درع الجنوب.. حين يصبح الجبل ساحة للصراع على الثروة

من الدهابة إلى حيتان الذهب ثم أباطرة الدم.. ومن اقتصاد الظل إلى تسرُّب القيمة
بقلم الدكتورة سحر اسماعيل
لم تكن “درع الجنوب” مجرد عملية أمنيَّة لملاحقة منقبين غير شرعيين عن الذهب في جنوب مصر، كما أن اختزال المشهد في مجموعة من “الدهابة” تبحث عن رزقها في قلب الصحراء لا يكشف سوى الطبقة الأكثر ظهورًا من ظاهرة أكثر تعقيدًا. فما كشفته العملية، وما ظهر من طبيعة المواقع والمعدات وشبكات الإمداد والحماية، يفتح أمامنا سؤالًا أكبر يتعلق ببنية اقتصاديَّة واجتماعيَّة وأمنيَّة تشكلت عبر سنوات، وتداخلت فيها الجغرافيا القاسيَّة مع الْفقر والنزوح والحرب ورأس المال والسلاح والذهب، حتى أصبح استخراج المعدن الثمين جزءًا من منظومة تتجاوز بكثير حدود الحفرة التي يجري فيها التنقيب. ولذلك فإن السؤال الحقيقيّ ليس فقط: ماذا ضبطت “درع الجنوب”؟ وإنما: كيف نشأت هذه الإمبراطورية؟ ومَن موَّلها؟ وكيف وصلت إليها هذه القدرة الهائلة على الحفر والطحن والنقل والطاقة؟ ومَن كان يحصد الثروة التي تخرج من باطن الجبال؟ ولماذا الآن؟
تبدأ الحكاية من الجغرافيا. فنحن أمام منطقة شديدة القسوة، جبال شاهقة وأودية ومسارات وعرة، وحرارة مرتفعة، ومصادر مياه محدودة جدًا، ومسافات بعيدة عن العمران. وهذه الطبيعة صنعت مفارقة شديدة الأهمية؛ فهي من ناحية تمنح المواقع درجة عاليَّة من العزلة، ومن ناحية أخرى تجعل استمرار أي نشاط اقتصاديّ فيها مكلفًا ومعقدًا. فالعامل يحتاج إلى الماء والغذاء، والمعدات تحتاج إلى الوقود والصيانة وقطع الغيار، والمولدات تحتاج إلى الطاقة، والخام يحتاج إلى النقل، وكل ذلك يحتاج إلى إمداد مستمر. ومن ثم فإن وجود الذهب في الجبل لا يفسر وحده استمرار النشاط؛ الذي يحتاج إلى تفسير هو القدرة على بناء منظومة تشغيل كاملة في مكان بهذه القسوة.
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما نفهم طبيعة الذهب الموجود في بعض هذه التكوينات. فالذهب المرتبط بعروق الكوارتز لا يكون بالضرورة في صورة معدن جاهز يمكن جمعه من سطح الأرض، وإنما قد يكون محبوسًا داخل الصخور والعروق الحاملة له، وقد يرتبط أيضًا بمعادن كبريتيدية وغيرها. وتوضح الدراسات الجيولوجيَّة الخاصة بالذهب في الصحراء الشرقيَّة المصرية أن بعض الرواسب ترتبط بشبكات من عروق الكوارتز الحاملة للذهب والكبريتيدات، وهنا تتغير الصورة بالكامل.
ما يخرج من الجبل في البداية هو خام صخري حامل للذهب، وليس سبيكة ذهب. تُستخرج الصخور من مناطق التمعدن، ثم تُنقل إلى مراحل التكسير والطحن حتى يتحرر الذهب تدريجيًا من الصخر، وبعد ذلك تأتي عمليات الفصل والتركيز بحسب طبيعة الخام؛ فقد يستخدم الفصل بالجاذبيَّة عندما يكون الذهب حرًا وقابلًا للفصل، وقد تحتاج بعض الخامات إلى عمليات معالجة أخرى. وفي المسارات الصناعيَّة يمكن أن تنتهي العملية بمركز غني بالذهب، ثم بمرحلة صهر تنتج سبيكة أوليَّة من الذهب والفضة والمعادن المصاحبة، قبل أن تنتقل إلى التكرير. وهذه النقطة بالذات تكشف أهمية المعدات التي ظهرت في هذه المواقع.
فالطاحونة لا تنتج سبيكة الذهب؛ وظيفتها الأساسيَّة أن تساعد في تحرير الذهب من الصخر.
ومن ثم فإن وجود معدات حفر وطحن وتكسير ومولدات وطاقة ومركبات لا يمكن اعتباره مجموعة أدوات متفرقة. إنه يعني وجود سلسلة إنتاج تبدأ من الجبل، ثم تحويل الخام الصخري إلى مادة يمكن فصل الذهب منها، ثم تركيزه ومعالجته، وربما صهره في مرحلة لاحقة. وهذا هو الفارق بين شخص يبحث عن قطعة ذهب وبين منظومة تحاول تحويل جبل إلى مصدر منتظم للثروة. وهنا تبدأ طبقات الإمبراطورية في الظهور.
في قاعدة الهرم يقف العامل؛ عامل يبحث عن لقمة العيش، يعمل في حرارة شديدة وعزلة قاسيَّة، ويتحمل مخاطر الحفر والانهيارات والعمل في بيئة لا تتوافر فيها أبسط مقومات الحياة بسهولة. وبين هؤلاء عمال سودانيون دفعتهم الحرب والنزوح وانهيار مصادر الدَّخل إلى البحث عن أي فرصة للعمل بعيدًا عن ساحات القتال.
وهنا يجب أن تكون النظرة عادلة. العامل الذي يبيع قوة عمله من أجل البقاء ليس هو نفسه من يملك المعدات أو يمول النشاط أو يحصل على العائد الأكبر.
وهذه التفرقة أساسيَّة؛ لأن تحويل العامل الْفقير إلى عنوان القضية كلها يحجب الطبقات الأعلى من الهرم. فالعامل هو الحلقة الأكثر ظهورًا والأقل قدرة على حماية نفسه، بينما قد توجد فوقه شبكة كاملة من المنقبين والفنيين والحراس والممولين والوسطاء والمشترين.
فوق العمال توجد طبقة أصحاب الخبرة الفنيَّة والمنقبين الذين يعرفون طبيعة الصخور ومواقع العروق وكيفيَّة تشغيل المعدات. ثم تأتي طبقة الحماية والحراسة المسلحة. وهنا يحدث التحول الأخطر.
فعندما تصبح الثروة كبيرة، والمعدات باهظة، والمواقع ثابتة، لا يعود النشاط قادرًا على الاستمرار دون حماية. وعندما يظهر السلاح إلى جانب معدات التنقيب، ننتقل من نشاط اقتصاديّ فردي إلى منظومة تحتاج إلى قوة مُسلحة تتولى تأمين مواقعها ومعداتها وحماية استمرارها.
ثم تأتي طبقة الآلة. معدات حفر، وطواحين، ومولدات، وأجهزة كشف، ومركبات دفع رباعي، ووسائل نقل واتصال وطاقة.
والسؤال هنا لا يتعلق فقط بعدد الآلات، وإنما بالقدرة الاقتصاديَّة التي تقف خلفها.
من اشترى هذه المعدات؟ من نقلها إلى قلب الجبال؟ من وفر الوقود؟ من وفر المياه؟
من يدفع ثمن الصيانة وقطع الغيار؟
ومن يستطيع إبقاء هذه المنظومة تعمل في مكان بعيد ومعزول؟
إن مجرد الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف أن العامل الذي يمسك أداة الحفر ليس هو مركز الإمبراطوريَّة. مركز الإمبراطورية يوجد حيث يوجد رأس المال.
وهنا نصل إلى “حيتان الذهب”.
أقصد الطبقة العليا من منظومة رأس المال التي تستفيد من تحويل الذهب المستخرج إلى ثروة قابلة للتراكم. فالحوت لا يحتاج إلى أن يقف في الجبل تحت الشمس، ولا إلى أن يقود الحفار، ولا إلى أن يحمل الصخور. يكفي أن يمتلك رأس المال أو الشبكة التي تربط الاستخراج بالشراء والنقل والتسويق. وهنا تظهر المفارقة الكبرى، الأرض غنيَّة، والذهب موجود في باطنها، والعامل الذي يستخرجه فقيرًا، بينما تتجمع القيمة في مُستويات أعلى من الهرم.
وتدخل الحرب السودانية إلى هذه المعادلة لتضيف إليها بعدًا أكثر تعقيدًا.
فالحرب دفعت أعدادًا من البشر إلى النزوح والبحث عن العمل، وفي الوقت نفسه ارتبط الذهب في السودان، في سياقات مُتعددة، باقتصاد الحرب وبشبكات مسلحة وتجارية استفادت من الموارد في ظل الصراع. ولذلك يجب أن نميز بوضوح بين الإنسان الذي هرب من الحرب بحثًا عن الحياة، وبين الشبكات التي يمكن أن تستفيد من الذهب وتوظفه داخل اقتصاد الصراع. فالهارب من الحرب ليس صانعًا للحرب، والعامل الذي يبحث عن لقمة العيش ليس هو من يحصد الثروة الكبرى المتولدة عن الذهب؛ وإنما يقف في أسفل منظومة اقتصاديَّة تتوزع فيها الأدوار، بينما تتجه الحصة الأكبر من العائد إلى مُستويات أعلى من الهرم.
ومن هنا يأتي تعبير “أباطرة الدم” في معناه الاقتصاديّ والسياسيّ الذي نستخدمه؛ أي الطبقة التي تحصد ثروة تتولد في بيئة تختلط فيها الموارد الطبيعيَّة بالْفقر والسلاح والحرب، ثم يمكن أن تتجه هذه الثروة إلى شبكات ومصالح وصناعات مُعقدة خارج الدورة الطبيعيَّة للاقتصاد الذي أنتجها. ومن هنا نصل إلى السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة:
إذا كانت ظاهرة التنقيب غير المشروع معروفة منذ سنوات، فلماذا الآن؟
لا توجد لدينا معلومات علنية كافية تسمح بالقول إن الدولة كانت تعرف كل تفاصيل هذه الشبكات ثم تركتها عمدًا. كما أن معرفة وجود الدهابة تختلف عن معرفة حجم شبكات التمويل والملكيَّة والإمداد ومسارات الذهب. ومن الممكن أيضًا أن تكون الظاهرة نفسها قد تطورت؛ من نشاط فردي محدود إلى نشاط أكثر تنظيمًا وقدرة على استخدام المعدات الثقيلة، في ظل تحولات إقليميَّة كبيرة، وفي مقدمتها الحرب السودانيَّة. ولكن هناك عاملًا آخر لا يمكن تجاهله؛ مصر نفسها تدخل مرحلة جديدة في قطاع التعدين.
فالدولة تعمل على تحسين مناخ الاستثمار التعدينيّ، واستقطاب شركات عالميَّة للبحث عن الذهب، وتطوير الإطار التنظيميّ للقطاع، وأصبح تطوير التعدين جزءًا من توجه أوسع للاستفادة من الموارد الطبيعيَّة وتعظيم العائد الاقتصاديّ منها. ومن ثم فإن “لماذا الآن”؟ لا يمكن فصله عن هذا التحول. لا نستطيع القول إن العملية جاءت لخدمة شركة بعينها أو تمهيد منطقة لمستثمر محدد من دون دليل. لكن يمكن طرح السؤال الاقتصادي الأوسع، هل يمكن بناء قطاع تعدين حديث وجذب استثمارات كبيرة إلى مناطق تعمل فيها شبكات تعدين غير قانونيَّة، وتوجد فيها معدات ثقيلة واقتصاد ظل وسلاح ومسارات غير رسميَّة للذهب؟
فالاستثمار يحتاج إلى أرض تستطيع الدولة تأمينها وإدارتها، وإلى قواعد قانونيَّة واضحة، وإلى حماية للموارد، وإلى منع النشاط غير الرسميّ من تحويل الثروة إلى مسارات لا تخضع للرقابة. ومن هنا يصبح “تطهير الأرض” أوسع من مجرد إخراج الدهابة، إنه يعني الانتقال من اقتصاد ظل قائم على استخراج الثروة خارج المنظومة الرسميَّة إلى اقتصاد تعدين يخضع للدولة والقانون. لكن هل تطهرت الأرض فعلًا؟ هنا يجب ألا نتسرع، فالعملية كشفت عن حملة واسعة استهدفت شبكات التنقيب غير المشروع، وقطعت خطوط الإمداد، وضبطت عناصر ومعدات مرتبطة بالنشاط.
هذه ضربة قوية للمنظومة، لكن الضربة القوية لا تعني بالضرورة أن الإمبراطوريَّة الاقتصاديَّة انتهت بالكامل، وهناك فرق بين إخلاء الموقع وتفكيك الاقتصاد الذي كان يعمل من خلاله،قد تتوقف الحفارات، قد تُصادر الطواحين،قد يغادر العمال،قد يستسلم الحراس،لكن السؤال الأصعب يبقى؛ أين ذهب رأس المال؟ هل انتهت شبكات التمويل؟ هل عُرفت ملكية المعدات؟ هل جرى تتبع المشترين؟ هل عُرفت مسارات الذهب؟ هل وصل التحقيق إلى المستفيد النهائي؟
هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كانت “درع الجنوب” قد أنهت الإمبراطوريَّة فعلًا، أم أنها وجهت إليها ضربة جعلتها تتراجع وتعيد حساباتها، وهنا نفهم أيضًا أهمية قطع خطوط الإمداد في هذه البيئة، فالجبل يحمي من بداخله، لكنه في الوقت نفسه يجعلهم يعتمدون على الخارج؛ الماء، الغذاء، الوقود، الطاقة، قطع الغيار، النقل، كلها شرايين لا تستطيع منظومة إنتاجيَّة كبيرة الاستغناء عنها، ولذلك فإن السيطرة على الإمداد يمكن أن تكون أكثر حسمًا من تحويل كل جبل إلى ساحة مواجهة مباشرة، لكن السؤال الذي سيبقى مفتوحًا هو:
هل سيسكت أباطرة الذهب؟
إذا كانت الطبقات السفلى من المنظومة قد تعرضت للضبط، فإن الطبقات العليا لا يمكن الحكم عليها من الصور وحدها، فالمستفيد النهائي لا يظهر بالضرورة في موقع الاستخراج، وقد يكون قادرًا على إعادة تنظيم شبكته إذا لم تصل عملية التفكيك إلى المال والملكيَّة ومسارات التجارة.
ولهذا فإن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بعدد المقبوض عليهم أو حجم المعدات المصادرة، وإنما بمدى قدرة الدولة على الوصول إلى اقتصاد الذهب نفسه، إلى المال، إلى الملكية، إلى مسارات التجارة، إلى الجهات التي تشتري، إلى المستفيد النهائي، وهنا نصل إلى جوهر القضية؛ فالثروة الطبيعيَّة لا تتحول تلقائيًا إلى تنمية بمجرد استخراجها من الأرض، والذهب يمكن أن يخرج من الجبل ليغذي اقتصَاد الظل، ويمكن أن تتسرب قيمته إلى خارج الاقتصاد الذي أنتجها، ويمكن أن تدخل عوائده في شبكات مُعقدة من المصالح والصراعات، بينما يبقى المجتمع الذي خرجت الثروة من أرضه بعيدًا عن آثارها الحقيقيَّة، والطريق الآخر مختلف تمامًا. أن تدخل الثروة في دورة إنتاجيَّة واسعة، فتتحول إلى استثمار، وتشغيل، وتكنولوجيا، وصناعة، وبنية أساسيَّة، وقدرة إنتاجيَّة، وتراكم اقتصاديّ يمتد أثره إلى المجتمع. وهنا تحديدًا تصبح فكرتنا المركزية أكثر وضوحًا.
فالمعركة الحقيقية ليست مع الذهب، وإنما مع المسار الذي تسلكه قيمته؛ هل يخرج من باطن الأرض ليغذي اقتصَاد الظل، أم يُضخ في عروق ومسام وشرايين الاقتصاد الذي أنتجه ليغذي التنمية؟ وهل نكتفي بتطهير الجبل من الدهابة، أم ننجح في تطهير دورة القيمة نفسها من التسرب إلى خارج الاقتصَاد الذي أنتجها؟
وهنا بالضبط يصبح “درع الجنوب” أكبر من عملية أمنية؛ يصبح اختبارًا لسؤال التنميَّة والسيادة الاقتصاديَّة؛ من يستخرج الثروة؟ ومن يملكها؟ ومن يحصد قيمتها؟ فاستعادة السيطرة على الجبل ليست نهاية المعركة، المعركة الحقيقية تبدأ بعد استعادة السيطرة، ماذا ستفعل الدولة بالذهب؟ كيف ستنظم عملية استخراجه؟ كيف ستحمي العامل الذي يبحث عن رزقه؟ كيف ستمنع عودة اقتصَاد الظل؟ كيف ستضمن أن الثروة لا تخرج من الأرض ثم تختفي من الاقتصَاد الذي أنتجها؟ وكيف يمكن أن تتحول هذه الثروة من مجرد معدن ثمين إلى قوة إنتاجيَّة تساعد على تغيير البنيَّة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة نفسها؟
وهنا نعود إلى العامل؛ ذلك الذي حملته الحرب بعيدًا عن أرضه، ودفعه الخوف من الموت إلى البحث عن طريق للحياة، فانتهى به الطريق إلى الجبل. دخل عاملًا يبحث أولًا عن النجاة، ثم عن لقمة العيش، فوجد نفسه في أدنى طبقات منظومة تستخرج ثروة هائلة من باطن الأرض، من دون أن يكون هو صاحب القرار فيها، أو مالك معداتها، أو المستفيد الأكبر من عوائدها. ولذلك فإن النظر إليه باعتباره نهاية المشكلة يخطئ في تحديد موضعها؛ فهو في الحقيقة أحد مخرجاتها. فالعامل الذي يقف عند الحفرة ليس هو من صنع اقتصَاد الظل، كما أن القبض عليه لا يعني الوصول إلى من يملك هذا الاقتصَاد ويوجه مساره. وإذا كان الْفَقر والحرب قد دفعاه إلى الجبل، فإن إخراجه منه لا يعالج السبب الذي دفعه إليه.
وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين أن تُغلق الدولة موقعًا للتنقيب، وأن تُغلق الطريق الاقتصَاديّ الذي أعاد إنتاج الظاهرة. فالمطلوب ليس فقط أن يخرج العامل من الجبل، وإنما أن تنتهي الحاجة التي دفعته إليه، وأن تتحول قوة العمل التي كانت تُستنزف في اقتصَاد الظل إلى قوة منتجة داخل اقتصَاد رسميّ قادر على استيعابها وحمايتها والاستفادة من خبرتها. أما إذا خرج العامل من الجبل وبقي الْفقر، وبقيت الحاجة، وبقيت شبكات الذهب، فإن الحفرة قد تُغلق، لكن الظاهرة تظل قادرة على إعادة إنتاج نفسها في مكان آخر. ولهذا فإن إخراج الدهابة من الجبل ليس نهاية المعركة؛ وإنما قد يكون بدايتها الحقيقيَّة.
النهاية الحقيقيَّة تبدأ عندما يصبح الذهب الذي يخرج من باطن الأرض جزءًا من اقتصَاد يستطيع المجتمع أن يرى أثره، وتستطيع الدولة أن تراقب مساره، وتستطيع الصناعة أن تبني عليه، ويستطيع العامل أن يحصل على نصيبه المشروع من القيمة التي أنتاجها.
وأنا على يقين أن الجيش المصري العظيم لا يقف عند “درع الجنوب” لأن معركة تطهير الأرض من اقتصَاد الظل لا تُحسم عند أسفل الهرم، وإنما تصل إلى بنيته العليا. وفي تصوري، فإن ما رأيناه؛ قد يكون تمهيدًا لمعركة أشد عمقًا وأقوى أثرًا؛ معركة لا تكتفي بضبط العمال أو مصادرة المعدات أو تفكيك مواقع التنقيب، وإنما تمتد إلى قمة الهرم؛ إلى مصادر التمويل، وشبكات الملكيَّة، ومسارات الذهب، والوسطاء، والمستفيدين النهائيين. فإسقاط القاعدة وحدها لا يكفي إذا بقيت القمة قادرة على إعادة بناء المنظومة، وإعادة إنتاج اقتصَاد الظل من جديد.
ولهذا فإن المعركة الحقيقيَّة ليست معركة موقعٍ بعينه، وإنما معركة تفكيك بنية كاملة؛ من أسفلها إلى أعلاها، حتى تنقطع القدرة على إعادة إنتاجها، وحتى لا تبقى الثروة التي تخرج من باطن الأرض بعيدة عن الاقتصَاد الذي تحمل كلفة استخراجها. فالجيش المصري العظيم لا يحمي حدود الأرض فقط؛ وإنما حين تتصل حماية الأرض بحماية ثروتها، تصبح المعركة أعمق؛ أن تعود ثروات مصر إلى اقتصَادها، وأن تُغلق المنافذ التي تتسرب منها القيمة، وأن يصل التفكيك إلى مَن بنى قوته على استنزاف ما تنتجه هذه الأرض.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن، يتجاوز الأشخاص والمواقع والمعدات إلى جوهر العلاقة بين الثروة والاقتصاد؛ مَن يملك ما تخرجه الأرض؟ ومَن يحصد قيمته؟ وإلى أين تذهب هذه القيمة بعد أن تغادر باطن الجبل؟ فالمعركة الحقيقية لا تنتهي عند إخلاء موقع للتنقيب، وإنما تبدأ من اللحظة التي تستعيد فيها الدولة السيطرة على المسار الاقتصَاديّ للثروة؛ بحيث لا تتسرب القيمة إلى خارج الاقتصَاد الذي أنتجها، وإنما تدخل عروقه ومسامه وشرايينه، فتتحول الثروة إلى استثمار وإنتاج وصناعة وفرص عمل، وقدرة حقيقيَّة على تغيير البنيَّة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة.
وهنا تحديدًا يتحدد الفارق بين دولة تستخرج ثروتها، ودولة تستخدم ثروتها للقضاء على التخلف؛ فالمعركة لم تكن على الذهب وحده، وإنما على مَن سيحصد قيمته، ولأي مستقبل ستُستخدم هذه الثروة. فإذا كان الجبل قد أخفى الذهب تحت صخوره، فإن الدولة وحدها تستطيع أن تحدد ما إذا كانت هذه الثروة ستظل أسيرة اقتصَاد الظل، أم ستتحول إلى قوة إنتاجيَّة تسري في عروق ومسام وشرايين الاقتصَاد الوطنيّ، وتدفع المجتمع إلى الأمام.
وعند هذه النقطة لا تعود “درع الجنوب” مجرد عملية لتطهير الجبال، وإنما تصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على استرداد ثروتها كاملة؛ من لحظة استخراجها من باطن الأرض، إلى اللحظة التي تصبح فيها قيمتها جزءًا من مستقبل مصر.



