حزين عمر يكتب: عكاشة” يبدع باللون والحرف.. ويتجاوز الحدود!!

اللون مبهج؛اللون دافئ؛ اللون مبتسم؛ بل يكاد يقهقه !! حتى وهو يصور”عشرات الهجرات” للغزاويين داخل أرضهم : شمالا وجنوبا ؛ خلال العامين الماضيين ؛ من القهر والقتل والتجويع والتنكيل والإبادة!!
ولا يبدو اللون كئيبا أبدا ولا حزينا ؛ وهو يتسلل من ريشة عبدالرازق عكاشة في معرضه الجديد:(حكايات من باريس) بقاعة بيكاسو بالقاهرة..بعد عشرات من المعارض المماثلة له في أوربا وآسيا والمغرب العربي..وحكايات باريس التي تنطق بها ألوان عبد الرازق عكاشة وريشته ؛ ليست وراءها الرفاهية والبهجة والتنعم دائما ؛ بل أحيانا ترصد تجمعات بائعات الهوى – في خمس لوحات – وهن يعرض أجسادهن لتحصيل لقمة الخبز ؛ في بلاد الغرب التي تدعي احترام المرأة وهي أكبر المتاجرين بجسدها ومآسيها!!
الغربان !!
وترصد حكايا عكاشة كذلك ليل باريس الذي يطوي تحت جناحيه نوعا من كفاح الفن وصمود الفنانين ..فبعد أن تعود بعض الفرق المسرحية من عملها على المسرح ؛ تتخذ أحد المقاهي موقعا لها : تتدارس النصوص ؛ وتتناقش في قضايا المسرح ؛ فيضج بأحاديثهم الشارع الذي يسكن فيه الفنان..ثم يقوده فضوله الإبداعي إلى تأمل هذا الشارع ؛ لا من الأسفل فحسب ؛ بل كذلك من الذروة : يقف أعلى المبنى ويتأمل – في ليل الشتاء البارد – كاتدرائية في المكان ؛ وقد انفض عنها الناس ؛ ولا تؤنس وحدتها غير الغربان الرابضة على قمتها !!
هل تأخذنا ريشة الفنان إلى الواقع المادي للبشر ؛ وانصرافهم عن الروح/المعنى/الدين ؛ لتترك هذه الرموز مأوى للغربان وحدها؟!! لا أشك في أن هذا المعنى كامن وراء هذه اللوحة ..ولا يقتصر الانصراف عن الروحانيات والمعاني السامية على الكنائس ؛ بل عن سائر دور العبادة ..ولذا فإننا لم نر على أبراج الكنيسة – كالعادة – جرسا ولا صليبا ؛ ولا أثر لأي جرس أو صليب في أي موقع ..على الرغم من ملمح دار العبادة الواضح ..وهذا يعني أن الانصراف عن الدين أضحى ظاهرة عامة ؛ لا في الغرب فحسب ؛ بل لدينا نحن كذلك .
خيط قديم !!
لدينا نحن ؟! لم يتوقف الأمر لدينا عند الانصراف عن الروحانيات والقيم الأخلاقية والدينية ؛ بل وصل لما هو أسوأ : الاتجار بها وتوظيفها لجمع المال ونيل السلطة !! وهذا الخيط من الرؤية لدى المبدع – المتجاوز لحدود الإقليمية والفئوية والطائفية – هذا الخيط ممتد لديه منذ بداياته الإبداعية ..لا كفنان تشكيلي فحسب ؛ بل كذلك كقاص وروائي ..وقد عالج هذه الظاهرة – الاتجار بالدين – في روايته:(الشرابية) ..فهذه الشخصية الهاربة من الثأر والمنحلة والمنحطة ؛شخصية”سمسم” الشاذ وصاحبه المنحرف مثله :”محسن” يركبان كل الأمواج ؛ ويتحولان من حياتهما المنحلة هذه إلى (دعاة) : يطلقان اللحية ويرتديان الجلباب القصير “عدة الشغل” ويرتادان المساجد ؛ حتى يلتف الشباب حولهما ..وقد تحولا إلى (رموز دينية) ؛ تحظى بالثقة والطاعة من آلاف الجهلاء : شبابا وشيبا ..ويجنيان من وراء هذا التحول الملايين ؛ وينتقلان من حي الشرابية الفقير إلى الفيلات والقصور ..ويستمران في ركوب موجة الدين ويدعمان المرشح الإخواني ويصبحان من أكبر مناصريه!!
و الشرابية تتسع الرؤية حولها ؛ من حي منسي بائس ؛ بكل شخوصه المنسحقة والهاربة والمكافحة والصامدة ؛ إلى وطن كامل.. فيربط عكاشة بين الحي والوطن نفسه ..ويطور الأحداث والشخوص في روايته ؛ لتنطلق من داخل أسوار الحي إلى ميدان التحرير وكل الميادين ؛ مشاركين في الثورة بشتى تياراتها..كما كان لظاهرة الغربة والهجرة خارج مصر نصيبها من هذه الأحداث.
نادية وعبود !!
وتبدو البطلة (نادية) كما لو كانت هي مصر نفسها: بكل تطلعاتها للمستقبل ؛ وكل إحباطاتها؛ وكل جمالها؛ وكل الطامعين فيهاوالمنتهكين لها..حتى لا تجد صدرا حنونا إلا لدى (عبود) – المواطن البسيط البرئ – الذي أحبها حتى آخر سطر في الرواية:(مادام تحب بتنكر ليه ؟!) ..على الرغم من أنه لم ينل منها إلا القليل: قبلة واحدة!!
عكاشة يرسم ككاتب ؛ ويكتب كرسام..فمعرضه هذا يحمل عنوان:(حكايات من باريس) ..وهي أشبه ما تكون حكايات القاهرة ؛ وليل القاهرة ؛ وخاصة القاهرة الخديوية التي تتشابه حتى في معمارها مع باريس.. والشارع الذي يعبر عنه عكاشة في باريس نسخة من شارع عماد الدين!!
وفي تراسل الأجناس الإبداعية هذا -كتراسل الحضارات والثقافات بدون حدود – نراه هنا يطلق على معرضه مسمى (حكايات) وهي مصطلح روائي ؛ قصصي؛ درامي ؛ لا تشكيلي ..ويتسلل التشكيل داخل روايته من ناحية أخرى..فنراه يرسم “لوحات لغوية” بقلمه ..كهذه اللوحة: (الذكريات حبات قمح منثورة في خم الزمن. إن الأيام شبيهات بهاته الدجاجات ؛ وإننا ديوك نجتهد دائما ؛ لتكنز بأجنحتها دفئا قديما) ..وهذه اللوحة اللغوية:(الكذب الذي يسيل مع الزيت على أرغفتهم من ورق الصحف!! كذب يلف كذبا ويروح إلى كذب!!) ..وكذلك:(تابع عقارب ساعته ؛ وهي تلسع نهارنا!!) .
نحن نرى هنا ألوانا وحركة وصخبا وأبعادا لهذه اللوحات التي صاغها بوعي لا بالمصادفة..فهو يقول: (إن للأصوات ألوانا) ..وينشغل بما وراء التعبير : لونا وتشكيلا وحرفا ولغة ؛ أكثر من التعبير نفسه ..فكل هذا موظف لديه لأجل الوطن والمواطن ؛ على الرغم من أن القيم اللغوية والجمالية هدف عظيم لا يقل عن حب الوطن نفسه.. لكن الموقف و الانتماء يطغى لدى المبدع هنا ؛ ويدفعه إلى ما يشبه الخطابة ؛ حين يقول: (علي أن أعترف لنفسي أن ثمة كنزا أثمن وأغلى من الأموال ؛ كنزا برحابة الوطن و….ونعيم الألوان ..ألا وهو الناس ) ..هو شئ من تدخل الراوي/البطل في سياق الأحداث ؛ لم يكن ضروريا..فكل سياقات الأحداث من القرية ؛ إلى حي الشرابية ؛ إلى ميدان التحرير وسائر ميادين الوطن والثورة ؛ تؤكد هذا المعنى ؛ بدون أن يجهر به .
ولا تغيب الصورة الشعرية المبتدعة عن السرد في (الشرابية).: الرواية / السيرة ..كأن يقول :(ينالون حصتهم من رغيف الأمل ) و(أتابع نور الصباح الكاشف؛ يكنس ظلمات زوايا القطار) و(زقزقت عصافير الفرح في أحراش قلوبهم) .
مباراة ماراثونية ؛ بين عكاشة الكاتب وعكاشة الرسام ..فمن ينتصر في النهاية ؟!!


