البورصة المصرية تشارك في مائدة مستديرة مع ١٧ شركة ناشئة وتجري حوارا مفتوحا مع شركات السمسرة في الإسكندرية  

البورصة المصرية تشارك في مائدة مستديرة مع ١٧ شركة ناشئة وتجري حوارا مفتوحا مع شركات السمسرة في الإسكندرية

✍️ بقلم: طه المكاوي

البورصة تفتح أبوابها لجيل جديد من الشركات وتسرّع خطوات تحديث سوق المال

لم تعد المنافسة بين أسواق المال في العالم تعتمد فقط على حجم التداول أو عدد الشركات المقيدة، بل أصبحت التكنولوجيا والابتكار وتنوع مصادر التمويل وسرعة الاستجابة لاحتياجات المستثمرين والشركات، من أهم مؤشرات قوة السوق وقدرته على المنافسة.

وفي هذا الإطار، جاءت تحركات البورصة المصرية في الإسكندرية لتكشف عن توجه أكثر انفتاحاً على مستقبل سوق المال، من خلال الجمع بين التواصل مع الشركات الناشئة من ناحية، والاستماع إلى شركات السمسرة من ناحية أخرى، بما يعكس رؤية تستهدف تطوير السوق من الداخل وتوسيع قاعدة الشركات القادرة على الاستفادة من أدوات التمويل والاستثمار.

لقاء مختلف مع شركات تنتمي إلى اقتصاد المستقبل

شارك وفد من البورصة المصرية، برئاسة السيد عمر رضوان، رئيس مجلس إدارة البورصة المصرية، ونائبه السيد محمد صبري، وعدد من مسؤولي البورصة، في مائدة مستديرة مع مؤسسي 17 شركة ناشئة من خريجي الدفعة الأولى لبرنامج تسريع الأعمال Venture Ready، وذلك بمركز إبداع مصر الرقمية “كرياتيفا” بالإسكندرية.

ويأتي البرنامج تحت رعاية وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بالتعاون مع البرنامج الإنمائي الألماني GIZ، وتنفيذ شركة Plug and Play، في إطار منظومة تستهدف دعم الشركات الناشئة ومساعدتها على الانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً من النمو.

وكان لافتاً أن الحوار لم يتوقف عند حدود التعريف بآليات سوق المال، وإنما اتجه إلى مناقشة القضية الأهم بالنسبة للشركات الناشئة: كيف يمكن تحويل النمو السريع إلى نموذج أعمال مستدام وجاهز للاستثمار؟

من الفكرة إلى الشركة.. ومن الشركة إلى سوق المال

الشركات الناشئة في قطاعات التكنولوجيا لا تعاني دائماً من نقص الأفكار، وإنما تواجه في مراحل معينة تحديات تتعلق بالتمويل والتوسع والحوكمة وبناء الهياكل المؤسسية.

ولهذا فإن التواصل المبكر بينها وبين البورصة يمكن أن يغير طريقة تفكيرها في التمويل.

فبدلاً من الاعتماد الكامل على التمويل المؤسسي أو رأس المال المخاطر في جميع مراحل النمو، يمكن للشركات التي تصل إلى مستويات معينة من النضج أن تنظر إلى سوق المال باعتباره إحدى القنوات المحتملة لتمويل توسعاتها مستقبلاً.

وشهد اللقاء مناقشات مع الشركات العاملة في مجالات تكنولوجيا التعليم EdTech والتكنولوجيا الصحية HealthTech والاقتصاد الرقمي، وهي قطاعات تتميز بمعدلات نمو مرتفعة وبقدرتها على إنتاج نماذج أعمال جديدة.

عمر رضوان: السوق شريك في رحلة نمو الشركات

وأكد السيد عمر رضوان أن البورصة المصرية تمثل منصة تمويلية حاضنة للابتكار، وتدعم تحول الشركات التكنولوجية إلى كيانات مستدامة.

وأشار إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه أسواق المال في توفير بدائل تمويلية للشركات، إلى جانب إتاحة فرص تخارج للمستثمرين وصناديق رأس المال المخاطر.

وتبرز هنا نقطة اقتصادية شديدة الأهمية، وهي أن نجاح منظومة الشركات الناشئة لا يعتمد فقط على دخول المستثمر، وإنما كذلك على وجود طريق واضح لخروجه.

فعندما تتوافر آليات تخارج فعالة، يصبح المستثمر أكثر استعداداً لضخ أموال جديدة في شركات ناشئة أخرى، وهو ما يؤدي إلى خلق دورة مستمرة من التمويل والاستثمار والنمو.

الحوكمة تبدأ قبل الطرح بسنوات

وشدد رئيس البورصة على أن بناء منظومة الحوكمة المالية والإدارية منذ المراحل الأولى يمثل ركناً أساسياً في نجاح الشركات وقدرتها على النفاذ إلى أسواق المال مستقبلاً.

وهنا تبرز أهمية تغيير الثقافة الإدارية لدى الشركات الناشئة.

فالاستعداد لسوق المال لا يبدأ عند اتخاذ قرار الطرح، وإنما يبدأ منذ اليوم الأول الذي تضع فيه الشركة نظاماً مالياً واضحاً، وتحدد مسؤوليات الإدارة، وتبني آليات لاتخاذ القرار، وتحافظ على بيانات مالية وإدارية قابلة للقياس والمراجعة.

وكلما بدأت الشركة في تطبيق هذه الممارسات مبكراً، أصبحت عملية انتقالها إلى مستويات أكبر من التمويل أكثر سهولة.

من رواد الأعمال إلى شركات السمسرة

وفي الاتجاه المقابل، عقد وفد البورصة المصرية حواراً مفتوحاً مع قيادات وممثلي شركات السمسرة في الإسكندرية، في إطار سلسلة اللقاءات التي تستهدف تعزيز التواصل مع أطراف السوق.

وهذا المسار لا يقل أهمية عن التواصل مع الشركات الناشئة، لأن شركات السمسرة تمثل إحدى أهم الحلقات التنفيذية داخل منظومة سوق المال.

فالمستثمر يتعامل مع السوق من خلال منظومة متكاملة، تبدأ من قرار الاستثمار ولا تنتهي عند تنفيذ الصفقة، وهو ما يجعل كفاءة شركات الوساطة والبنية التكنولوجية للتداول عنصرين أساسيين في جودة التجربة الاستثمارية.

نظام تداول جديد.. خطوة نحو سوق أكثر سرعة وكفاءة

وخلال اللقاء، قدم فريق عمل البورصة عرضاً حول نظام وبرنامج التداول الجديد الجاري تجهيزه وفقاً لأعلى المعايير التكنولوجية الدولية.

ويستهدف النظام الجديد رفع سرعة وكفاءة تنفيذ العمليات، والتعامل مع أحجام التداول المتزايدة، إلى جانب الاستعداد لدعم أحدث الأدوات المالية والاستثمارية.

وهذه الخطوة تأتي في توقيت مهم، لأن تطور الأدوات الاستثمارية يحتاج بالضرورة إلى بنية تكنولوجية قادرة على دعمها.

فلا يمكن تطوير المنتجات المالية بمعزل عن تطوير التكنولوجيا التي تستوعبها، كما لا يمكن جذب شرائح جديدة من المستثمرين دون توفير نظام تداول يتمتع بالكفاءة والسرعة والاستقرار.

شركات السمسرة شريك في الاختبار قبل التشغيل

ومن أهم ملامح الحوار أن إدارة البورصة لم تكتف بعرض النظام الجديد، وإنما استمعت إلى الملاحظات الفنية والتشغيلية لشركات السمسرة بشأن متطلبات الربط والجاهزية.

وأكد عمر رضوان أن شركات الوساطة هي الشريك الرئيسي في نجاح وتطوير سوق رأس المال، وأن إطلاق المنظومة الجديدة يتم بالتنسيق الكامل مع أطراف السوق، بما يضمن انتقالاً سلساً ويرفع مستويات الكفاءة والشفافية ويحافظ على حقوق المتعاملين.

وهذا النهج يضع شركات السمسرة داخل عملية التطوير، بدلاً من أن تكون مجرد جهة تتلقى التغيير بعد اتخاذ القرار.

التدريب والاختبار.. حماية للسوق من مخاطر الانتقال

ومن المقرر عقد ورش عمل وجلسات تجريبية خلال الفترة المقبلة لجميع شركات السمسرة، بهدف اختبار المنظومة الجديدة وتدريب الكوادر البشرية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة، لأن الانتقال من نظام تداول إلى نظام آخر يمثل عملية دقيقة، وأي خلل في مرحلة الانتقال يمكن أن ينعكس على عمليات التداول وثقة المستثمرين.

لذلك فإن التدريب المسبق والاختبار العملي يمثلان جزءاً من إدارة المخاطر، وليس مجرد إجراء فني.

سوق المال أمام فرصة لتوسيع قاعدة الشركات

التحرك تجاه الشركات الناشئة يفتح في الوقت نفسه سؤالاً أكبر حول مستقبل هيكل الشركات داخل البورصة المصرية.

فالسوق الذي يريد زيادة عمقه يحتاج إلى شركات جديدة، وقطاعات جديدة، ونماذج أعمال جديدة.

ومع التوسع في الاقتصاد الرقمي، يمكن أن تصبح الشركات العاملة في التكنولوجيا والصحة الرقمية والتعليم الإلكتروني والخدمات الرقمية أحد مصادر النمو المستقبلية لقاعدة الشركات المؤهلة لسوق المال.

لكن تحقيق ذلك يتطلب استمرار التواصل بين البورصة وبرامج ريادة الأعمال وحاضنات ومسرعات الأعمال والمؤسسات الداعمة للاستثمار.

الإسكندرية.. نموذج لتحول العلاقة بين البورصة والسوق

ما جرى في الإسكندرية يعكس إذاً نموذجاً مختلفاً للتواصل المؤسسي.

ففي يوم واحد تقريباً، التقت البورصة بممثلين عن جيل جديد من الشركات الناشئة، ثم انتقلت إلى الحوار مع شركات السمسرة التي تمثل إحدى الركائز الأساسية للسوق.

وبين اللقاءين تظهر الصورة الكاملة: شركات تحتاج إلى النمو والتمويل، ومستثمرون يبحثون عن فرص، ووسطاء يحتاجون إلى أنظمة أكثر كفاءة، وبورصة تعمل على بناء بنية تحتية قادرة على استيعاب المرحلة الجديدة.

نحو سوق مال أكثر عمقاً وتنوعاً

في النهاية، فإن أهمية تحركات البورصة المصرية لا تكمن فقط في اللقاءات التي عقدتها، وإنما في الرسالة الاقتصادية التي تحملها.

فالمرحلة المقبلة تتطلب سوق مال لا يكتفي بإدارة التداولات القائمة، وإنما يعمل على خلق فرص جديدة للنمو، ويقترب من الشركات قبل وصولها إلى مرحلة القيد، ويساعدها على فهم متطلبات الحوكمة والتمويل، وفي الوقت نفسه يطور التكنولوجيا التي تدير عمليات السوق.

ومن هنا، فإن الجمع بين الشركات الناشئة، والحوكمة، والتمويل، والتكنولوجيا، وشركات السمسرة يمثل أكثر من مجرد مجموعة ملفات منفصلة؛ إنه تصور متكامل لسوق مال يريد أن يكون أكثر قدرة على تمويل الاقتصاد الحقيقي.

وإذا نجحت هذه الرؤية في تحويل الشركات الواعدة إلى كيانات مؤسسية قادرة على النمو والوصول إلى سوق المال، بالتوازي مع اكتمال تحديث منظومة التداول ورفع جاهزية شركات الوساطة، فإن البورصة المصرية ستكون أمام فرصة حقيقية لتعميق السوق وتوسيع قاعدته الاستثمارية.

فالمستقبل لن يكون فقط لمن يملك رأس المال، وإنما لمن يستطيع ربط رأس المال بالابتكار، والابتكار بالحوكمة، والحوكمة بالتكنولوجيا، والتكنولوجيا بالنمو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى