المشروع الفكري والمؤسسة: قراءة في المنهج التصحيحي لمشروع الشرفاء الحمادي

بقلم بهجت العبيدي
يكاد يتفق مؤرخو الأفكار على أن أصعب المعارك المعرفية هي تلك التي تخوضها الشعوب لتفكيك “المقدس المزيف”؛ ذلك الذي تسلل إلى الوعي الجمعي مستترا بعباءة الدين، بينما هو في حقيقته ليس سوى صدى لصراعات السلطة، وطموحات التوسع الإمبراطوري التي طبعت القرون الخالية. وفي المشهد الفكري العربي المعاصر، يبرز “مشروع الشرفاء الحمادي لتصحيح المسار” كأحد أهم الطروحات الجريئة التي لم تقف عند حدود التوصيف، بل نفذت مباشرة إلى جدار الأزمة، محاولة إحداث قطيعة معرفية بين “جوهر الرسالة الإلهية” و”توظيفها السياسي عبر التاريخ”.
حين نتأمل الواقع اليوم، نجد أن الخطاب الديني التقليدي قد استسلم لقرون طويلة لسطوة المرويات والمدونات التي كُتبت في ظروف سياسية واجتماعية معقدة، فجعل منها مرجعية موازية – بل وحاكمة في كثير من الأحيان – على النص القرآني التأسيسي. من هنا تنطلق القيمة المضافة لـ “مشروع الشرفاء الحمادي”؛ إنه لا يقدم مجرد قراءة إصلاحية خجولة، بل يعلن انحيازا مطلقا وحصريا لـ “المنهاج القرآني الأصيل”. هذا الانحياز يعني ببساطة: نزع القداسة عن كل ما هو بشري وتاريخي، وإعادة الاعتبار للقرآن الكريم بوصفه المرجعية الأولى والأخيرة التي تضبط حركة المجتمع وتصون كرامة الإنسان.
إن النقطة الأكثر حيوية وجاذبية في هذا المشروع الشرفاوي، لا سيما في أبعادها الدولية، هي الشجاعة في تفكيك مفهوم “الغزوات” والصراعات العسكرية القديمة. فالقراءة الفاحصة التي يقدمها الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي تكشف كيف تحولت ممارسات الهيمنة والتوسع التابع للأنظمة الاستبدادية عبر التاريخ إلى خطايا نُسبت زورا إلى رسالة جاءت في الأصل “رحمة للعالمين”. هذا التمييز الحاسم هو المفتاح الحقيقي لتصحيح الصورة الذهنية المشوهة لدى الغرب والعالم المسيحي؛ إنه يرفع عن كاهل الإسلام الحقيقي إرث الصراعات السياسية الإمبراطورية، ويقدمه للعالم في صفائه الفطري الأول: رسالة أخلاقية عالمية ترتكز على الحرية المطلقة في الاعتقاد (لا إكراه في الدين)، والعدل المطلق والسلام الذي يتجاوز مجرد غياب الحرب إلى بناء شراكة حضارية إنسانية.
ولم يكن هذا المشروع لينجح في إحداث هذا الصدى لولا تحوله من حيز التنظير إلى مسارات الفعل المؤسسي؛ حيث استطاعت “مؤسسة رسالة السلام العالمية” – التي نتشرف بالانتماء إليها – تحويل هذه الرؤية إلى جسور ممتدة عابرة للقارات، من النمسا وأوروبا الشرقية إلى إندونيسيا، مستخدمة لغات متعددة لترجمة هذه المحاور الإنسانية المشتركة. وحين يتحدث المشروع عن السيدة مريم والسيد المسيح عليهما السلام، فهو لا يسرد قصصا للتبرك، بل يقدم “منهجا معرفيا” يثبت وحدة الرسالة الإلهية، ويجعل من هذه الرموز الروحية المشتركة واحة للتلاقي والحوار العقلاني الرصين.
في النهاية، يمكن القول إن “مشروع الشرفاء الحمادي لتصحيح المسار” هو دعوة لإنقاذ الوعي الإنساني، وتحرير العقل المسلم من أسر “موروث الأوهام”، واستشراف مستقبل يقوم على التسامح والتعاون العالمي قبل فوات الأوان. إنها محاولة جادة لإعادة الدين إلى جوهره الأصيل: طاقة روحية وأخلاقية لإسعاد البشرية وإعمار الأرض، لا أداة للفرقة وبناء الأسوار بين الشعوب.



