طه المكاوي.. رحلة صحفي بدأ من الأدب الفرنسي ووصل إلى رحاب الصحافة المتنوعة

طه المكاوي.. رحلة صحفي بدأ من الأدب الفرنسي ووصل إلى رحاب الصحافة المتنوعة

 

ليست الصحافة مجرد مهنة يختارها الإنسان ثم يمضي في طريقها، وإنما قد تتحول مع مرور السنوات إلى أسلوب حياة، ووسيلة لاكتشاف العالم، ومساحة للتعبير عن الأفكار ومتابعة التحولات التي يشهدها المجتمع. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة تجربة الكاتب الصحفي طه المكاوي، الذي امتدت رحلته المهنية بين الصحافة والثقافة والترجمة والنقد الفني، وصولًا إلى الصحافة الرقمية والملفات الاقتصادية والاجتماعية والدولية.
وتتميز هذه التجربة بتعدد محطاتها، وبداية ارتبطت بالأدب الفرنسي واللغة والترجمة، قبل أن تتسع دائرة اهتماماته لتشمل مجالات صحفية وثقافية مختلفة.

من مدينة تلا إلى جامعة طنطا

بدأت الحكاية من مدينة تلا بمحافظة المنوفية، حيث تلقى طه المكاوي تعليمه قبل أن ينتقل إلى مرحلة الدراسة الجامعية.
وكان اختياره كلية الآداب بجامعة طنطا، قسم الأدب الفرنسي، محطة أساسية في تكوينه الثقافي والمهني.
فدراسة الأدب الفرنسي لم تمنحه فقط المعرفة باللغة الفرنسية وآدابها، وإنما فتحت أمامه نافذة على الثقافة الفرنسية والفكر الأوروبي، وهو ما انعكس لاحقًا على اهتمامه بالترجمة والعلاقات المصرية الفرنسية.
ومنذ هذه المرحلة بدأ يتشكل ارتباط واضح بين اللغة والثقافة والإعلام، وهو ارتباط ظل حاضرًا في مسيرته المهنية لسنوات طويلة.

الصحافة الفنية.. البداية من «السينما والناس»

جاءت من بين المحطات المبكرة في رحلته المهنية مجلة «السينما والناس»، التي كانت بوابة له إلى عالم الصحافة.
وكانت الصحافة الفنية في ذلك الوقت مساحة مهمة للتعرف إلى صناعة السينما والفنون والشخصيات الفنية، كما أتاحت له الاقتراب من عالم الكتابة الصحفية ومتابعة الحركة الفنية والثقافية.
ومن خلال هذه التجربة بدأ المكاوي في بناء أدواته الصحفية، وتعلم التعامل مع الخبر والموضوع والتحقيق والحوار، إلى جانب تطوير قدرته على الكتابة والتعبير.
ولم يكن اختياره للصحافة الفنية بعيدًا عن خلفيته الثقافية، إذ ظل الفن والثقافة جزءًا أساسيًا من اهتماماته الصحفية حتى مع انتقاله لاحقًا إلى مجالات أخرى.

الترجمة من الفرنسية إلى العربية

كانت اللغة الفرنسية واحدة من الأدوات الرئيسية في مسيرته.
فإلى جانب الصحافة، عمل طه المكاوي في الترجمة من الفرنسية إلى العربية، وهي تجربة أضافت إلى تكوينه المهني والثقافي بُعدًا مختلفًا.
فالترجمة بالنسبة إلى الصحفي ليست مجرد تحويل كلمات من لغة إلى أخرى، وإنما تتطلب فهمًا للسياق والثقافة والشخصية والظروف التي كُتب فيها النص.
وقد ارتبطت تجربته في هذا المجال بترجمة مواد وكتب تناولت شخصيات عالمية، من بينها بريجيت باردو والأميرة ديانا، ونُشرت بعض هذه الأعمال بصورة مسلسلة في مجلة «الصحة والجمال» التي كانت توزع مع مؤسسة الأهرام.
وهكذا التقت الصحافة بالترجمة في تجربة واحدة، وأصبح التعامل مع المصادر الفرنسية جزءًا من أدواته المهنية.

«سمير» و«طبيبك الخاص».. تنوع مبكر في المنابر

لم تتوقف تجربته عند مجلة واحدة.
فقد ارتبط اسمه أيضًا بالنشر في مجلة «سمير» للأطفال، وكذلك مجلة «طبيبك الخاص» التابعة لدار الهلال، إلى جانب منابر صحفية أخرى.
وتكشف هذه المحطات عن طبيعة مختلفة من الخبرة؛ فالكتابة لمجلات متخصصة وجماهيرية تتطلب قدرة على تغيير الأسلوب وفقًا لطبيعة القارئ.
فالكتابة للطفل تختلف عن الكتابة الثقافية، والموضوع الصحفي يختلف عن المادة المترجمة، وهو ما ساعد على توسيع أدواته الكتابية.

فرنسا.. الدراسة والاقتراب من الثقافة الأوروبية

وفي عام 2002، كانت له محطة مهمة في فرنسا من خلال الدراسة في جامعة روان.
وجاءت هذه التجربة امتدادًا طبيعيًا لاهتمامه باللغة والثقافة الفرنسية، ومنحت تجربته الشخصية والمهنية فرصة أوسع للتعرف إلى المجتمع الفرنسي والثقافة الأوروبية من الداخل.
كما ساهمت هذه المرحلة في تعميق اهتمامه بالعلاقات المصرية الفرنسية، وهو ملف ظل حاضرًا في كتاباته واهتماماته الصحفية.
فالعلاقة بين مصر وفرنسا ليست سياسية واقتصادية فقط، وإنما تمتد إلى الثقافة والتعليم والفنون والتبادل المعرفي، وهي مجالات قريبة بطبيعتها من خلفيته الصحفية والثقافية.

من الصحافة الورقية إلى الصحافة الرقمية

شهدت مسيرة طه المكاوي تحولًا مهمًا مع الانتقال التدريجي من الصحافة الورقية إلى الصحافة الإلكترونية.
فالصحافة الحديثة لم تعد تعتمد فقط على المجلات والجرائد، وإنما أصبحت المواقع الإخبارية والمنصات الرقمية جزءًا أساسيًا من المشهد الإعلامي.
وخلال السنوات الأخيرة ظهر اسمه في عدد من المنصات والمواقع الصحفية، من بينها اليوم الدولي، أخبار مصر 24، تريندات العالم، والميدان، إلى جانب منصات أخرى.
وأصبح حضوره الصحفي أكثر تنوعًا، فلم يعد مقتصرًا على الثقافة والفن، وإنما امتد إلى الاقتصاد والأعمال والمجتمع والتكنولوجيا والسياسة والعلاقات الدولية.

الميدان.. حضور صحفي مستمر

تمثل جريدة الميدان إحدى المحطات الحالية في مسيرته الصحفية.
ويواصل من خلالها تقديم موضوعات صحفية متنوعة، في وقت أصبحت فيه الصحافة مطالبة بمواكبة سرعة الأحداث وتغير اهتمامات الجمهور.
وتكشف طبيعة الموضوعات التي يتناولها عن محاولة الجمع بين الخبر والمتابعة والتحليل، مع الاهتمام بالفعاليات والمؤتمرات والملفات الاقتصادية والمجتمعية والدولية.

الصحافة الاقتصادية.. قراءة في عالم الاستثمار والأسواق

شهدت كتاباته في السنوات الأخيرة حضورًا متزايدًا للملفات الاقتصادية.
فقد تابع موضوعات مرتبطة بالاستثمار والبورصة المصرية والشركات وريادة الأعمال والتكنولوجيا، إلى جانب قضايا التنمية والتعاون الاقتصادي.
وتحتاج الصحافة الاقتصادية إلى أدوات خاصة، لأن الأرقام والمؤشرات لا تكفي وحدها لتقديم قصة صحفية ناجحة، وإنما يجب وضعها في سياقها وتفسير انعكاساتها على الاقتصاد والمجتمع.
ومن هنا أصبح الملف الاقتصادي أحد المجالات التي تحرك فيها قلمه إلى جانب اهتماماته التقليدية بالفن والثقافة والمجتمع.

المرأة والأسرة وقضايا المجتمع

تحتل القضايا الاجتماعية مساحة أخرى في كتاباته.
ومن بين الملفات التي تابعها قضايا المرأة والأسرة والتمكين والحقوق والتشريعات، إلى جانب أنشطة مؤسسات المجتمع المدني والمبادرات التي تستهدف رفع الوعي.
ويعكس هذا الاتجاه اهتمامًا بالصحافة التي تقترب من حياة المواطن اليومية، ولا تكتفي بالموضوعات السياسية والاقتصادية الكبرى.
فالصحافة الاجتماعية تطرح أسئلة تتعلق بالأسرة والتعليم والمرأة والقانون والوعي، وهي ملفات ترتبط بشكل مباشر بمستقبل المجتمع.

الفن.. علاقة لم تنقطع

رغم انتقاله إلى ملفات اقتصادية واجتماعية ودولية، لم تنقطع علاقة طه المكاوي بالفن.
فالبداية من «السينما والناس»، ثم تصنيفه ككاتب صحفي ومترجم وناقد فني، جعلت المجال الفني حاضرًا في تجربته.
وتتواصل هذه العلاقة من خلال متابعة أخبار الفنانين والمهرجانات والأعمال الفنية والفعاليات الثقافية، والكتابة عن الشخصيات الفنية بأسلوب صحفي يركز على الحدث والحضور والتجربة.
وهذا التنوع بين الصحافة الفنية والصحافة العامة يمنحه مساحة واسعة للتعامل مع أنماط مختلفة من الموضوعات.

العلاقات المصرية الفرنسية.. اهتمام خاص

تمثل العلاقات المصرية الفرنسية أحد الملفات التي تحظى باهتمام خاص لدى طه المكاوي.
ويرتبط هذا الاهتمام بخلفيته الأكاديمية في الأدب الفرنسي، ودراسته في فرنسا، وتجربته في الترجمة من الفرنسية إلى العربية.
وقد انعكس ذلك في اهتمامه بمتابعة العلاقات بين البلدين، والفعاليات الثقافية والدبلوماسية، والتعاون في المجالات المختلفة.
والعلاقات المصرية الفرنسية تحمل تاريخًا طويلًا من التفاعل الثقافي والسياسي والاقتصادي، ولذلك فإن متابعة هذا الملف من زاوية صحفية وثقافية تتيح قراءة جوانب متعددة من العلاقة بين القاهرة وباريس.

عضوية نقابة الصحفيين

وتأتي عضوية نقابة الصحفيين المصريين باعتبارها محطة مهنية مهمة في مسيرته.
فالنقابة تمثل الإطار المهني الذي يجمع الصحفيين المصريين، وتبقى العضوية فيها جزءًا من الهوية المهنية للصحفي وممارسته للمهنة.
وبالنسبة إلى المكاوي، تأتي هذه العضوية ضمن مسار طويل بدأ بالعمل في الصحافة الفنية والثقافية، ثم امتد إلى الترجمة والصحافة العامة والصحافة الرقمية.

صحفي بين أجيال مختلفة

ربما يكون من أهم ما يميز تجربة طه المكاوي أنه عاصر أكثر من مرحلة في تاريخ الصحافة.
فقد عرف زمن المجلات الورقية، وعمل في الصحافة الفنية والثقافية، وخاض تجربة الترجمة، ثم انتقل إلى الصحافة الإلكترونية التي أصبحت اليوم الوسيلة الأكثر سرعة وانتشارًا.
وهذا الانتقال لم يكن سهلًا؛ فلكل مرحلة أدواتها.
الصحافة الورقية تحتاج إلى بناء الموضوع والتحقيق والتدقيق، بينما تفرض الصحافة الرقمية سرعة أكبر في التعامل مع الأحداث، فضلًا عن أهمية العنوان والصورة والكلمات المفتاحية والتفاعل مع الجمهور.
ومع ذلك تظل القاعدة الأساسية ثابتة: الصحافة الجيدة تبدأ بالمعلومة الدقيقة وتنتهي بصياغة واضحة ومسؤولة.

الكاتب الصحفي أمام عصر جديد

تأتي تجربة المكاوي اليوم في وقت تشهد فيه مهنة الصحافة تغيرات كبيرة بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي.
وأصبح الصحفي أمام تحدٍ مزدوج: المحافظة على القواعد المهنية التقليدية، وفي الوقت نفسه تطوير أدواته بما يتناسب مع العصر.
وهنا تظهر قيمة الخبرة المتراكمة؛ فالصحفي الذي عاش مراحل مختلفة من المهنة يستطيع أن يرى التحول لا باعتباره تهديدًا فقط، وإنما فرصة لتطوير طريقة تقديم المحتوى والوصول إلى القارئ.

مسيرة عنوانها التنوع

إذا أردنا تلخيص رحلة طه المكاوي في كلمات قليلة، فإن التنوع والاستمرارية هما أبرز عنوانين لها.
من تلا إلى جامعة طنطا، ومن دراسة الأدب الفرنسي إلى الصحافة، ومن «السينما والناس» إلى الترجمة، ومن مجلة «سمير» و«طبيبك الخاص» إلى الصحافة الرقمية، ومن فرنسا وجامعة روان إلى الاهتمام بالعلاقات المصرية الفرنسية، ثم إلى الملفات الاقتصادية والاجتماعية والفنية والدولية؛ تتشكل أمامنا رحلة مهنية متعددة المحطات.
وهي رحلة تكشف أن الصحافة بالنسبة إليه لم تكن مجالًا واحدًا مغلقًا، وإنما مساحة مفتوحة للمعرفة والتجربة.

الكلمة التي تعبر الزمن

بعد سنوات من العمل الصحفي، تظل الكلمة هي العنصر الأكثر ثباتًا في تجربة طه المكاوي.
تتغير الوسيلة، ويتغير شكل الصحيفة، ويتغير سلوك القارئ، لكن الحاجة إلى الصحفي الذي يبحث عن الحقيقة ويقدم المعلومة بصورة مهنية تظل قائمة.
ومن هنا تبدو أهمية التجارب الصحفية التي استطاعت أن تعبر من عصر المجلات الورقية إلى عصر المواقع والمنصات الرقمية دون أن تفقد صلتها بالثقافة والقراءة واللغة.
طه المكاوي هو صحفي حمل معه من الأدب الفرنسي حب اللغة والثقافة، ومن الترجمة دقة التعامل مع النص، ومن الصحافة الفنية شغف الصورة والشخصية والحدث، ومن الصحافة الحديثة القدرة على مواكبة الملفات الجديدة.
وفي النهاية، تبقى الصحافة رحلة لا تنتهي، لأن كل يوم يحمل خبرًا جديدًا، وكل حدث يفتح بابًا جديدًا للبحث، وكل قارئ ينتظر كلمة تضيف إليه شيئًا.
وهكذا تستمر مسيرة طه المكاوي، من صفحات المجلات إلى شاشات المواقع الإلكترونية، ومن الترجمة والثقافة إلى الاقتصاد والفن والمجتمع والعلاقات الدولية، محافظًا على جوهر واحد: الإيمان بأن الكلمة المهنية تستطيع أن تصنع أثرًا، وأن الصحفي الحقيقي يظل تلميذًا دائمًا أمام عالم لا يتوقف عن التغير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى