رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مشروعية الصدقة عن الميت ووصول ثوابها إليه

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مشروعية الصدقة عن الميت ووصول ثوابها إليه

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

📚 دلت الأحاديث الصحيحة على جواز الصدقة عن الميت ووصول ثوابها إليه، وهي في ذلك أبلغ من الدعاء؛ لأنها عمل بدني ومالي. وقد نقل العلماء الإجماع على ذلك.

فقد ورد عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أنَّ رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا (أي: ماتت فجأة) وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ تَصَدَّقْ عَنْهَا» <متفق عليه>. فهذا الحديث صريح في جواز الصدقة عن الميت بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وكذلك ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ سعد بن عبادة رضي الله عنه توفِّيت أمه وهو غائب عنها، فقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ» <أخرجه البخاري>. فقوله صلى الله عليه وآله وسلم «نَعَمْ» إثبات واضح لنفع الصدقة للميت ووصولها إليه.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني معلقًا على هذا الحديث ومستنبطًا منه: [وفي حديث الباب من الفوائد: جواز الصدقة عن الميت، وأن ذلك ينفعه بوصول ثواب الصدقة إليه ولا سيما إن كان من الولد، وهو مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]] <“فتح الباري”لابن حجر، 5/ 390، ط. دار المعرفة>.

وقوله: (وهو مخصص لعموم قوله تعالى…) مهم جدًا، فهو يجيب عن إشكال قد يورده البعض بأن القرآن يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، فكيف ينتفع بسعي غيره؟ والجواب أن هذه الآية عامة خصصتها أحاديث وصول نفع الصدقة والدعاء والحج عن الغير، فالانتفاع حاصل بما يسعى فيه الحي عن الميت من باب فضل الله ورحمته، لا على سبيل الأجرة أو الاستحقاق الذاتي، بل هو من باب إهداء الثواب.

ولم يقف الأمر عند هذا، بل نقل الإمام النووي إجماع الأمة على هذه المسألة فقال: [أجمع المسلمون على أنَّ الصدقة عن الميِّت تنفعه وتصله] <“المجموع” للنووي, 5/ 323، ط. دار الفكر>. وكذلك قال الإمام ابن عبد البر: [أمَّا الصدقة عن الميت فمجتمع على جوازها لا خلاف بين العلماء فيها] <“التمهيد” لابن عبد البر، 20/ 27، ط. أوقاف المغرب>.

فهذه نقول محققة بالإجماع لا يقدح فيها خلاف من شذ بعد ذلك.

● حكم تخصيص الصدقة بزمان أو مكان عند زيارة القبور (طلعة رجب ونحوها): إذا ثبت جواز الصدقة عن الميت مطلقًا، فهل يجوز تقييد هذا المطلق بزمان معين كشهر رجب، أو بمكان معين كالمقابر؟

هذا هو لب المسألة. والجواب أن الأصل في العبادات المطلقة أن تبقى على إطلاقها حتى يرد دليل صحيح بتقييدها، وإذا لم يرد دليل بالتقييد، فإن فعلها في أي زمان أو مكان هو من باب إطلاق الشارع، وليس من باب الابتداع، بل الابتداع هو تضييق ما وسَّعَه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

فالنصوص الواردة في جواز الصدقة عن الميت جاءت مطلقة، فيعم الجواز كل الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال ما لم يرد ما يقيده. فإذا شرع الله تعالى أمرًا على جهة العموم أو الإطلاق فإنه يؤخذ على عمومه وسعته ولا يصح تخصيصه ولا تقييده بوجه دون وجه إلا بدليل، وإلا كان ذلك بابًا من أبواب الابتداع في الدين بتضييق ما وسعه الله ورسوله.

والصدقة في الأزمان الفاضلة والأمكنة الشريفة أمر مستحب ومندوب إليه، وقد روي عن محمد بن مَسْلَمَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا» <أخرجه الطبراني في “المعجم الأوسط”>. يقول العلامة المناوي: [أي: تجليات مقربات يصيب بها مَن يشاء من عباده، والنفحة الدفعة من العطية «فتعرضوا لها»؛ بتطهير القلب، وتزكيته عن الخبث والكدورة الحاصلة من الأخلاق المذمومة..، «لعل أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدًا»] <“فيض القدير” للمناوي، 2/ 505، ط. المكتبة التجارية الكبرى>.

وهذا الحديث يرشد إلى تحري أوقات النفحات الإلهية والتقرب فيها بالطاعات. ومن المعلوم أن شهر رجب من الأشهر الحرم التي خصها الله تعالى بمزيد حرمة، ورغَّب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس في الإقبال على الطاعات فيها، وبالأخص ما يكون نفعه متعديًا؛ كالصدقات وإطعام الطعام.

فعن نُبَيْشَةَ رضي الله عنه قال: نادى رجل وهو بِمِنًى فقال: يا رسول الله، إنا كنا نَعْتِرُ عَتِيرَةً (أي: نذبح ذبيحة) في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «اذْبَحُوا فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ، وَبَرُّوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَطْعِمُوا» <أخرجه النسائي في “سننه”>. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أرشدهم إلى أن الذبح في أي شهر جائز، لكنه أقر أصل البر والإطعام، وبخاصة في هذا شهر الذي اعتادوا فيه الإطعام. فهذا أصل في اختصاص شهر رجب بمزيد من الفضل والخير لمن زاد فيه من عمل الطاعات، وخاصة العبادات التي يكون النفع منها متعديًا للغير كالصدقات.

وعلى هذا، فإن ما جرى عليه عمل الناس في بعض البلاد من التصدق عن الميت عند زيارة قبره في أول رجب أو في غيره من المناسبات، هو من فضائل الأعمال التي يرجى فيها الثواب، ولا حرج فيه شرعًا، متى روعيت الآداب الشرعية من نحو خفض الصوت عند المقابر، ومراعاة المعايير الصحية عند توزيع الصدقات إن كانت طعامًا أو شرابًا.

● الرد على دعوى أن تخصيص الصدقة بوقت أو مكان بدعة: ولعل معترضًا يقول: هذا الفعل لم يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا صحابته، فهل يدخل في البدعة؟ والجواب أن هذا الفهم للبدعة فهم قاصر. ذلك أن ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمر ما لا يدل على عدم جواز فعله، بل قد يترك الشيء لمانع في زمنه ثم يزول، أو يتركه لأنه ليس من مهماته والأمة مأذونة في فعله ما دام داخلاً تحت عموم الأدلة. والأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد النهي.

أما الاحتجاج عليهم بحديث: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» فهو حديث عام مخصوص، فالمراد به البدع المذمومة التي تخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع. فقد قسَّم العلماء البدعة إلى أقسام، وليست كل محدثة مذمومة. قال الإمام الشافعي: [المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أُحدث يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة. والثانية: ما أُحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة. وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه] <“مناقب الشافعي” للبيهقي، 1/ 469، ط. مكتبة دار التراث>.

فهذا تفصيل بديع من إمام جليل يبين أن من البدع ما هو محمود كجمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان، فكيف بفعل له أصل عام في الشرع كالصدقة والدعاء للميت؟ إن فعله في وقت مخصوص أو مكان مخصوص لا يخرجه عن أصله المشروع، بل هو من تخصيص العام بما تقتضيه المصلحة والعادة، وهو من قبيل المصالح المرسلة والعوائد المستحسنة التي لا تصادم نصًّا ولا إجماعًا.

🤲 اللهم تقبل صدقاتنا عن مواتنا، واجعل ثوابها نورًا يتقلبون فيه في قبورهم، وضاعف أجورنا وأجورهم برحمتك يا أرحم الراحمين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى