د. شيرين العدوى تكتب : إنسانية الرئيس

إلى الرحاب النبوى، بين أروقة الذكر، وأجنحة الملائكة، وبين نور العلم، وإنسانية الجبر. فى لحظة فارقة تشهدها منطقة الشرق الأوسط؛ يبرز السؤال الجوهرى حول كيفية استغلال الدول رموزها الثقافية والدينية لتعزيز الاستقرار والتنمية وتماسك مجتمعاتها. وتحويلها إلى منصات استراتيجية تبعث برسائل فكرية واجتماعية ذات أبعاد محلية ودولية. تتجلى هذه الفلسفة فى اختيار العاصمة الجديدة كخلفية لفاعليات ذات بعد روحى وثقافى كاحتفالية وزارة الأوقاف بالمولد النبوى الشريف يوم الأربعاء الماضى. وأنه اختيار يعكس وطنية وعبقرية وزير الأوقاف؛ حيث تقاطعت رمزية المكان المتحول من صحراء قاحلة إلى مركز حضارى ومؤسسى مع مفهوم الإعمار باعتباره مسئولية أخلاقية وإنسانية. هذا الربط بين الإعمار الفعلى للبنية التحتية وبين بناء الإنسان يمثل جوهر النموذج التنموى الذى تسعى مصر لترسيخه تماشيا مع أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم: « من أحيا أرضًا ميتةَ فله فيها أجرٌ، وما أكلتْ العوافى منها فهوَ له صدقةٌ».
قراءة الدلالات السياسية والاجتماعية لإنسانية فخامة الرئيس السيسى ابن مصر البار فى هذا الاحتفال؛ تكشف عدة أركان رئيسية، تجلت فى التمثل بأخلاق النبى فى يوم مولده، وقد كانت جلية لكل ذى عينين وهى : الإعمار الذى هو سنة الله فى خلقه، فالعاصمة مشروع قومى كبير لمصر وشعبها. وهكذا يرحل البشر ويبقى الأثر، وقد أنقذ الرئيس مصر من البوار بهذا المشروع. ثم رأينا كيف جبر الخواطر، وخفض جناح الذل من الرحمة، وهذا الخلق من مروءة الحاكم. فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. وقد وزع الرئيس اهتمامه ورعايته بين هذه النماذج المختارة من المجتمع؛ ليبعث رسالة أنه راع لكل الناس.
لقد قدمت مصر من خلال هذه الاحتفالية بديلا علميا ملموسا للخطابات الراديكالية التى حاولت اختطاف الدين لعقود، فالعمل والإنتاج يمثلان الركيزة الأساسية فى معركة الوعى، بتجديد الخطاب الفكرى. مع توسيع مفهوم العدالة الاجتماعية والدمج الشامل لجميع فئات المجتمع من أطفال وشيوخ وشباب.وإبراز دور ذوى الهمم، ودعم حقوق المرأة والأمهات المكافحات، وتكريم العلماء والمبدعين، والسؤال عن المرضى ودعمهم ليعكس رؤية شمولية ترى فى «الإنسان» حجر الزاوية لأى نهضة اقتصادية أو سياسية. كما أن استخدام الإعلام والفنون كأدوات لبناء التماسك القومى لهو إعادة لبناء السردية الوطنية، التى تعتنى بنشر قيم التضامن الإنسانى، والدعم النفسى والمجتمعى لمحاربى الأمراض الشرسة، والمرضى، وكذلك للمجاهدين الأصحاء وإعلاء قيمة السعى مهما كان؛ وهذا يكرس لمفهوم السياسة ذات الوجه الإنسانى، كل هذه المفردات هى الدعائم التى تضمن وحدة المجتمعات أمام التحديات الاقتصادية. فالاستقرار الداخلى ركيزة الأمن الإقليمى فى ظل الاضطرابات الجيوسياسية الممتدة فى المنطقة. وهو شرط أساسى للأمن الدولى. ورسائل الرئيس خلال خطابه أكدت التزام الدولة بتخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل المواطنين فى الفترة المقبلة، وحماية مقدرات الأفراد من المتلاعبين بآمالهم وطموحاتهم؛محملا نفسه المسئولية التامة كعادة الأبطال متعهدا أمام الجميع باستدامة النمو وإكمال الطريق، مع التشديد بضرورة تحلى الأفراد بالوعى الكافى لحماية أنفسهم، وقيام الإعلام بدوره حيال ذلك.
إن تجربة مصر التى ظهرت جلية فى الدمج بين التنمية المادية، من خلال الإعمار ومشروعات البنية التحتية، وبين التنمية الإنسانية من خلال رعاية العلم والفنون، والعدالة الاجتماعية؛ قدمت نموذجا للصحوة الوطنية فى العالم العربى، إنها رسالة مُفَادُها أن قوة الدول لا تقاس بقدراتها العسكرية والاقتصادية فقط؛ بل بقدرتها على صناعة الأمل، وإعلاء قيمة الإنسان، وتحويل المفاهيم الأخلاقية إلى واقع ملموس يحقق الاستقرار والازدهار.
المصدر : مؤسسة الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى