الاعلامية صفاء مهنا تكتب: كونترول المزاج ومرجعية الرأي.

 

أحيانًا يكفي أن يستيقظ أحدهم غاضبًا من قضية ما حتى تتحول خلال ساعات إلى موضوع يشغل آلاف التعليقات والمنشورات، فتنتقل عدوى المزاج إلى المتابعين قبل أن تنتقل إليهم الفكرة نفسها.

جمهور يفضل المحتوى الانفعالي، ومنصات تكافئ هذا النوع من المحتوى. فالغضب يجذب التفاعل، والسخرية تحصد المشاركات، والآراء الحادة تنتشر أسرع من النقاشات المتوازنة. هكذا يصبح المزاج الشخصي مادة مؤثرة في تشكيل النقاش العام، ويتحول الانفعال الفردي إلى رأي جماعي يتداوله الآلاف وربما الملايين. والمتابعة القائمة على الإعجاب بالشخص أكثر من تقييم الفكرة تجعل الرأي العام أكثر قابلية للتقلب. حينها يصبح تغيير قناعات الجمهور مرتبطًا بتغير مزاج المؤثر لا بتغير الوقائع والمعطيات. فالكلمة في الفضاء الرقمي لم تعد مجرد تعبير فردي، بل عنصرًا فاعلًا في صناعة المواقف والاتجاهات.

لم يعد الرأي العام يتشكل بالوتيرة التي كان يعرفها في السابق، حين كانت الأفكار تحتاج إلى وقت كي تُناقش وتُختبر وتُقارن بغيرها. اليوم، يكفي منشور واحد أو مقطع قصير حتى تبدأ موجة واسعة من التأييد أو الرفض. سرعة الانتشار لم تمنح الأفكار فرصة أكبر للحياة فحسب، بل منحت المشاعر أيضًا قدرة غير مسبوقة على قيادة النقاش العام.

في الفضاء الرقمي، لا تنتقل المعلومات وحدها، بل تنتقل معها نبرة الغضب والسخرية والخوف والحماس. وما إن ينجح مؤثر في إثارة شعور معين حتى تبدأ دوائر التفاعل بالاتساع، فيتحول الإحساس الفردي إلى مزاج جماعي. ومع كل مشاركة وتعليق وإعادة نشر، تكتسب الحالة العاطفية زخمًا أكبر من الفكرة نفسها، إلى أن يصبح النقاش حول المشاعر التي أثارها المحتوى أكثر من النقاش حول مضمونه.

ولأن خوارزميات المنصات صُممت لزيادة التفاعل، فهي تدفع بالمحتوى الأكثر إثارة إلى الواجهة. لا لأنها تميّز بين الصواب والخطأ، بل لأنها تميّز بين ما يلفت الانتباه وما يمر بهدوء. وهكذا تصبح الإثارة مكافأة رقمية، ويصبح الانفعال طريقًا مختصرًا للوصول إلى الجمهور.

ومع مرور الوقت، ينشأ نوع جديد من التأثير لا يقوم على قوة الحجة بقدر ما يقوم على قوة الحضور. فكلما ازداد ارتباط الجمهور بالشخص، تراجع اهتمامه بتمحيص الأفكار التي يطرحها. عندها لا يتابع الناس ما يُقال فقط، بل يتبنون طريقة الشعور تجاه ما يُقال. فيغضبون حين يغضب، ويسخرون حين يسخرون، ويبدلون مواقفهم تبعًا لتبدل مزاجه.

هذا التحول يجعل الرأي العام أكثر هشاشة وأسرع تقلبًا. فالقضايا لم تعد تُقاس دائمًا بأهميتها الفعلية، بل بحجم الضجة التي تثيرها. وقد تتحول قضية هامشية إلى حديث الناس لأيام، بينما تمر قضايا أكثر تأثيرًا بصمت لأنها لم تحظَ بالشحنة العاطفية الكافية لجذب الخوارزميات والجمهور معًا.

وحين يصبح المزاج مرجعًا للرأي، تتراجع أهمية الوقائع لصالح الانطباعات، وتفسح العقلانية المجال أمام ردود الفعل السريعة. عندها لا يعود السؤال: ما الذي حدث فعلًا؟ بل: كيف نشعر تجاه ما حدث؟ وهنا يكمن جوهر التحول الذي تعيشه صناعة الرأي في العصر الرقمي.

المشكلة أن المزاج بطبيعته متقلب، بينما تحتاج القضايا العامة إلى قدر من الثبات والعقلانية. وعندما تتصدر المشاعر المشهد، يصبح من السهل تضخيم أحداث صغيرة أو تجاهل قضايا أكثر أهمية، فقط لأن الأولى نجحت في إثارة الانفعال بينما فشلت الثانية في ذلك.

في عصر التحول الرقمي، لم تعد المعركة على المعلومة فقط، بل على المشاعر التي ترافقها. ولهذا لم يعد السؤال الأهم ماذا نفكر، بل كيف تم دفعنا إلى التفكير بهذه الطريقة. فبين الخوارزميات التي تكافئ الإثارة، والمؤثرين الذين يصنعون المزاج، والجمهور الذي يتفاعل معه، تتشكل يوميًا خرائط جديدة للرأي العام، قد تقودها المشاعر أكثر مما تقودها الحقائق.

صفاء مهنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى