رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن النصيحة من منظور الإسلام

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن النصيحة من منظور الإسلام

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

مما لاشك فيه أن النصيحة في ديننا جوهر الدين، وعمود الفسطاط الذي عليه مدار الصلاح والفلاح. إنها تعبير جلي عن صدق الانتماء لهذه العقيدة التي لا تقبل الأثرة، ولا ترضى بالانعزال.

و النصيحة هي الفريضة الغائبة التي باختفائها تظهر الأثرة، وبحضورها ينمو الإخاء. إن النصيحة ليست مجرد كلمات تُلقى، بل هي عهد وميثاق، وبيعة على الوفاء، ومحركها الحب الخالص الذي لا يشوبه غرض دنيوي. وفي هذه المحاضرة، سنبحر في أنوار الوحيين؛ لنستجلي فقه النصيحة، ونقف على أسرارها، وكيف جعلها النبي ﷺ مرادفاً للدين كله، وكيف جعلها الصحابة الكرام شرطاً أصيلاً في بيعة الدخول إلى حظيرة الإسلام.

⚫ أولاً: النصيحة في الرسالات السماوية .

إن المتأمل في تاريخ الرسالات يجد أن النصيحة هي الوظيفة الكبرى للأنبياء، وهي الجسر الذي يربط بين وحي السماء وواقع الأرض. النصيحة هي إرادة الخير للمنصوح بصدق وإخلاص، وهي مقتضى الأخوة الإيمانية التي عقد الله لواءها في محكم التنزيل.

● الأخوة الإيمانية هي المنطلق:

لا يمكن أن تنبت النصيحة في أرض جدباء، بل لا بد لها من تربة “الأخوة”؛ فالمؤمن لا ينصح أخاه تشفياً ولا استعلاءً، بل بدافع الحب الذي يمليه عقد الإيمان. قال الله تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10]

● النصيحة ميراث الأنبياء وسنّة المرسلين:

لقد جهر الأنبياء بالنصيحة لأقوامهم رغم التكذيب والإيذاء، لأن النصيحة أمانة في عنق كل من يحمل نور الهدى.

• في دعوة نوح عليه السلام:

لقد لخص شيخ المرسلين وظيفته تجاه قومه بأنها نصح خالص، قال تعالى مخبراً عنه:

﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ من اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 62]

• في دعوة هود عليه السلام:

وكذلك سار نبي الله هود على ذات النهج، مؤكداً على اقتران النصيحة بالأمانة، قال تعالى:

﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: 68]

⚫ ثانياً: النصيحة هي جوهر الدين وهويته .

لقد اختزل النبي ﷺ معالم هذا الدين كله في جملة بليغة، جعلت النصيحة هي المحور الذي يدور حوله كل فعل شرعي.

● الشمولية في مفهوم النصيحة:

عن أَبِي رُقيَّةَ تَميمِ بنِ أَوْس الدَّارِيِّ رضي اللَّه عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: « الدِّينُ النَّصِيحَةُ » قُلْنَا : لِمَنْ ؟ قَالَ « للَّه وَلِكِتَابِهِ ولِرسُولِهِ وَلأَئمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ » رواه مُسْلم .

• فقه الحديث:

إن قوله ﷺ “الدين النصيحة” يفيد الحصر المبالغ فيه، كما يقال “الحج عرفة”؛ أي أن النصيحة تتغلغل في:

* حق الله: بالإيمان به وتوحيده وإخلاص العبادة له.

* حق الكتاب: بتلاوته، والعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه.

* حق الرسول: بتعزيره وتوقيره وإحياء سنته.

* حق الأئمة: بطاعتهم في المعروف وإرشادهم برفق.

* حق العامة: بكف الأذى عنهم وتعليمهم ما يجهلون.

⚫ ثالثاً: النصيحة بند أصيل في بيعة الانتماء للإسلام .

لم تكن النصيحة مجرد نصيحة عابرة، بل كانت شرطاً في البيعة وعقداً يلتزم به الصحابة الكرام عند دخولهم في رحاب النبوة.

● ملازمة النصيحة لأركان الإسلام:

عَنْ جرير بْنِ عبدِ اللَّه رضي اللَّه عنه قال : بَايَعْتُ رَسولَ اللَّه ﷺ عَلى : إِقَامِ الصَّلاَةِ ، وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالنُّصْحِ لِكلِّ مُسْلِمٍ . متفقٌ عليه .

إن اقتران “النصح لكل مسلم” بفريضتي الصلاة والزكاة في سياق البيعة، يدل دلالة قطعية على أن المسلم لا يكمل إسلامه ولا يستقيم إيمانه حتى يحمل في قلبه نية النصح لكل من يجمعه بهم رابط الإسلام. فكما أن الصلاة حق الله، والزكاة حق الفقراء، فإن النصيحة هي حق المجتمع الإيماني بأسره.

⚫ رابعاً: المحرك الإيماني للنصيحة.. حب الخير للغير

لا تنبع النصيحة الصادقة إلا من قلبٍ طهر من الحسد والغل، وامتلأ بالرغبة في رؤية الآخرين في أحسن حال.

● عَنْ أَنَس رضي اللَّه عنه عن النبيِّ ﷺ قال : « لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ » متفقٌ عليه .

• هذا الحديث يضع المعيار الذهبي للتعامل الإنساني. إن “لا” هنا لنفي كمال الإيمان الواجب؛ فلا يبلغ العبد ذروة الإيمان إلا إذا تجرد من أنانيته، وأصبح يرى في أخيه نفسه الأخرى. النصيحة هنا هي الترجمة العملية لهذا الحب؛ فمن أحب لأخيه الهدى نصحه، ومن أحب له السلامة حذره، ومن أحب له الجنة أرشده إلى دروبها.

⚫ خامساً: آداب وضوابط النصيحة لضمان القبول والإصلاح

حتى تكون النصيحة مثمرة، لا بد لها من سمتٍ يزينها، وفقهٍ يحكمها، لئلا تتحول من وسيلة بناء إلى أداة هدم.

● السرية والستر:

النصيحة في الملأ تقريع وفضيحة، والنصيحة في السر مودة ورحمة.

● الرفق واللين:

لقد أمر الله موسى وهارون بالقول اللين لفرعون، فكيف بمن هو دونه من المؤمنين؟

● العلم قبل النصح:

فلا ينصح المرء فيما يجهل، لئلا يفسد من حيث أراد الإصلاح.

إن النصيحة هي صمام الأمان الذي يحفظ المجتمع المسلم من التحلل والفساد. فإذا ساد التناصح، قويت الروابط، وإذا غاب، انتشرت الأثرة والخذلان. فلنجعل من أنفسنا مرايا لبعضنا البعض، نعكس الجمال وننبه على الخلل بصدق وإخلاص، متمثلين هدي نبينا ﷺ وصحابته الكرام.

ومجمل القول في ختام هذه السياحة في رحاب “باب النصيحة”، نخلص إلى حقائق كبرى ومحطات جامعة نوجزها فيما يلي:

● عالمية ومحورية النصيحة:

النصيحة هي وظيفة الأنبياء الكبرى، ومنهاج المرسلين في الإصلاح، وهي مقتضى الأخوة التي قررها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10].

● النصيحة هي ماهية الدين:

كما ورد في حديث تميم الداري رضي الله عنه: « الدِّينُ النَّصِيحَةُ » قُلْنَا : لِمَنْ ؟ قَالَ « للَّه وَلِكِتَابِهِ ولِرسُولِهِ وَلأَئمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ » رواه مُسْلم . وهذا يدل على أن النصح يشمل علاقة العبد بخالقه، وبمنهجه، وبمجتمعه وقيادته.

● النصيحة ميثاق غليظ:

ليست النصيحة اختياراً ثانوياً، بل هي ركن في بيعة المسلم، كما فعل جرير بن عبد الله رضي الله عنه حين قال: « بَايَعْتُ رَسولَ اللَّه ﷺ عَلى : إِقَامِ الصَّلاَةِ ، وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَالنُّصْحِ لِكلِّ مُسْلِمٍ » متفقٌ عليه .

● المحرك النفسي للنصيحة:

النصيحة ثمرة لمبدأ إيماني عميق، وهو تجرد النفس من الأنانية، عملاً بقوله ﷺ: « لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ » متفقٌ عليه .

نسأل الله أن يجعلنا هداة مهتدين، ناصحين لا فاضحين، ومبشرين لا منفرين.

اللهم يا من جعلت المؤمنين إخوة متحابين، وبروح القدس مؤيدين، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعلنا من عبادك الناصحين المخلصين، الذين يبتغون بنصحهم وجهك الكريم. اللهم طهر قلوبنا من الغل والحسد والأثرة، واجعلنا نرى في إخواننا أنفسنا، فلا ننصحهم إلا حباً، ولا نؤدبهم إلا رفقاً، ولا نرشدهم إلا صدقاً.

اللهم ارزقنا فقه النصيحة بآدابها، واجعلنا ممن يقبل النصيحة بصدور منشرحة، ويعطيها بنفوس زكية. اللهم اجعلنا ممن ينصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر. اللهم كما بايع الصحابة نبيك على النصح لكل مسلم، فاجعلنا على عهدهم سائرين، وبآثارهم مقتدين.

اللهم أصلح بنا، واهدِ بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى. اللهم ارزقنا كمال الإيمان حتى نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا، ونكره لهم ما نكره لأنفسنا.

اللهم ألف بين قلوبنا، واجمع شملنا على التناصح والبر والتقوى، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، يا أرحم الراحمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى