تحليل الدوائر الإستخباراتية فى الصين لحادث الركاب الإسرائيليين على متن شركة فلاى دبى الإماراتية

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
وقع حادث رحلة طائرة فلاى دبى (FZ1073) المنطلقة من دبى لتل أبيب فى أواخر شهر سبتمبر ٢٠٢٦، نتيجة مشادة داخل قمرة القيادة بين الطيار ومساعده، أدت لهبوط إضطرارى فى مطار تبوك بالسعودية، وأرسلت الطائرة إشارة الطوارئ (٧٧٠٠) ثم لفترة قصيرة إشارة التدخل غير المشروع (٧٥٠٠) فى إشارة لتعرض الطائرة بركابها الإسرائيليين للخطر. وفى نهاية المطاف هبطت الطائرة بسلام فى مطار تبوك بالسعودية وتعاملت الجهات المختصة السعودية مع الموقف وفق بروتوكولات الطيران المدنى الدولى المتعارف عليها دولياً. مع وجود تحليلات إستخباراتية صينية خاصة بشأن التكهن بوجود لعبة إسرائيلية لتوسيع دائرة ونطاق الإتفاقيات الإبراهيمية لتشمل السعودية التى رفضت هبوط طائرات تابعة لشركة العال الإسرائيلية على أراضيها لنقل الركاب الإسرائيليين من السعودية بحجة عدم وجود علاقات مع إسرائيل، وبالتالى رفض الرياض طلبات إسرائيل لإرسال طائرات إجلاء عسكرية أو تجارية، وأمنت نقل الركاب الإسرائيليين بطائرة بديلة تابعة للشركة الناقلة نفسها. الأمر الذى يعنى عدم السماح بهبوط طائرات إسرائيلية على الأراضى والمطارات السعودية. وهو الأمر الذى ركزت عليه واشنطن وتل أبيب بشأن حتمية التحكم فى أمن حركة الملاحة الجوية فى الخليج والمنطقة بدعوى الحفاظ على سلامة الركاب والمسافرين الإسرائيليين.
وحللت الدوائر الإستخباراتية والإستراتيجية والأمنية والسياسية المعنية فى الصين بإستفاضة هذا الحدث الخاص بهبوط طائرة الركاب الإسرائيليين فى مطار تبوك بالسعودية، بالنظر لتداعيات هذا الحدث على مستقبل العلاقات الجوية بين إسرائيل وبلدان المنطقة والخليج، وما قد يترتب عليه من إستغلال هذا الحدث إسرائيلياً وأمريكياً لإجبار والتفاوض مع كافة بلدان المنطقة بأن تخضع لإتفاقيات موسعة تخص السلامة الجوية والملاحية بدعوى الحفاظ على سلامة الركاب والمسافرين الإسرائيليين، وهو ما يدخل لاحقاً تحت نطاق توسيع دائرة الإتفاقيات الإبراهيمية كى تشمل الجميع، من باب حماية أمن المواطنين والركاب والمسافرين الإسرائيليين. خاصةً بعد أن أثار الحادث إستنفاراً سياسياً وأمنياً فى إسرائيل، مع تدارس رئيس الوزراء الإسرائيلى “بنيامين نتنياهو” الموقف وسط مخاوف محتملة من عمل عدائى قبل إتضاح حقيقة الشجار الداخلى على متن الطائرة.
وهنا، حاولت بعض الدوائر الإستراتيجية والإستخباراتية والتحليلية الصينية ربط التعامل الإنسانى السريع للأطقم السعودية مع الركاب الإسرائيليين بمسار تطبيعى محتمل يدخل ضمن دائرة إحتمالية توسيع نطاق الإتفاقيات الإبراهيمية لتشمل الرياض، لكن المصادر الرسمية السعودية أكدت أن ما جرى هو تطبيق بحت لقواعد السلامة الجوية الدولية والبروتوكولات الإنسانية للطيران المدنى دون وجود أبعاد سياسية مسبقة. وفى هذا السياق، تسعى القراءة التحليلية والإستخباراتية الصينية دائماً إلى تفكيك الأحداث الإقليمية العابرة وربطها بالتحولات الجيوسياسية الكبرى فى منطقة الشرق الأوسط. وفيما يتعلق بحادثة الهبوط الإضطرارى لطائرة “فلاى دبى” المتجهة إلى تل أبيب فى مطار تبوك بالمملكة العربية السعودية، فإن بعض الدوائر الصينية وضعت هذا التعامل الإنسانى السعودى السريع مع حادث طائرة الركاب الإسرائيليين، تحت مجهر “الدبلوماسية الهادئة” وإعتبرته مؤشراً محتملاً على قابلية توسيع نطاق الإتفاقيات الإبراهيمية لتشمل السعودية فى القريب. ويمكن تلخيص أبعاد هذا التحليل والربط الإستراتيجى من المنظور الصينى فى النقاط التالية:
١) إختبار واقعى لجهوزية التنسيق غير المباشر بين الرياض وتل أبيب: ترى مراكز الفكر الصينية أن مثل هذه الأحداث الطارئة تُعد بمثابة “إختبار حى” لقدرة الدول على إدارة مواقف حرجة تشمل رعايا إسرائيليين دون حدوث أزمات دبلوماسية. فالسماح السريع بالهبوط وتقديم الرعاية اللوجستية والإنسانية اللازمة يعكس برأيهم وجود قنوات تفاهم ضمنية أو إلتزاماً صارماً بأمن الطيران المدنى الدولى بما يتجاوز الخلافات السياسية الرسمية.
٢) تفكيك الرسائل السياسية المبطنة: تنظر الأوساط الإستخباراتية والتحليلية فى بكين إلى هذا التعامل الإنسانى السعودى المرن، كإشارة مرسلة إلى واشنطن والمجتمع الدولى بأن الرياض قادرة على لعب دور شريك إقليمى موثوق ومستقر. وتعتبر هذه الدوائر أن توظيف البُعد الإنسانى للأزمة يمنح مناورة سياسية لتخفيف حدة التحفظات الشعبية، ويمهد الأرضية تدريجياً لتقبل فكرة التعامل المباشر مستقبلاً مع إسرائيل، حتى وإن كان في إطار إنسانى أو فنى بحت.
٣) البحث عن مؤشرات الإنضمام للاتفاقيات الإبراهيمية: تحاول القراءات الصينية ربط هذا السلوك السعودى بالضغوط أو المساعى الأمريكية والإسرائيلية المستمرة لدمج السعودية فى منظومة الأمن الإقليمى التى تدعمها الولايات المتحدة. وترى تلك الدوائر الصينية أن إنتقال العلاقات السعودية الإسرائيلية من السرية الدبلوماسية أو التنسيق الأمنى المحدود إلى العلن عبر حوادث طيران مدنى ملموسة، قد يمثل الخطوات التمهيدية التراكمية لتوسيع الإتفاقيات الإبراهيمية لتشمل الرياض فى المدى المنظور، شريطة تحقق المطالب السعودية الإستراتيجية.
٤) التوازن الصينى والدبلوماسية الإقليمية: يعكس الإهتمام الصينى المكثف بهذه الحادثة رغبة بكين فى مراقبة النفوذ الأمريكى المتنامى من خلال ملف التطبيع، فالصين التى وسعت نفوذها الدبلوماسى في المنطقة، مثل (رعايتها للمصالحة السعودية الإيرانية) تخشى من أن يؤدى أى تقدم متسارع فى مسار التطبيع الإسرائيلى-السعودى إلى إعادة صياغة التحالفات الإقليمية بما يخدم الهيمنة الأمنية الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط.
وبناءً عليه، فرغم هذه التحليلات الصينية بشأن الربط بين حادث الطائرة والتعامل الإنسانى السعودى مع الركاب الإسرائيليين على متن طائرة شركة فلاى دبى الإماراتية، يبقى الموقف السعودى الرسمى معلناً وحازماً حتى هذه اللحظة، حيث تؤكد الرياض بإستمرار أن أى مسار رسمى للتطبيع أو الإنضمام إلى تفاهمات إقليمية أوسع يظل مشروطاً بشكل أساسى بإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام ١٩٦٧، معتبرة أن التعامل مع حالات الطوارئ الجوية هو واجب إنسانى وقانونى دولى لا يحمل دلالات سياسية بالضرورة.



