في ذكرى الانتصار.. هل نستطيع استعادة الشخصية المصرية؟

 

بقلم: ناصر السلاموني
كلما ظهرت أمامي صورة الجندي المصري وهو يحمل سلاحه ومعداته ويعبر قناة السويس، أو صورة الجنود وهم يرفعون شارة النصر ويهتفون: «الله أكبر»، أشعر بفخر لا يوصف بذلك الإنسان المصري الذي امتلك الإرادة والعزيمة والإيمان بالوطن، فاستطاع أن يعبر أصعب الموانع ويصنع واحدًا من أعظم الانتصارات في تاريخ مصر الحديث.
لكن انتصار أكتوبر لم يكن انتصارًا عسكريًا فقط، بل كان انتصارًا للإنسان المصري الذي استعاد ثقته بنفسه وبوطنه. كان المجتمع أكثر ترابطًا وتكاتفًا، وشعر المصريون بأنهم جميعًا في خندق واحد، وأن الوطن مسؤولية مشتركة.
ومن هنا يأتي السؤال: ماذا حدث لبعض ملامح الشخصية المصرية التي صنعت ذلك الانتصار؟
كان الجندي المصري في أكتوبر ابن أسرة، وتلميذًا على يد معلم، وجارًا لجيرانه، وعضوًا في مجتمع تربى على الانتماء وتحمل المسؤولية واحترام الكبير والعلم والعمل. ولذلك لم يكن انتصار أكتوبر مجرد عبور لقناة السويس واقتحام خط بارليف، وإنما كان انتصارًا لإرادة الإنسان المصري.
واليوم، ونحن نستعيد ذكرى ذلك الانتصار، لا ينبغي أن نكتفي باستعادة صور الماضي، وإنما علينا أن ننظر إلى حاضرنا بشجاعة: هل تغيرت بعض ملامح الشخصية المصرية؟ وهل فقد المجتمع جزءًا من القيم والمبادئ والعادات التي كانت مصدرًا من مصادر قوته؟
لقد تغير العالم من حولنا، وأصبحت الصراعات لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد والثقافة والإعلام والتعليم وأنماط الحياة. ولذلك فإن الحفاظ على هوية المجتمع وقيمه أصبح جزءًا من حماية مستقبله.
كان المصري معروفًا بقوة التحمل والقدرة على العمل والبساطة. أما اليوم فقد تغيرت أنماط الحياة بصورة كبيرة، وأصبحنا أمام تحديات تتعلق بالغذاء والصحة وأنماط الاستهلاك، وهي قضايا تحتاج إلى وعي ورقابة ومسؤولية مشتركة.
وفي مقدمة القضايا التي تستحق الإصلاح يأتي التعليم.
فما إن يبدأ العام الدراسي حتى تواجه الأسرة أعباء المصروفات والكتب والأدوات والمواصلات، ثم تأتي الدروس الخصوصية لتضيف عبئًا آخر، بينما يتحمل المعلم مسؤوليات كبيرة في ظل تحديات المهنة والحياة.
وإصلاح التعليم لا يعني تطوير المناهج واستخدام التكنولوجيا فقط، وإنما يعني إعادة بناء علاقة الطالب بالعلم، وإعادة مكانة المعلم، وربط التعليم بالأخلاق والعمل والإبداع.
لكن هناك معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة مواجهة الغش.
فهل نستطيع أن ننتصر على النفوس التي استباحت الغش في التعليم والعمل والبيع والشراء والزراعة والصناعة، بل وفي بعض الإجراءات والمعاملات؟
إن أخطر ما في الغش أنه لا يفسد امتحانًا أو معاملة فحسب، وإنما يهدم الثقة بين الناس، ويجعل التحايل وسيلة لتحقيق المصلحة، ويضعف قيمة الأمانة.
فالطالب الذي يتعلم الغش قد يتحول غدًا إلى موظف يغش في عمله أو تاجر يغش في بضاعته. ومن هنا فإن مواجهة الغش ليست مسؤولية المدرسة وحدها، وإنما مسؤولية الأسرة والمجتمع والمؤسسات.
وكان الأب والأم والمعلم والطبيب والمهندس والجندي نماذج يطمح الطفل إلى أن يصبح مثلها. أما اليوم فقد أصبحت الشهرة والمال والمظهر في بعض الأحيان معيارًا للنجاح لدى بعض الشباب.
ومن أكبر التحولات التي دخلت حياتنا وسائل التواصل الاجتماعي. فقد اختصرت المسافات ونقلت المعرفة وفتحت أبوابًا للتعليم والعمل، لكنها أصبحت أيضًا مجالًا واسعًا للمحتوى السطحي وسباق الشهرة وجذب المشاهدات.
وقد أصبحنا نرى أفراد الأسرة تحت سقف واحد، لكن كل واحد منهم يعيش في عالم خاص داخل هاتفه، حتى أصبح الإنسان يعرف أخبار من يبعدون عنه آلاف الكيلومترات، بينما قد لا يعرف شيئًا عن جاره أو قريبه.
المطلوب ليس رفض التكنولوجيا، وإنما أن نعلم أبناءنا كيف يستخدمونها دون أن تسمح لهم بأن تتحول إلى بديل عن الأسرة والمجتمع والحياة الحقيقية.
وهناك معركة أخرى لا ينبغي تجاهلها: معركة الحياء والذوق العام.
فالحياء قيمة تظهر في المظهر والكلمة والسلوك واحترام الآخرين. ولا يتعلق الأمر بالملابس وحدها، وإنما يمتد إلى بعض الأغاني والكلمات، وارتفاع الأصوات في وسائل المواصلات والأفراح والمناسبات والمحلات التجارية.
فالحرية لا تعني إزعاج الآخرين، والفرح لا يعني رفع الصوت على من حولنا، والتعبير عن النفس لا يعني الإساءة إلى الذوق العام..
وإذا أردنا إصلاح المجتمع فعلينا أن نبدأ من الأسرة.
فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل الحب والاحترام والانتماء والمسؤولية. لكنها تواجه اليوم ضغوطًا اقتصادية واجتماعية كبيرة، من ارتفاع تكاليف الحياة إلى صعوبة الحصول على مسكن وفرصة عمل مستقرة، فضلًا عن الخلافات الزوجية التي يدفع الأبناء ثمنها.
كما تحولت بعض مظاهر الزواج من وسيلة للفرح إلى أعباء ترهق الشباب؛ من المغالاة في المهور وتجهيز المسكن إلى تكاليف حفلات الزفاف والمظاهر الاجتماعية.
ومن أخطر ما أصاب المجتمع تراجع صلة الرحم.
كان الآباء يأخذون أبناءهم لزيارة الأهل والأقارب دون تكلف؛ كانت المحبة هي الهدية، والسؤال هو الغاية، والجلوس معًا هو أجمل ما في الزيارة.
أما اليوم فقد استبدلنا الزيارة بالهاتف، ثم اختصرنا التواصل في رسائل قصيرة: «صباح الخير»، «مساء الخير»، «عيد سعيد»، «جمعة مباركة».
وهكذا تحولت العلاقات من لقاء يجمع القلوب إلى كلمات ترسلها الهواتف.
وكان الأب والأم والأجداد يمثلون قمة القدوة داخل الأسرة، وكان وجود الجد والجدة مصدرًا للحكمة والخبرة والدفء. وقد تكون دور رعاية المسنين ضرورة إنسانية في بعض الحالات التي تحتاج إلى رعاية متخصصة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى قطيعة أو تخلي عن المسؤولية.
إن بر الوالدين وصلة الرحم ليستا مجرد عادات قديمة، وإنما قيم دينية وإنسانية واجتماعية تحفظ تماسك المجتمع.
وكذلك كانت الجيرة جزءًا من العائلة الممتدة؛ يسأل الجار عن جاره في المرض، ويشاركه أفراحه وأحزانه، ويقف إلى جواره عند الحاجة.
أما اليوم فقد يعيش أشخاص في العقار نفسه سنوات طويلة دون أن يعرف بعضهم بعضًا، وقد تتحول خلافات بسيطة إلى خصومات.
والمجتمع القوي لا يقوم على المؤسسات وحدها، وإنما يقوم أيضًا على علاقات إنسانية سليمة بين أفراده.
ولا يمكن أن نستعيد الشخصية المصرية دون الحفاظ على اللغة العربية والثقافة والفن والإعلام. فهذه الأدوات لا ترفّه عن المجتمع فقط، وإنما تصنع الوعي وتشكل الذوق والصورة الذهنية للأجيال.
لقد كانت الشخصية المصرية حاضرة بقوة في محيطها العربي من خلال الفن والدراما والموسيقى والإعلام والثقافة، ونحن بحاجة إلى إنتاج يحافظ على هويتنا وينافس في الوقت نفسه على مستوى عربي ودولي.
إن استعادة الشخصية المصرية لا تعني العودة إلى الوراء، وإنما تعني أن نأخذ من الماضي أجمل ما فيه، ونستخدم أدوات الحاضر لصناعة المستقبل.
نريد مجتمعًا يجمع بين العلم والأخلاق، والتكنولوجيا والقيم، والحرية والمسؤولية، والحداثة والهوية، والحقوق والواجبات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى