الحصار الأمريكي على كوبا.. أزمة متعددة الجبهات تستنزف الاقتصاد وتفاقم الضغوط المعيشية

الحصار الأمريكي على كوبا.. أزمة متعددة الجبهات تستنزف الاقتصاد وتفاقم الضغوط المعيشية
كتب: طه المكاوي
في ظل التحديات الاقتصادية المتراكمة التي تواجهها كوبا، يتصدر الحصار الأمريكي المشهد بوصفه أحد أبرز الملفات الخلافية في العلاقات بين البلدين، وسط اتهامات كوبية بأن القيود التجارية والمالية المفروضة على الجزيرة تتجاوز حدود التأثير الاقتصادي، لتنعكس بصورة مباشرة على قطاعات الطاقة والصحة والزراعة والتعليم والسياحة، وتزيد من صعوبة توفير الاحتياجات الأساسية للسكان.

ويقدم التقرير الكوبي بشأن آثار الحصار خلال الفترة من الأول من مارس 2025 حتى 28 فبراير 2026 صورة لحجم الأعباء التي تقول هافانا إنها تكبدتها خلال عام واحد، مقدرًا الخسائر بنحو 8.0833 مليار دولار، بزيادة تبلغ 7% عن الفترة السابقة. وتضع هذه الأرقام قضية الحصار مجددًا في قلب النقاش حول انعكاسات العقوبات الاقتصادية، ومدى تأثيرها في قدرة الدول على الحفاظ على استقرار الخدمات العامة واستمرار النشاط الإنتاجي.
ت
وتستند الأرقام الواردة في التقرير إلى التقييم الرسمي الكوبي، ولذلك فإنها تعكس تقديرات الحكومة بشأن الأضرار المرتبطة بالحصار، ولا تعني بالضرورة أن جميع الخسائر المقدرة قد جرى التحقق منها بصورة مستقلة.
8 مليارات دولار في عام واحد
تكشف تقديرات التقرير أن الأعباء الاقتصادية التي تتحدث عنها كوبا لا تقتصر على فترة زمنية قصيرة، وإنما تمتد إلى عقود من القيود والتحديات التجارية والمالية. ووفقًا للبيانات الواردة فيه، بلغ إجمالي الخسائر المتراكمة نحو 178.7 مليار دولار بالأسعار الجارية، فيما تصل القيمة إلى قرابة 3.8965 تريليون دولار عند احتسابها وفقًا لمعيار تعديل القيمة بالذهب.
ويعزو التقرير هذه الخسائر إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها صعوبات الوصول إلى الأسواق والتمويل الخارجي، وارتفاع تكاليف التعاملات التجارية، والعقبات التي تواجه المؤسسات الكوبية في شراء المعدات والمواد الخام والتكنولوجيا من الخارج.
وتؤكد الرؤية الكوبية أن تأثير الحصار لا يتوقف عند المعاملات المباشرة مع الولايات المتحدة، بل يمتد إلى الشركات والمؤسسات الأجنبية التي قد تتردد في التعامل مع السوق الكوبية خشية التعرض لعقوبات أو مواجهة تعقيدات قانونية ومالية.
ومن شأن هذه المخاوف، وفقًا لهذا الطرح، أن تحد من فرص إبرام اتفاقيات تجارية جديدة، وتزيد صعوبة الحصول على التمويل والتأمين وإتمام المدفوعات، فضلًا عن ارتفاع تكلفة استيراد بعض السلع والمستلزمات.
وفي اقتصاد يعتمد على الاستيراد لتوفير جانب من احتياجاته الأساسية، يمكن لهذه القيود أن تتداخل مع مشكلات الإنتاج المحلي وتوافر العملات الأجنبية، فتتحول من عائق تجاري إلى ضغط واسع على قطاعات مختلفة.
الطاقة.. نقطة الاختناق الأكثر تأثيرًا
تأتي أزمة الطاقة في مقدمة الملفات التي يركز عليها التقرير، في ظل ما يصفه بتصاعد القيود على إمدادات الوقود وتأثيرها في قدرة البلاد على تشغيل محطات الكهرباء ووسائل النقل والمنشآت الإنتاجية والخدمية.
ويربط التقرير هذه التطورات بالأمر التنفيذي الأمريكي رقم 14380 الصادر في 29 يناير 2026، والذي تعتبره السلطات الكوبية جزءًا من الضغوط المتزايدة على إمدادات الطاقة.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، بلغ العجز المتوقع في الوقود نحو 2.6678 مليون طن بحلول نهاية مايو 2026، كما أشار إلى عدم توافر قدرات كهربائية تصل إلى 1400 ميجاوات. وتنعكس هذه الاختناقات، وفقًا للتقرير، في اتساع فترات انقطاع الكهرباء، التي تجاوز متوسطها 20 ساعة يوميًا في بعض الظروف التي يرصدها.
وتتجاوز آثار نقص الطاقة حدود المنازل، إذ يؤدي عدم انتظام الكهرباء إلى تعطيل الأنشطة التجارية والصناعية، ويؤثر في تشغيل المعدات الطبية ومرافق المياه وأنظمة التبريد والتخزين. كما تتضرر حركة النقل وتوزيع السلع، وترتفع تكلفة تشغيل المنشآت التي تضطر إلى البحث عن بدائل لتأمين احتياجاتها من الطاقة.
ويكشف ذلك عن الترابط الوثيق بين قطاع الطاقة وبقية الأنشطة الاقتصادية؛ فحين تتراجع إمدادات الوقود، تتأثر قدرة المصانع على الإنتاج، وتتراجع كفاءة نقل المحاصيل والسلع، وتزداد صعوبة تقديم الخدمات العامة بصورة منتظمة.
وتصبح مواجهة أزمة الطاقة، في هذه الحالة، أحد الشروط الأساسية للحد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، سواء عبر تحسين كفاءة الشبكات أو تنويع مصادر الإمداد أو توفير الاستثمارات اللازمة لتحديث البنية التحتية.
المستشفيات أمام تحديات متزايدة
يمثل القطاع الصحي أحد أكثر الملفات حساسية في التقرير، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بحياة المواطنين وقدرة المؤسسات الطبية على توفير العلاج والرعاية اللازمة.
ويشير التقرير إلى وجود نحو 100 ألف شخص على قوائم انتظار العمليات الجراحية، بينهم قرابة 12 ألف طفل، كما يذكر أن نحو 2888 مريضًا يعتمدون على جلسات الغسيل الكلوي في ظل تحديات تتعلق باستمرار الخدمات وتوافر المستلزمات.
وتتزايد صعوبة توفير الأدوية والمعدات الطبية، وفقًا للبيانات الكوبية، في ظل القيود التي تواجه عمليات الشراء والاستيراد. ويذكر التقرير أن 300 صنف من أصل 395 صنفًا من المنتجات الدوائية الأساسية التي يتناولها غير متوافر، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على خطط العلاج، خصوصًا للمرضى الذين يحتاجون إلى أدوية بصورة مستمرة.
ولا تتوقف التأثيرات عند العلاج، بل تمتد إلى برامج الوقاية والرعاية المبكرة. ويورد التقرير أن نحو 30 ألف طفل تأخر حصولهم على تطعيمات، كما يتناول مشكلات مرتبطة بأجهزة طبية يعتمد عليها بعض الأطفال، من بينها 39 حالة تواجه مشكلات وظيفية مرتبطة بزراعات القوقعة.
وفي مجال دعم الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، يشير التقرير إلى تعذر إصلاح 21 ماكينة من طراز «بيركنز» المستخدمة في الكتابة بطريقة برايل، في حين تبلغ الاحتياجات الوطنية التي يذكرها نحو 63 ماكينة.
وتوضح هذه الأمثلة، بحسب الطرح الكوبي، أن نقص الموارد لا ينعكس فقط على حجم الإنفاق الصحي، بل يؤثر أيضًا في استمرارية العلاج والوقاية والتأهيل، ويزيد من صعوبة تلبية احتياجات الفئات الأكثر اعتمادًا على الخدمات المتخصصة.
الأمن الغذائي بين الإنتاج والتوزيع
تتداخل أزمة الطاقة مع تحديات الزراعة والغذاء، إذ تحتاج الأنشطة الزراعية إلى الوقود لتشغيل المعدات ومضخات الري ونقل المحاصيل إلى أماكن التخزين والأسواق. ومن ثم، فإن اضطراب الإمدادات قد يؤثر في الإنتاج وفي قدرة منظومة التوزيع على الوصول إلى المستهلكين.
ويذكر التقرير أن ساعات تشغيل أنظمة الري تراجعت في بعض الحالات إلى ساعتين يوميًا، مقارنة بنحو 16 ساعة في الظروف التي يقارن بها. كما يشير إلى انخفاض إنتاجية الأرز من 4.21 طن للهكتار عام 2018 إلى 1.9 طن للهكتار عام 2025.
وتعكس هذه المؤشرات، وفقًا للتقرير، التحديات التي تواجه المزارعين في تأمين احتياجات الإنتاج، خاصة مع صعوبة توفير الوقود والمستلزمات اللازمة للعمل الزراعي. وقد يؤدي تعطل الري أو تأخره إلى تراجع المحاصيل، في حين يزيد ارتفاع تكاليف النقل من الأعباء الواقعة على المنتجين والموزعين.
وفي جانب آخر، يشير التقرير إلى وجود نحو 20 ألف طن من الأغذية داخل المخازن تعذر نقلها بسبب نقص الوقود. وتكشف هذه البيانات عن أن المشكلة لا ترتبط بالإنتاج وحده، بل تشمل كذلك التخزين والنقل والتوزيع، وهي حلقات أساسية لضمان وصول السلع إلى المواطنين.
وتتطلب مواجهة هذه التحديات معالجة مترابطة تشمل دعم الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة استخدام المياه والطاقة، وتطوير شبكات النقل والتخزين، إلى جانب تأمين المستلزمات الزراعية الضرورية.
السياحة والنقد الأجنبي تحت الضغط
يمثل النشاط السياحي أحد المصادر المهمة للدخل وفرص العمل في كوبا، ولذلك فإن أي اضطراب في خدمات النقل والطيران يمكن أن ينعكس على أداء القطاع وعلى الأنشطة المرتبطة به.
ويتناول التقرير صعوبات تتعلق بتوافر وقود الطائرات من نوع «جيت إيه-1»، وهي مشكلة يمكن أن تؤثر في تكاليف التشغيل وانتظام الرحلات الجوية. كما أن استمرار التحديات المرتبطة بالطاقة قد ينعكس على الخدمات الفندقية والنقل الداخلي والأنشطة التجارية التي تعتمد على حركة الزوار.
ولا تقتصر أهمية السياحة على المنشآت الفندقية وشركات النقل، إذ ترتبط بها قطاعات عديدة تشمل المطاعم والتجارة والحرف والخدمات المحلية. ومن ثم، فإن تراجع النشاط السياحي أو ارتفاع تكلفته قد يمتد تأثيره إلى العمالة والدخل المحلي وتدفقات العملات الأجنبية.
وفي ظل صعوبة الوصول إلى التمويل والاستيراد، تزداد أهمية القطاعات القادرة على توفير النقد الأجنبي، باعتباره عنصرًا أساسيًا في تمويل الواردات وتأمين المعدات والمواد الخام اللازمة لاستمرار الإنتاج.
العقوبات والجدل الدولي
يضع التقرير الكوبي الحصار في إطار أوسع يتعلق بالعلاقات الاقتصادية الدولية، مشيرًا إلى الأمر التنفيذي الأمريكي رقم 14404 الصادر في الأول من مايو 2026، في سياق الإجراءات التي تقول هافانا إنها تزيد الضغوط على تعاملاتها مع الأطراف الخارجية.
ويطرح هذا الملف تساؤلات حول الآثار الممتدة للعقوبات الاقتصادية، خصوصًا عندما تؤثر القيود المفروضة على دولة ما في قدرتها على شراء الوقود والأدوية والمعدات، أو تعرقل تعاملاتها مع مؤسسات وشركات في دول أخرى.
كما يشير التقرير إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم A/RES/80/4، الذي اعتمد في 29 أكتوبر 2025، ضمن المسار الدولي المتعلق بمسألة الحصار الأمريكي على كوبا.
ويعكس استمرار طرح القضية في المحافل الدولية تباين المواقف بشأن شرعية الإجراءات الاقتصادية الأحادية وآثارها الإنسانية، إلى جانب الخلافات السياسية الممتدة بين واشنطن وهافانا.
ومع ذلك، فإن تقييم حجم التأثير الاقتصادي يتطلب التمييز بين الأضرار التي ينسبها التقرير مباشرة إلى الحصار، والتحديات الأخرى التي قد تؤثر في أداء الاقتصاد، بما في ذلك كفاءة الإنتاج المحلي وتوافر الموارد والاستثمارات والقدرة على إدارة الأزمات.
مستقبل الاقتصاد الكوبي بين القيود ومحاولات التكيف
تكشف الأرقام الواردة في التقرير عن صورة متشابكة للأزمة التي تواجهها كوبا، حيث تتداخل القيود التجارية والمالية مع نقص الطاقة وتحديات الإنتاج الزراعي والصعوبات التي تواجه القطاع الصحي والسياحي.
ويبرز هذا التشابك أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على قطاع واحد؛ فاستقرار الكهرباء يرتبط بالإنتاج والنقل، وتحسين الإنتاج الزراعي يرتبط بتوافر الوقود والمياه والمعدات، بينما يعتمد استمرار الخدمات الصحية على انتظام إمدادات الأدوية والطاقة والأجهزة الطبية.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز قدرة الاقتصاد على توفير احتياجاته الأساسية، وتنويع مصادر الطاقة والتجارة، وتطوير البنية التحتية، وتحسين كفاءة الإنتاج والتوزيع، بالتوازي مع الجهود الرامية إلى تخفيف القيود الاقتصادية التي تقول كوبا إنها تعوق تعاملاتها الخارجية.
وفي الوقت نفسه، يظل من الضروري قراءة التقديرات المالية والاجتماعية الواردة في التقرير ضمن سياقها، باعتبارها أرقامًا صادرة عن الحكومة الكوبية لتوضيح موقفها من آثار الحصار، مع أهمية الاستعانة بمصادر مستقلة عند إجراء تقييم شامل لحجم الخسائر وتوزيع أسبابها.
وفي المحصلة، لا تتوقف قضية الحصار الأمريكي على كوبا عند حدود الخلاف السياسي بين البلدين، بل تمتد إلى أسئلة أوسع تتعلق بقدرة الاقتصاد على الصمود، وحق المجتمعات في الحصول على احتياجاتها الأساسية، وتأثير السياسات الاقتصادية الدولية في حياة المواطنين. وبين استمرار الضغوط ومحاولات التكيف، تبقى الطاقة والصحة والغذاء من أكثر الملفات إلحاحًا، باعتبارها قطاعات يرتبط استقرارها مباشرة بمستوى المعيشة وبقدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية المتراكمة.



