رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه المسؤولية

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه المسؤولية
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
المسؤولية هي توافق نشاط الشخصية الأخلاقي مع واجبها المنظور إليه من زاوية قدرات الفرد وامكاناته . وهي تتصل أول ماتتصل بالالزام ، فالمرء يكون مسؤولاً عندما يترتب عليه انفاذ إلزام معين ، فهو يعد نفسه مسؤولاً عن أمر إذا وجب عليه ، أو عندما يجب عليه ، أو سيجب عليه ، أن يعمل بحسب قاعدة محددة ، لتحقيق غاية معينة ، بغية قيمة معينة . فالمسؤولية حصيلة عزو توجهه أنا القيمة إلى أنا الفاعل . وهذا العزو ينطوي على تحديات تشكل الفحوى الموضوعية التي يمكن أن تطالها المعرفة .
وعلى هذا المسؤولية بوجه عام تقابل الجزاء بوجه عام ، وينجم عن تنوع ضروب الجزاء مكافأة وعقاباً أن تنوعت أنماط المسؤولية وتباينت شروطها ، فلكي يكون الكائن مسؤولاً ، أي أهلاً للمسؤولية والجزاء ، لابد من توافر شروط خمسة وهي :
١_ أن يكون إنساناً ، لأن الحيوانات والنباتات والجمادات غير مسؤولة عما تتسبب في إحداثه .
٢_ أن يكون حياً لأن التبعية الجنائية تسقط بموت المتهم أو المجرم .
٣_ أن يكون عاقلاً فالمجنون غير مسؤول جنائياً عما يرتكبه من جرم .
٤_ أن يكون قد بلغ سناً معينة ، فالشرائع جميعها تعفي الكائن الانساني من المسؤولية الجنائية في المرحلة الأولى من حياته ، فبعضها يذهب إلى أضيق الحدود فيقف بها عند سن السابعة ، وبعضها يذهب إلى أبعد الحدود فيمدها إلى سن البلوغ ، وبعضها يتوسط فيحددها بسن الثالثة عشرة .
٥_ أن يكون المسؤول فرداً شخصاً ، ذلك أن المسؤولية الجنائية لا تقع في قوانينا الحديثة على الهيئة ( الاسرة ، الشركة ، النقابة ، الجمعية ، الحزب …. الخ ) .
وهناك نوعين من المسؤولية يقابلان نوعين من الجزاء ، فهناك صنوف الجزاء الشرعي ، وصنوف الجزاء الأخلاقي ، أن النوع الأول أي الجزاء الشرعي ، هو مايبي بوساطة جهاز محدد ، أي تنظيم ، والنوع الآخر ، وهو الجزاء الأخلاقي يطبق بصورة منتثرة وينهض به من شاء من الناس عامة .
ويمكننا تمييز مسؤولية خارجية عن مسؤولية داخلية ، الأولى لاتتناول سوى الأفعال الخارجية وهي من اختصاص المحاكم وتسمى المسؤولية القانونية وتمهد لها مسؤولية الرأي العام ، وهذا الرأي يوجه أعمالنا الخارجية ويطلق عليها أحكاماً تتراوح بين الإعجاب والتقدير والثقة من جهة ، وبين الاحتقار والامتهان واللامبالاة من جهة أخرى . أما المسؤولية القانونية بالمعنى الدقيق فهي التي توجب على الفاعل أن يمثل عند الأقتضاء أمام المحاكم التي تمثل السلطة القضائية في الدولة ، ولهذه المسؤولية شكلان ، مدني وجنائي. فالمسؤولية المدنية تستند إلى ضرورة التعويض عن الضرر أو الخسارة التي يحدثهما فاعل في شروط يحددها القانون ، والمسؤولية الجنائية توجب التعويض عن مخالفة النظام في الأحوال وفي الشروط التي يحددها القانون سلفاً .
أما المسؤولية الداخلية أو الأخلاقية ، فإنها تحيلنا على محكمة الوجدان وتتناول أفعالنا الارادية الباطنية والخارجية سواء بسواء ، وقد يتفق توافر مسؤولية أخلاقية بدون مسؤولية مدنية ، فنحن غي مسؤولين مسؤولية مدنية إلا عن أفعالنا الخارجية ، في حين أننا مسؤولون أخلاقياً عن أفكارنا ونوايانا .
المسؤولية ليست صفة ذاتية من صفات العمل ، إنها ليست صفة من صفاته الموضوعية ، بل هي حصيلة مسعى ذاتي ، وهي خاصة من خواص الجدل الذهني حول مفهوم الشرعية .
المسؤولية الحقوقية تعنى بتجلي الأفعال بالدرجة الأولى بأكثر من عنايتها بمبادهة الفعل فنجدها تتجه شطر الماضي أكثر ماتتجه ، والمرء مسؤول بلا ريب عما فعل بحسب مواءمة فعله الالزام أو لا مواءمته . ولكن ثمة مسؤولية تجاه الأفعال القادمة ، فالمسؤول في الغالب هو الذي يعترف بأنه فاعل فعل .
والوجه الايجابي للمسؤولية الأخلاقية في أنها بالدرجة الأولى العملية التي تجعل الأنا الإنسانية ذاتها بذاتها مرغمة على الفعل ، فالفعل يجسد هذه الأنا بمسعى اخراجها قرارها إلى حيز الواقع .
أما الصدق فإنه حضور الأنا في مسؤوليها ، وهو سمة تتناسب وتميز الفعل الأخلاقي النبيل ، وإن حقل المسؤولية يقيس بدقة استطاعة الأنا ، فحيثما تكون الأنا عاجزة تنقطع مسؤوليتها ، وعلى هذا فإن المسؤولية تقع بين حدين ، احداهما حد القهر الذي لايقاوم، من الجانب الأدنى ، حيث تتوفر قوة عظمى إما فيزيائية أو عقلية ويكون الشعور بالأثم غائباً ، وحد القهر الذي لايقاوم من الجانب الأعلى ، إن أحداً غير مسؤول أمام المحال . وفي الحالتين يطلق الحكم القضائي بمراعاة وسطي للناس . والحكم الأخلاقي ينطلق بمراعاة الحد الأقصى الممكن للشخص المعني ، فلا يكلف امرؤ إلا مافي وسعه



