة إلى أرشيف كامل، وكل طرف بيفتش في ذاكرته عن مستند جديد يدعم موقفه.
لكن هل كل موقف قديم لازم يفضل مفتوحًا للحساب إلى الأبد؟
الاحتفاظ بالوجع مفهوم، خصوصًا لو مفيش اعتذار أو تغيير حقيقي. لكن استخدام كل جرح قديم كسلاح في كل خلاف بيخلي العلاقة عاجزة عن التعافي.
مفيش صفحة بتتقفل، ومفيش فرصة جديدة بتبدأ، وكل يوم بيضاف للقضية دليل جديد ضد الطرفين.
دور الضحية.. هل كل واحد بريء؟
الغريب إن كل طرف ممكن يكون صادق فعلًا في إحساسه بالظلم، لكنه مش بالضرورة شايف الصورة كاملة.
الزوج شايف إنه بيتحمل أعباء مادية ومسؤوليات كبيرة، لكنه ممكن يكون غافل عن الاحتياج العاطفي لزوجته.
والزوجة شايفة إنها بتقدم تضحيات يومية، لكنها ممكن تكون مش واخدة بالها من الضغوط اللي بيمر بيها زوجها.
لكن لازم نفرق بين الاختلاف الطبيعي وبين الأذى الحقيقي؛ لأن مش كل علاقة المسؤولية فيها متساوية، ومش كل طرف مظلوم بيكون مطالب يتنازل علشان العلاقة تستمر.
الاعتراف بالخطأ مش ضعف، والاعتذار مش هزيمة، لكن الأخطر إن الإنسان يفضل مقتنع إنه بريء لمجرد إنه متألم.
والأولاد.. مين سأل عنهم؟
وسط كل الجلسات دي، فيه أطراف بتدفع الثمن من غير ما يكون ليها أي ذنب: الأولاد.
الطفل ممكن ما يعرفش تفاصيل المشكلة، لكنه بيسمع نبرة الصوت، وبيشوف نظرات الغضب، وبيلاحظ إن أبوه وأمه بقوا بيتعاملوا مع بعض بحذر وعداء.
والأصعب لما يتحول إلى رسول بين الطرفين، أو وسيلة للضغط، أو شاهد مطلوب منه يحدد مين الصح ومين الغلط.
ممكن طرف يحاول يكسب تعاطف ابنه ضد الطرف الآخر، أو يحكي له تفاصيل أكبر من سنه، وكأنه بيطلب منه شهادة لصالحه في القضية.
لكن الطفل مش محتاج يعرف مين كسب الجولة، هو محتاج يحس إن أبوه وأمه، حتى لو اختلفوا أو انفصلوا، لسه قادرين يحافظوا على أمانه النفسي.
الأولاد مش لجنة تحكيم في خلافات الكبار، ومش من حق أي طرف يستعين بيهم علشان يكسب قضية ضد التاني.
الحكم الأخير.. هل الجوازة لسه عندها فرصة؟
الحقيقة إن الاختلاف مش هو اللي بيهد البيوت، لكن طريقة التعامل مع الاختلاف ممكن تكون بداية النهاية.
فيه خلافات بتكشف احتياجات كانت مستخبية، وممكن تكون بداية لتغيير حقيقي، وفيه خلافات بتسيب جروح أعمق من المشكلة الأصلية.
أخطر لحظة في الخلاف الزوجي مش لما الاتنين يختلفوا، لكن لما يبطلوا يدوروا على حل للمشكلة، ويبدأوا يدوروا على مين يتحمل ذنبها.
ساعتها كل واحد بيبقى عايز يثبت إنه كسب الجولة، حتى لو خسر العلاقة كلها.
ومش معنى إننا بندعو للمراجعة والاعتراف بالأخطاء إن كل علاقة لازم تستمر، أو إن الطرف المتضرر مطالب يتحمل الأذى علشان يحافظ على البيت. فيه علاقات ينفع تتصلح لما يكون فيه اعتراف حقيقي ومسؤولية متبادلة، وفيه علاقات بيكون إنهاؤها أرحم من استمرارها.
فالزواج مش محكمة، والزوج مش خصم، والزوجة مش متهمة، والحياة المشتركة مش مباراة لازم يكون فيها فائز وخاسر.
وفي النهاية.. نسيب القضية مفتوحة ونسأل:
لو رجع أحمد لملك وقت ما احتاج الأمان، فهل كان مستعدًا يمنحها هي كمان الأمان اللي محتاجاه؟ وهل ممكن نطلب من شريك حياتنا يفضل ملجأنا وقت ضعفنا، بينما إحنا بنكون أول ناس بنختار نبعد عنه وقت احتياجه لينا؟
وهل ممكن جوازة تنجو لما كل طرف يفضل متمسك ببراءته، حتى لو كان الثمن بيتًا كاملًا؟



