هاجر أسامة تكتب: للقلب أحكام “الرزق الذي يكشف القلوب”

هاجر أسامة تكتب: للقلب أحكام
“الرزق الذي يكشف القلوب”

للقلب أحكام… ومن أحكامه أن بعض القلوب حين تُرزق، تظن أن ما وصلت إليه كان بسببها وحدها؛ بسبب ذكائها، أو اجتهادها، أو “شطارتها”، فتنسى أن هناك فرقًا كبيرًا بين الاجتهاد… والرزق. فالاجتهاد نعمة، والقدرة على السعي نعمة، والاستمرار رغم التعب نعمة، لكن الرزق في النهاية فضلٌ من الله، وليس معادلة بشرية ثابتة. ولهذا… ليس كل مجتهدٍ يُرزق بنفس الصورة، وليس كل من اتسعت له الدنيا كان أكثرهم تعبًا أو استحقاقًا. فكم من إنسانٍ بذل عمره في السعي ولم يحصل على ما حصل عليه غيره بسهولة، وكم من شخصٍ فُتحت له أبواب لم يكن يتوقعها أصلًا، لأن الأرزاق لا تُوزَّع بمنطق البشر وحده.

فنحن مأمورون بالأخذ بالأسباب، والعمل، والاجتهاد، وهذا جزء من عبوديتنا لله، لكن النتائج تبقى تحت تدبير الله وحده، يعطيها لمن يشاء، بالقدر الذي يشاء، وفي الوقت الذي يشاء. ولهذا يصبح من الخطأ أن يخلط الإنسان بين “شهادة الاجتهاد” و”شهادة الرزق”. فشهادة الاجتهاد تعني أنك تعبت، وصبرت، وأخذت بالأسباب، وهذا يُحترم ويُقدَّر، أما الرزق… فليس دائمًا دليلًا على أنك الأفضل، أو الأذكى، أو الأقرب إلى الله، بل أحيانًا يكون ابتلاءً، أو مسؤولية، أو باب اختبار لا يراه الناس.

ولهذا قال رب العالمين : ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) فالله قسم الأرزاق بحكمته، لا ليُثبت أن إنسانًا أفضل من آخر، بل لتستقيم الحياة، ويتكامل الناس، ويختبر كل إنسان فيما أُعطي وما مُنع. لكن بعض الناس حين يُرزقون، ينظرون إلى الآخرين وكأن ما وصلوا إليه كان استحقاقًا كاملًا منهم، لا فضلًا من الله، وكأن الله فتح لهم الأبواب لأنهم يستحقون أكثر من غيرهم، مع أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.

فقد يُؤخر الله رزق إنسانٍ رحمةً به، ويمنحه رزقًا آخر لا يراه الناس أصلًا؛ رزق الطمأنينة، أو السلام، أو النجاة من طريقٍ كان سيؤذيه. وقد يعطي الله إنسانًا من الدنيا كثيرًا… بينما قلبه ممتلئ بالقلق والخوف وفقدان المعنى. ولهذا… لا تقِس قيمة الناس بما يملكون، ولا تعتبر رزقك شهادة تفوقٍ على غيرك، لأن الفضل لو تُرك للإنسان وحده، لما استطاع أن يرزق نفسه حتى راحة قلبه.

وفي النهاية… لا تجعل ما رُزقت به سببًا لتقليلك من الآخرين، ولا تظن أن كل بابٍ فُتح لك كان بسببك وحدك. فهناك أشياء لو تُركت لاجتهاد الإنسان فقط، لما وصل إليها أحد. فالفضل لا يُقاس بكثرة ما نملك، بل بقدرتنا على رؤية يد الله فوق كل نعمة. ولهذا… أكثر الناس فهمًا للحياة، ليسوا الذين ينظرون إلى أرزاقهم بتفاخر ، بل الذين ينظرون إليها بامتنان.
فالرزق ليس شهادة تفوق… بل فضلٌ من الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى