«صناع القرار 2026».. كيف يشكل الاستثمار والعقار والسياحة مثلث النمو الاقتصادي في مصر؟

«صناع القرار 2026».. كيف يشكل الاستثمار والعقار والسياحة مثلث النمو الاقتصادي في مصر؟
✍️ بقلم: طه المكاوي
في لحظة فارقة من عمر الاقتصاد المصري، حيث تتقاطع التحديات العالمية مع الطموحات الوطنية الكبرى، جاءت النسخة الثامنة من مؤتمر «صناع القرار» لتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول مستقبل التنمية والاستثمار في مصر، تحت عنوان «القطاع الاستثماري والعقاري والسياحي.. مثلث النمو الاقتصادي في مصر 2026».
ولم يكن اختيار هذا العنوان مصادفة، فهذه القطاعات الثلاثة أصبحت خلال السنوات الأخيرة من أهم المحركات الاقتصادية التي تعتمد عليها الدولة المصرية في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، وزيادة تدفقات النقد الأجنبي، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز مكانة مصر كوجهة إقليمية للاستثمار والسياحة والتنمية العمرانية.
وانطلقت فعاليات المؤتمر بالمتحف المصري الكبير، برعاية وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، ووزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، ووزارة السياحة والآثار، وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، في تأكيد واضح على أهمية الملفات المطروحة للنقاش وارتباطها المباشر بخطط الدولة التنموية.
ويكتسب المؤتمر هذا العام أهمية استثنائية في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة، والتي تفرض على الدول إعادة صياغة استراتيجياتها الاقتصادية بما يتوافق مع المتغيرات الجديدة في أسواق المال والاستثمار والتجارة والسياحة.
الاقتصاد المصري بين التحديات والفرص
خلال السنوات الأخيرة واجه الاقتصاد العالمي سلسلة من الأزمات المتلاحقة، بداية من تداعيات جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة.
هذه المتغيرات ألقت بظلالها على معظم اقتصادات العالم، بما في ذلك الاقتصادات الناشئة، وأصبحت الحاجة أكثر إلحاحًا إلى البحث عن محركات نمو جديدة قادرة على مواجهة الضغوط الخارجية وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي.
وفي هذا السياق، برزت قطاعات الاستثمار والعقار والسياحة باعتبارها من أكثر القطاعات قدرة على دفع عجلة النمو الاقتصادي في مصر، نظرًا لما تمتلكه من إمكانات هائلة وفرص واعدة يمكن البناء عليها خلال السنوات المقبلة.
ومن هنا جاء مؤتمر «صناع القرار» ليطرح سؤالًا مهمًا: كيف يمكن تعظيم الاستفادة من هذه القطاعات الثلاثة وتحويلها إلى قاطرة حقيقية للتنمية الاقتصادية المستدامة؟
المتحف المصري الكبير.. رسالة تتجاوز المكان
اختيار المتحف المصري الكبير لاستضافة المؤتمر لم يكن مجرد اختيار لموقع متميز، بل حمل العديد من الرسائل الاقتصادية والتنموية المهمة.
فالمتحف الذي يعد أحد أكبر المشروعات الثقافية والسياحية في العالم يجسد رؤية مصر الحديثة التي تقوم على المزج بين الحضارة والتنمية والاستثمار.
وفي كلمتها الافتتاحية، أكدت الإعلامية منة شاهين أن المتحف المصري الكبير يمثل رمزًا لقدرة المصريين على صناعة المستقبل كما صنعوا التاريخ، مشيرة إلى أن انعقاد المؤتمر في هذا المكان يعكس حجم الطموحات التي تسعى الدولة إلى تحقيقها خلال المرحلة المقبلة.
ويعد المتحف في حد ذاته نموذجًا لكيفية توظيف التراث الحضاري في دعم الاقتصاد الوطني، سواء من خلال تنشيط السياحة أو جذب الاستثمارات أو خلق فرص عمل جديدة.
منصة للحوار بين الحكومة والقطاع الخاص
على مدار السنوات الماضية، أثبتت التجربة أن التنمية الاقتصادية الناجحة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص.
ومن هذا المنطلق، أصبح مؤتمر «صناع القرار» منصة حقيقية للحوار بين مختلف الأطراف المعنية بالشأن الاقتصادي، حيث يجمع الوزراء والمسؤولين التنفيذيين وقادة الشركات والمستثمرين والخبراء تحت سقف واحد.
وشهدت النسخة الحالية مشاركة أكثر من 500 من القيادات التنفيذية وأعضاء مجالس الإدارات والمتخصصين في مجالات الاستثمار والتمويل والعقار والسياحة، وهو ما يعكس الثقة الكبيرة التي يحظى بها المؤتمر داخل الأوساط الاقتصادية.
وأكد المشاركون أن أهمية المؤتمر لا تكمن فقط في المناقشات التي تدور خلال جلساته، وإنما في قدرته على إنتاج توصيات قابلة للتطبيق يمكن أن تسهم في تطوير السياسات الاقتصادية وتعزيز مناخ الاستثمار.
الاستثمار.. المحرك الأول للنمو
احتل ملف الاستثمار مساحة كبيرة من مناقشات المؤتمر، باعتباره العامل الأكثر تأثيرًا في تحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
وأوضح المهندس سامر فراج أن مصر تمتلك فرصًا استثمارية ضخمة في مختلف القطاعات، مشيرًا إلى أن المؤتمر يهدف إلى تسليط الضوء على هذه الفرص والتعريف بالمزايا التنافسية التي تتمتع بها السوق المصرية.
وأضاف أن الشركة المنظمة تخطط لتنظيم سلسلة من المؤتمرات الخارجية للترويج للاقتصاد المصري وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، على أن تكون المملكة العربية السعودية أولى محطات هذه الجولات خلال أكتوبر المقبل.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا لأهمية التسويق الاقتصادي الخارجي في جذب رؤوس الأموال وتعريف المستثمرين الدوليين بالفرص المتاحة داخل السوق المصرية.
كما أكد فراج أن الاستقرار السياسي والأمني، إلى جانب البنية التحتية الحديثة والمشروعات القومية الكبرى، تمثل عوامل جذب رئيسية للمستثمرين المحليين والأجانب.
الثقة أساس الاستثمار
من جانبه، شدد المهندس محمود منيب على أن المستثمر لا يبحث فقط عن الفرص، بل يبحث أولًا عن الثقة والوضوح والاستقرار.
وأوضح أن تحسين الخدمات الحكومية وتبسيط الإجراءات والاعتماد على التكنولوجيا في تقديم الخدمات يمثل أحد أهم مفاتيح جذب الاستثمارات خلال المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن المستثمرين أصبحوا يقارنون بين عشرات الأسواق حول العالم قبل اتخاذ قرار الاستثمار، ولذلك فإن سرعة الإجراءات ووضوح القوانين وشفافية المعاملات أصبحت عوامل حاسمة في المنافسة على جذب رؤوس الأموال.
وأكد أن تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص يمثل ضرورة أساسية لتحقيق التنمية، خاصة في مجالات البنية التحتية والتنمية العمرانية والخدمات.
العقار.. أكثر من مجرد وحدات سكنية
شهد القطاع العقاري في مصر تطورًا كبيرًا خلال العقد الأخير، وأصبح أحد أبرز القطاعات الاقتصادية القادرة على جذب الاستثمارات وتحريك عشرات الصناعات المرتبطة به.
وخلال المؤتمر، أكد محمد مطاوع أن مفهوم الاستثمار العقاري شهد تحولًا جذريًا خلال السنوات الأخيرة، حيث لم يعد يقتصر على بناء وبيع الوحدات السكنية فقط.
وأوضح أن القطاع العقاري أصبح يشمل مكونات فندقية وسياحية وتجارية وإدارية وترفيهية، وهو ما ساعد على تنويع مصادر العائد وزيادة جاذبية المشروعات العقارية للمستثمرين.
كما أشار إلى أن القرارات الحكومية الأخيرة التي أتاحت للمطورين العقاريين التوسع في النشاط الفندقي ساهمت في خلق فرص استثمارية جديدة وتعزيز التكامل بين القطاعين العقاري والسياحي.
المدن الجديدة وتغيير الخريطة العمرانية
واحدة من أبرز القضايا التي ناقشها المؤتمر كانت الطفرة العمرانية غير المسبوقة التي شهدتها مصر خلال السنوات العشر الماضية.
فقد نجحت الدولة في إنشاء عشرات المدن الجديدة وتطوير شبكات الطرق والمحاور والمرافق والخدمات، بما ساهم في إعادة رسم الخريطة العمرانية المصرية.
وتبرز مشروعات مثل العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة ورأس الحكمة والساحل الشمالي كمحركات رئيسية للاستثمار العقاري والسياحي خلال السنوات المقبلة.
ويرى الخبراء أن هذه المشروعات لا توفر فقط وحدات سكنية أو سياحية، بل تخلق مجتمعات عمرانية متكاملة قادرة على جذب السكان والاستثمارات والأنشطة الاقتصادية.
السياحة.. كنز مصر المتجدد
احتل قطاع السياحة مكانة بارزة ضمن جلسات المؤتمر، باعتباره أحد أهم مصادر النقد الأجنبي وأكثر القطاعات قدرة على توفير فرص العمل.
وتتمتع مصر بمقومات سياحية استثنائية تجمع بين الحضارة العريقة والشواطئ الفريدة والمقاصد الدينية والعلاجية والبيئية.
وأكد المشاركون أن الدولة نجحت خلال السنوات الأخيرة في تطوير البنية التحتية السياحية وتحسين جودة الخدمات وتعزيز الترويج الخارجي للمقصد المصري.
كما ساهم افتتاح المتحف المصري الكبير وعدد من المشروعات السياحية الجديدة في تعزيز مكانة مصر على خريطة السياحة العالمية.
وأشار الخبراء إلى أن التكامل بين السياحة والعقار أصبح من أهم الاتجاهات الحديثة في صناعة السياحة العالمية، حيث تسهم المشروعات الفندقية والسياحية المتكاملة في جذب مزيد من الاستثمارات والزوار.
التكامل بين القطاعات الثلاثة
الرسالة الأهم التي خرج بها المؤتمر هي أن الاستثمار والعقار والسياحة لم تعد قطاعات منفصلة، بل أصبحت منظومة متكاملة تدعم بعضها البعض.
فالاستثمار يوفر التمويل والخبرة، والعقار يوفر البنية والمشروعات، والسياحة توفر الطلب والعوائد الاقتصادية.
وكلما زاد التنسيق بين هذه القطاعات، ارتفعت قدرتها على تحقيق النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل وزيادة تدفقات النقد الأجنبي.
ولهذا السبب اختار المؤتمر وصفها بـ«مثلث النمو الاقتصادي»، باعتبارها الركائز الثلاث التي يمكن أن تقود الاقتصاد المصري نحو آفاق أوسع من التنمية خلال السنوات المقبلة.
رؤية للمستقبل
في ختام فعالياته، بعث مؤتمر «صناع القرار 2026» برسالة واضحة مفادها أن مصر تمتلك من الإمكانات والفرص ما يؤهلها لتحقيق قفزات اقتصادية كبيرة خلال المرحلة المقبلة.
كما أكد أن استمرار الحوار بين الحكومة والقطاع الخاص، وتطوير بيئة الاستثمار، وتعزيز التكامل بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، سيظل الطريق الأمثل لتحقيق التنمية المستدامة وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.
وبين جدران المتحف المصري الكبير، حيث يلتقي الماضي العريق بالمستقبل الواعد، بدا واضحًا أن الرهان الحقيقي لمصر لا يقوم فقط على ما تمتلكه من موارد وإمكانات، بل على قدرتها على تحويل هذه الإمكانات إلى فرص حقيقية للنمو والتنمية، وهو ما سعت جلسات «صناع القرار» إلى التأكيد عليه ورسم ملامحه أمام الحاضرين وصناع السياسات والمستثمرين.



