الإعلام والتحولات الجذرية: نحو صناعة “المواطن الرقمي الواعي”

بقلم بسنت احمد
شهدت الساحة الإعلامية تحولاً نوعياً غير مسبوق، بالثورة الرقمية وتعمق استخدام خواص الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي ضاعف من قوة تأثير وسائل الإعلام في صياغة الأفكار وتوجيه السلوك الجماعي. لم يعد دور الإعلام مجرد مرآة تعكس الواقع،وتساهم في بناء وتكوين صور واضحة في المساهمةلصناعة الإنسان الواعي، القادر على فك شيفرات هذا العالم المتسارع والمعقد.
إن المشهد الاتصالي الراهن يتميز بالسيولة، حيث أصبح المحتوى خاضعًا لـ”اقتصاد الانتباه” وسرعة التداول، مما أفرز تحديات عميقة تتعلق بـأصالة المعلومة وموثوقية المصادر. فبينما يفتح العصر الرقمي أبوابًا غير محدودة للمعرفة، فإنه يفتح أيضًا مسارات واسعة لظواهر التضليل الإعلامي، والأخبار الزائفة (Fake News)، والمحتوى المنشأ آليًا، والتي تهدد تماسك الوعي المجتمعي.
هنا تبرز الحاجة الماسة للتثقيف الرقمي والتربية الإعلامية كأولوية وطنية. لا يكفي أن نستهلك المعلومات، بل يجب أن نصبح قادرين على تشريح الرسالة الإعلامية، وفهم كيف تعمل المنصات الرقمية، وكيف تشكل الخوارزميات رؤيتنا للعالم. إن بناء التفكير النقدي هو خط الدفاع الأول ضد التلاعب المعرفي.
كما يتطلب تعزيز التماسك الاجتماعي والسلام الإنساني أن يتبنى الإعلام خطابًا يحمل بوصلة أخلاقية ثابتة؛ خطابًا يركز على الحقائق، يدعم قيم الحوار البناء، ويحتفي بالتنوع بدلاً من استغلال نقاط الخلاف. إن مسؤولية الإعلام تكمن في أن يكون قوة دافعة للتعايش، وجسرًا للتقريب بين الثقافات، بعيداً عن الاستقطاب والتحريض.
وفي مواجهة التحديات الكبرى – من أزمات اقتصادية إلى صراعات ثقافية – يتضاعف الدور الاستراتيجي للإعلام. فهو المطالب بتعزيز الذاكرة الجمعية للمجتمع، وتوفير سياق شامل للمعلومات، وتمكين الأفراد من اتخاذ قرارات مستنيرة.
إن غاية الإعلام هي بناء “المواطن الرقمي الواعي”… الفرد الذي يمتلك الأدوات المعرفية والرقمية ليصبح منتجًا واعيًا للمعلومات لا مجرد مستهلك سلبي لها.



