من التوقيع إلى التنفيذ.. الاستثمارات السعودية تدخل مرحلة جديدة في إعادة بناء الاقتصاد السوري

بقلم: مصطفى محمد القرشي
لم يعد السؤال اليوم: كم اتفاقية وقّعتها الشركات السعودية في سوريا؟ بل: كم اتفاقية بدأت تغادر بالفعل طاولة التوقيع باتجاه التنفيذ؟
خلال أشهر قليلة بدأت الإجابة تتشكل. مشروع رقمي بمليارات الريالات انتقل من المنافسة إلى الترسية وتوقيع اتفاقية التنفيذ، ومشروع تطوير مطار حلب انتقل إلى ترتيبات وجدول تنفيذي، ودراسات فنية لمشروعات المياه تحركت إلى مرحلة أكثر تقدمًا، وعقود سعودية في الطرق والبنية التحتية ومواد البناء بدأت تتجاوز مذكرات التفاهم إلى التعاقد والاستعداد للتنفيذ.
لكن ثمة زاوية أخرى في هذه القصة لا تقل أهمية عن إعادة بناء الاقتصاد السوري:
ماذا تعني هذه المشروعات للاقتصاد السعودي نفسه؟
فالسوق السورية قد لا تكون فقط وجهة لرأس المال السعودي، وإنما اختبارًا جديدًا لقدرة القطاع الخاص السعودي على الانتقال من النمو داخل السعودية إلى تصدير خبرته ورأس ماله وخدماته ومنتجاته إلى أسواق المنطقة.
من الاتفاقيات إلى العقود
بدأ المسار الاستثماري السعودي–السوري يتسارع خلال 2026، مع توقيع عقود واتفاقيات في الاتصالات والطيران والمياه والبنية التحتية والتطوير العقاري والصناعة والتدريب.
وكان من أبرزها مشروع SilkLink الذي تنفذه مجموعة stc باستثمار يتجاوز 3 مليارات ريال، ويستهدف إنشاء أكثر من 4,500 كيلومتر من شبكات الألياف الضوئية، إلى جانب مراكز بيانات ومحطات للكابلات البحرية الدولية.
المشروع مهم لسوريا لأنه يعيد بناء جزءًا من بنيتها الرقمية، لكنه مهم أيضًا للاقتصاد السعودي؛ إذ يمثل توسعًا خارجيًا لشركة سعودية كبرى في البنية التحتية الرقمية العابرة للحدود.
وهنا تظهر زاوية مختلفة للاستثمار السعودي في سوريا:
السعودية لا تصدّر رأس المال فقط، وإنما تبدأ بتصدير القدرات التي بنتها خلال سنوات التحول الاقتصادي.
من الاتصالات إلى الطرق.. وتأسيس الوجود المستدام
وفي قطاع البنية التحتية، انتقل مشروع تأهيل وتطوير محور دمشق–تدمر–دير الزور خطوة إضافية إلى الأمام.
فبعد إرساء المشروع على شركتي «الرواف» السعودية و«الكواتي» السورية، ناقشت وزارة النقل السورية التسهيلات والمتطلبات اللازمة للانتقال إلى التنفيذ، قبل أن يشهد معرض «إعمار 2026» الإعلان عن عقد للرواف في الطرق والبنية التحتية بقيمة 300 مليون دولار.
الأهمية هنا لا تكمن في قيمة العقد وحدها؛ فشركة سعودية تعمل خارج السوق المحلية تعني طلبًا محتملًا على الخبرة الهندسية والإدارة والمقاولات وسلاسل التوريد والمعدات والخدمات الفنية والتمويل والتأمين.
كما أعلنت «الرواف» خلال المعرض بدء خطوات عملية لتأسيس شركة جديدة في سوريا بهدف توسيع نشاطها الاستثماري.
أي أننا قد نكون أمام انتقال من تنفيذ مشروع واحد إلى بناء وجود استثماري سعودي مستدام داخل السوق السورية.
مواد البناء.. فتح أسواق جديدة للطاقة الإنتاجية السعودية
وتظهر زاوية أخرى في عقود «إسمنت الجوف»، حيث أُعلن خلال «إعمار 2026» عن عقود لتوريد الإسمنت بقيمة 72 مليون دولار بين مجموعة الحسن القابضة وإسمنت الجوف، مع الإعلان عن جاهزية العقد للانتقال إلى التنفيذ الفعلي.
وهنا يصبح الأثر على الاقتصاد السعودي أكثر مباشرة.
فعندما تشارك شركة مقاولات سعودية في مشروع خارجي، نحن أمام تصدير للخدمة والخبرة. وعندما يذهب الإسمنت أو الحديد أو الكابلات أو غيرها من المنتجات السعودية إلى المشروع نفسه، فنحن أمام تصدير للسلعة أيضًا.
وهذا المسار لم يعد افتراضيًا؛ ففي مارس الماضي بدأ معمل إسمنت عدرا بالفعل طحن الكلنكر المورد من شركة إسمنت المنطقة الشمالية السعودية، ضمن اتفاق لتوريد 200 ألف طن على دفعات.
وهذا نموذج مبكر لكيف يمكن لاحتياجات إعادة البناء السورية أن تتحول إلى طلب فعلي على الإنتاج الصناعي السعودي.
وإذا اتسع هذا النموذج، فقد تصبح السوق السورية منفذًا يساعد المصانع السعودية على رفع معدلات الاستفادة من طاقاتها الإنتاجية وتنويع أسواقها الخارجية، ويفتح فرصًا لمصنعي الحديد والإسمنت والزجاج والكابلات والأنابيب والمعدات الكهربائية وأنظمة المياه والتكييف ومواد العزل والتشطيب والتقنيات الهندسية.
أي أن المشروع الواحد قد يحرك خلفه سلسلة طويلة من الشركات والمصانع السعودية.
«شام فيو».. الاستثمار يبني سلسلة توريد
وفي القطاع العقاري، دخل مشروع «شام فيو» مرحلة أكثر تقدمًا مع توقيع عقود توريد مرتبطة بالبنية التحتية ومواد البناء والإكساء.
ولا ينبغي النظر إليه باعتباره عقارات تُبنى في دمشق فقط؛ فالمشروع العقاري الكبير يحتاج إلى التصميم والهندسة وإدارة المشروعات والتمويل والمقاولات ومواد البناء والتجهيزات والتقنيات وخدمات التشغيل والصيانة.
وكلما ارتفعت حصة الشركات والمنتجات والخدمات السعودية من هذه السلسلة، ارتفع العائد الاقتصادي غير المباشر على السعودية.
وهذا هو الفارق بين تصدير رأس المال المجرد وتصدير منظومة اقتصادية متكاملة.
42 شركة سعودية.. من الشركات الكبرى إلى منظومة الموردين
ربما يكون من أكثر الأرقام دلالة في «إعمار 2026» مشاركة 42 شركة سعودية في قطاعات البناء والتجهيزات والبنية التحتية.
ليس لأنها جميعًا وقعت عقودًا؛ وإنما لأن وجود هذا العدد يكشف انتقال الاهتمام من مستوى الحكومات والشركات الكبرى إلى قاعدة أوسع من القطاع الخاص.
فدخول الشركات الكبرى إلى المشروعات الخارجية يمكن أن يفتح الطريق أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة والموردين والمصانع وشركات الخدمات السعودية للدخول معها في سلاسل التوريد، وربما ضمن تحالفات تنفيذية واستثمارية عندما تتطلب المشروعات ذلك.
وهكذا تصبح الشركة الكبرى بوابة للسوق، لا المستفيد الوحيد منها.
وهذا تحديدًا ما يحتاج إليه الاقتصاد السعودي في مرحلته المقبلة: شركات لا تعتمد فقط على الطلب المحلي، وإنما تستطيع المنافسة خارجيًا وتأخذ معها منظومة من الموردين والخدمات والمنتجات السعودية.
التمويل وضمان الصادرات.. المحرك الخفي
لكن التوسع الخارجي لا يعتمد على جرأة المستثمر وحدها.
فالمشروعات العابرة للحدود تحتاج إلى التمويل والتأمين وإدارة المخاطر، وهنا تبرز أهمية الأدوات التي يمتلكها الاقتصاد السعودي، وفي مقدمتها بنك التصدير والاستيراد السعودي بما يوفره من حلول لتمويل وتأمين الصادرات ضد المخاطر التجارية والسياسية.
وإذا امتدت هذه الأدوات إلى الصفقات المؤهلة في السوق السورية وفق الأطر النظامية وسياسات المخاطر، فقد تساعد الشركات السعودية على توسيع صادراتها وتقليل مخاطر التوسع الخارجي.
فالمنتج السعودي قد يكون منافسًا من حيث الجودة والسعر، لكن دخول سوق جديدة يحتاج أحيانًا إلى ما هو أبعد من المنتج نفسه: تمويل للمصدر أو المستورد، وضمان للائتمان، وتأمين ضد بعض المخاطر، وقدرة على تقديم شروط تجارية تنافسية.
وبذلك تصبح منظومة التمويل والتأمين جزءًا من القوة التصديرية للاقتصاد.
لماذا يهم ذلك الاقتصاد السعودي؟
هنا ينبغي وضع الاستثمارات في سوريا داخل الصورة الأكبر للاقتصاد السعودي.
فأحد أهداف رؤية السعودية 2030 هو رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي إلى 65% بحلول 2030، بينما بلغت، وفق أحدث البيانات المتاحة، نحو 51% في 2025.
وهذا يعني أن الاقتصاد السعودي قطع شوطًا مهمًا، لكنه لا يزال أمامه مجال لزيادة دور الشركات الخاصة في النمو والاستثمار والتوظيف والتصدير.
ومن هنا تكتسب الأسواق الخارجية أهمية متزايدة.
فكلما توسعت الشركات السعودية إقليميًا، أصبحت إيراداتها أقل اعتمادًا على دورة الإنفاق الحكومي والمشروعات المحلية وحدها، وتحولت الخبرات التي بنتها في السعودية إلى أصول قادرة على توليد دخل من الخارج.
وهذه نقطة مهمة في مفهوم تنويع الاقتصاد؛ فالتنويع لا يعني فقط إيجاد قطاعات جديدة داخل السعودية، وإنما يعني أيضًا تنويع مصادر دخل شركاتها جغرافيًا.
من السوق المحلية إلى الشركة الإقليمية
خلال سنوات التحول الاقتصادي، راكمت الشركات السعودية خبرات كبيرة في الإنشاءات والاتصالات والمياه والطاقة والتطوير العقاري والنقل والخدمات اللوجستية والتقنية.
والمرحلة الطبيعية التالية لنضج جزء من هذه الشركات هي تحويل تلك الخبرة إلى منتج تصديري.
فشركة سعودية بنت الطرق داخل السعودية تستطيع المنافسة على طريق خارجها، وشركة اتصالات بنت شبكات رقمية متقدمة تستطيع تنفيذ بنية اتصالات إقليمية، وشركة مياه راكمت خبرة في التحلية والنقل تستطيع تقديمها لسوق يحتاج إليها، ومصنع يمتلك القدرة والجودة يستطيع فتح سوق تصديرية جديدة.
وهكذا تتحول الخبرة التي صنعتها دورة التنمية السعودية إلى صادرات خدمات ومنتجات واستثمارات وإيرادات خارجية.
ليس كل مال خارج الحدود مكسبًا
وفي المقابل، من الخطأ افتراض أن كل استثمار سعودي خارج الحدود يمثل مكسبًا تلقائيًا للاقتصاد السعودي.
فالأثر يعتمد على طبيعة المشروع وقدرته على توليد قيمة اقتصادية مستدامة.
هل تستخدم الشركة منتجات وخدمات سعودية؟ وهل يعود المشروع بأرباح مستدامة؟ وهل يفتح أسواقًا جديدة للصادرات؟ وهل يدخل المورد السعودي ضمن سلسلة التوريد؟ وهل توجد حماية قانونية واضحة للعقود والاستثمارات؟ وهل يمكن تحويل الأرباح والأموال بكفاءة؟ وهل تستطيع سلاسل الإمداد إيصال المنتجات السعودية بكلفة تنافسية مقارنة بالمنافسين الإقليميين؟
ثم السؤال الأهم:
هل العائد المتوقع يتناسب مع المخاطر؟
فسوريا، رغم حجم الفرص، تبقى سوقًا تحتاج إلى تقييم دقيق للمخاطر التنظيمية والتمويلية والسياسية والأمنية والتشغيلية.
والاستثمار الناجح لا يتجاهل المخاطر؛ بل يقيسها ويسعّرها ويديرها.
سوريا.. سوق أم بوابة لشرق المتوسط؟
وقد تكون أهمية سوريا أبعد من حجم اقتصادها المحلي.
فموقعها الجغرافي يربط الخليج ببلاد الشام وتركيا والبحر المتوسط، وإذا نجحت في إعادة بناء شبكات الطرق والسكك الحديدية والمنافذ والاتصالات، فقد تستعيد تدريجيًا جزءًا من دورها كممر للتجارة الإقليمية.
وعندها قد يمنح الوجود المبكر الشركات السعودية فرصة للتموضع الاستراتيجي، ليس فقط للاستفادة من السوق السورية، وإنما للاتصال مستقبلًا بشبكات التجارة والإنتاج في شرق المتوسط.
لكن ذلك يظل مرتبطًا بتطور البنية التحتية والاستقرار والبيئة التنظيمية والتجارية؛ ولذلك ينبغي النظر إليه كفرصة محتملة لا كنتيجة مضمونة.
المعيار الحقيقي.. ماذا يعود على السعودية؟
بعد عشرات الاتفاقيات والمشروعات، لا ينبغي أن يكون معيار النجاح فقط:
كم مشروعًا سعوديًا نُفذ في سوريا؟
بل: كم منتجًا سعوديًا دخل السوق؟ وكم عقدًا حصل عليه مورد أو مصنع سعودي؟ وكم بلغت الإيرادات والأرباح الخارجية التي ولّدتها هذه الاستثمارات للشركات والاقتصاد السعودي؟ وكم منشأة صغيرة ومتوسطة دخلت سلسلة التوريد خلف الشركات الكبرى؟ وكم شركة سعودية انتقلت من لاعب محلي إلى منافس إقليمي؟
هذه هي المؤشرات التي ستكشف لاحقًا ما إذا كانت السوق السورية مجرد وجهة لرأس المال، أم أصبحت امتدادًا خارجيًا لنمو القطاع الخاص السعودي.
من التوقيع إلى تدويل القطاع الخاص
ما نشاهده اليوم قد يكون بداية مرحلة مختلفة في مسيرة القطاع الخاص السعودي.
فـSilkLink يحمل الخبرة الرقمية السعودية إلى الخارج، والرواف تدخل سوق الطرق والبنية التحتية، وإسمنت الجوف تفتح قناة تصديرية مرتبطة بإعادة البناء، وإسمنت المنطقة الشمالية وصلت منتجاتها بالفعل إلى الصناعة السورية، فيما تختبر شركات عقارية وهندسية وموردون سعوديون سوقًا جديدة.
وهكذا تصبح قصة الاستثمارات السعودية في سوريا أكبر من إعادة بناء بلد يحتاج إلى بنية تحتية.
إنها أيضًا قصة قطاع خاص سعودي يحتاج في مرحلة نضجه التالية إلى أسواق جديدة.
فالاقتصاد السعودي الذي يستهدف رفع مساهمة القطاع الخاص إلى 65% لن يحقق ذلك عبر الاستهلاك والمشروعات الداخلية وحدها، وإنما كذلك عبر شركات سعودية تستطيع تحويل الخبرة التي اكتسبتها محليًا إلى منتجات وخدمات واستثمارات تنافس بها إقليميًا ودوليًا.
لقد بدأت السعودية وسوريا الانتقال من التوقيع إلى التنفيذ.
لكن الاختبار الحقيقي لن يكون فقط فيما يُبنى على الأرض السورية، بل فيما تصنعه تلك المشروعات من قيمة مضافة للشركات والصناعة والصادرات السعودية.
وحين يصبح الطريق الذي تبنيه شركة سعودية في الخارج سوقًا لمصنع سعودي، وشبكة الاتصالات استثمارًا يدر إيرادًا خارجيًا، والمشروع العقاري بوابة لعشرات الموردين، وتساند ذلك منظومة تمويل وتأمين قادرة على إدارة المخاطر؛ نكون أمام معادلة اقتصادية أوسع:
المساهمة في إعادة بناء الاقتصاد السوري، وفي الوقت نفسه توسيع أسواق القطاع الخاص السعودي وتعزيز قدرته على المنافسة خارج الحدود.



