التحولات في النظام الاقتصادي العالمي، إعادة تشكيل موازين القوة في ظل الأزمات الدولية المتصاعدة

بقلم الدكتورة سحر اسماعيل
لم تعد الأزمات الدولية المتلاحقة مجرد أحداث عارضة يمكن النظر إليها باعتبارها اضطرابات مؤقتة في مسار الاقتصاد العالمي، لأن تتابعها وتشابك آثارها يكشفان عن تحولات أعمق تمس البنية التي قام عليها النظام الاقتصادي العالمي خلال العقود الماضية. فالحرب في أوكرانيا، والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، والصراع الاقتصادي والتكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين، وأزمات الديون التي تثقل كاهل العديد من الدول النامية، جميعها تعكس حالة من إعادة التشكل المستمرة في موازين القوة الاقتصادية الدولية. ومن ثم فإن ما يشهده العالم اليوم يتجاوز حدود الأزمات الدورية التي عرفها النظام الرأسمالي في مراحل سابقة، ليطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة النظام الذي يتجه العالم نحوه.
لقد قامت مرحلة ما بعد الحرب الباردة على افتراض أن تحرير التجارة وتوسيع نطاق العولمة الاقتصادية سوف يؤديان إلى دمج الاقتصادات المختلفة داخل سوق عالمية واحدة، بما يضمن استمرار النمو وتدفق الاستثمارات واتساع حركة التجارة الدولية. غير أن التطورات التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة كشفت حدود هذا التصور. فالعولمة التي قُدمت باعتبارها إطارًا لتحقيق الازدهار المشترك أظهرت في الوقت ذاته قدرة كبيرة على إنتاج التفاوتات الاقتصادية وتعميق الفجوات التنموية بين الدول وداخل المجتمعات نفسها.
وقد جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتكشف عن حجم الاختلال القائم بين الاقتصاد الحقيقي المنتج للسلع والخدمات وبين النشاط المالي الذي توسع بصورة تجاوزت كثيرًا حدود القاعدة الإنتاجية التي يفترض أن يستند إليها. ومع أن الاقتصاد العالمي استطاع تجاوز التداعيات المباشرة للأزمة، فإن الأسباب الهيكلية التي أفرزتها لم تختفِ، وإنما استمرت في إنتاج أشكال جديدة من عدم الاستقرار المالي والاقتصادي.
ثم جاءت جائحة كورونا لتضيف بعدًا آخر للأزمة. فقد أظهرت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، وكشفت أن الاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية في توفير السلع الاستراتيجية يمكن أن يتحول في لحظات الأزمات إلى مصدر تهديد مباشر للأمن الاقتصادي والاجتماعي للدول. ونتيجة لذلك بدأت العديد من الحكومات في مراجعة سياساتها الاقتصادية، واتجهت نحو تعزيز الإنتاج المحلي وتأمين احتياجاتها الأساسية وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية قد تصبح غير متاحة في أوقات الأزمات.
وفي الوقت نفسه، أدى الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين إلى نقل المنافسة الدولية من نطاق التجارة التقليدية إلى مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة. وهو ما يعكس تحولًا في طبيعة القوة الاقتصادية نفسها، حيث لم يعد النفوذ الدولي قائمًا على حجم الإنتاج أو التجارة فقط، وإنما أصبح مرتبطًا بالقدرة على التحكم في المعرفة والتكنولوجيا وسلاسل القيمة العالمية.
وتكشف الحرب في أوكرانيا من جانب آخر عن الترابط الوثيق بين الاقتصاد والسياسة الدولية. فقد أدت العقوبات الاقتصادية المتبادلة واضطرابات أسواق الطاقة والغذاء إلى إعادة ترتيب أولويات العديد من الدول، ودفعها إلى البحث عن بدائل جديدة للتجارة والتمويل والإمداد. كما كشفت هذه التطورات أن النظام الاقتصادي العالمي لا يتحرك بمعزل عن اعتبارات القوة والصراع والمصالح الاستراتيجية، وأن العلاقات الاقتصادية الدولية تظل مرتبطة بصورة وثيقة بالتوازنات السياسية والعسكرية.
وتزداد أهمية هذه التحولات مع التوسع التدريجي للتكتلات الاقتصادية الصاعدة، وفي مقدمتها مجموعة البريكس، التي تسعى إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والمالي بين أعضائها وتقليل الاعتماد على المؤسسات التقليدية التي هيمنت على إدارة الاقتصاد العالمي لعقود طويلة. ولا يعني ذلك أن العالم يشهد انهيارًا للنظام الاقتصادي القائم، وإنما يشير إلى تراجع قدرته على الانفراد بتحديد قواعد الحركة الاقتصادية الدولية، في ظل سعي قوى جديدة إلى توسيع نطاق تأثيرها داخل الاقتصاد العالمي.
وفي هذا الإطار، تبدو أزمة الديون التي تواجه العديد من الدول النامية إحدى أكثر القضايا تعبيرًا عن طبيعة المرحلة الراهنة. فارتفاع مستويات الاقتراض وتزايد أعباء خدمة الدين لا يمثلان مجرد مشكلة مالية، وإنما يعكسان اتساع الفجوة بين احتياجات التنمية من ناحية، وقدرة الاقتصادات الوطنية على توليد الموارد اللازمة لتمويلها من ناحية أخرى. وعندما تضطر الدول إلى توجيه جانب متزايد من مواردها لسداد الالتزامات المالية، فإن ذلك يحد من قدرتها على الاستثمار في التعليم والصحة والبنية الأساسية، ويؤدي في النهاية إلى تحميل الفئات الأكثر ضعفًا تكلفة الاختلالات الاقتصادية المتراكمة.
ومن هنا فإن التحولات الجارية في النظام الاقتصادي العالمي لا يمكن فهمها من خلال متابعة مؤشرات النمو أو التجارة أو الاستثمار بصورة منفصلة، لأن جوهر هذه التحولات يتعلق بإعادة توزيع القوة الاقتصادية على المستوى الدولي. فالمسألة لا تتعلق فقط بصعود قوى اقتصادية جديدة أو تراجع أخرى، وإنما تمتد إلى إعادة النظر في القواعد التي تحكم الإنتاج والتجارة والتمويل والعلاقات الاقتصادية بين الدول.
وفي ضوء ذلك، يبدو العالم وكأنه يقف أمام مرحلة انتقالية لم تستقر ملامحها النهائية بعد. غير أن المؤكد أن النظام الاقتصادي العالمي الذي تشكلت قواعده خلال العقود الماضية يواجه اليوم تحديات متزايدة تدفع نحو إعادة تشكيل مراكز النفوذ الاقتصادي وموازين القوة الدولية. وسوف تظل نتائج هذه التحولات محل صراع وتنافس خلال السنوات المقبلة، غير أن آثارها لن تقتصر على الدول الكبرى وحدها، لأن انعكاساتها سوف تمتد إلى المجتمعات كافة، وخاصة تلك التي تجد نفسها في موقع التابع داخل النظام الاقتصادي العالمي، حيث تتحمل غالبًا النصيب الأكبر من كلفة التحولات والاختلالات التي لا تملك دورًا حقيقيًا في صنعها.



