تقرير أممي صادم: أعلى معدل انتهاكات ضد الأطفال في تاريخ النزاعات المسلحة.. وإسرائيل تتصدر القائمة السوداء

تقرير أممي صادم: أعلى معدل انتهاكات ضد الأطفال في تاريخ النزاعات المسلحة.. وإسرائيل تتصدر القائمة السوداء
✍️ بقلم: طه المكاوي
لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على خطوط المواجهة العسكرية أو ساحات القتال التقليدية، بل أصبحت تدفع بالأطفال إلى قلب المأساة الإنسانية، ليكونوا الضحايا الأكثر هشاشة والأعلى كلفة في صراعات تتجاوز حدود السياسة والجغرافيا. وبينما تتزايد الدعوات الدولية لحماية المدنيين، كشفت الأمم المتحدة في أحدث تقاريرها السنوية بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة عن واقع وصفه مسؤولون أمميون بأنه “الأكثر سوداوية منذ ثلاثة عقود”، بعد تسجيل أعلى معدلات الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال منذ بدء عمليات الرصد والتوثيق الدولية.
التقرير الأممي الذي أثار صدمة واسعة داخل الأوساط الحقوقية والإنسانية لم يكتف بعرض الأرقام والإحصاءات، بل قدم صورة قاتمة عن الانهيار المتواصل لمنظومة الحماية الدولية للأطفال في مناطق النزاعات، مؤكداً أن عام 2025 شهد مستويات غير مسبوقة من القتل والتشويه والتجنيد القسري والعنف الجنسي وحرمان الأطفال من المساعدات الإنسانية والتعليم والرعاية الصحية.
وفي قلب هذه الأزمة الإنسانية المتفاقمة، برزت الأراضي الفلسطينية المحتلة، وخاصة قطاع غزة، باعتبارها واحدة من أكثر المناطق التي شهدت انتهاكات واسعة النطاق ضد الأطفال، حيث احتلت إسرائيل المرتبة الأولى عالمياً في عدد الانتهاكات الجسيمة المسجلة بحق الأطفال خلال العام الماضي وفق ما وثقته الأمم المتحدة.
أرقام غير مسبوقة تكشف حجم الكارثة
بحسب التقرير الأممي، تجاوز عدد الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال في مناطق النزاع حول العالم 38 ألف انتهاك خلال عام 2025، وهو الرقم الأعلى منذ إنشاء آلية الرصد الدولية الخاصة بالأطفال والنزاعات المسلحة قبل نحو ثلاثين عاماً.
وتشمل هذه الانتهاكات ست فئات رئيسية تعتبرها الأمم المتحدة الأخطر على الأطفال، وهي القتل والتشويه، وتجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات، والعنف الجنسي، واختطاف الأطفال، والهجمات على المدارس والمستشفيات، وحرمان الأطفال من المساعدات الإنسانية.
وتكشف هذه الأرقام أن الأطفال باتوا يدفعون الثمن الأكبر للنزاعات المسلحة في مختلف أنحاء العالم، حيث أصبحت مناطق الصراع بيئات طاردة للحياة الطبيعية، ومسرحاً يومياً لانتهاكات تمس أبسط حقوق الطفولة.
ويشير التقرير إلى أن نسبة كبيرة من هذه الانتهاكات ارتكبتها قوات حكومية وجيوش نظامية، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى التزام الدول بالقانون الدولي الإنساني واتفاقيات حماية الطفل.
إسرائيل تتصدر قائمة الانتهاكات
في واحدة من أكثر النتائج إثارة للانتباه، وثقت الأمم المتحدة ارتكاب 12 ألفاً و445 انتهاكاً جسيماً ضد الأطفال الفلسطينيين خلال عام 2025 في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.
وتشير البيانات إلى أن هذه الانتهاكات طالت أكثر من خمسة آلاف طفل فلسطيني بشكل مباشر، في حين ما زالت الأمم المتحدة تتحقق من آلاف الحالات الأخرى التي يُعتقد أنها وقعت خلال الفترة نفسها.
ويمثل هذا الرقم وحده ما يقارب ثلث إجمالي الانتهاكات المسجلة عالمياً، ما جعل إسرائيل تتصدر قائمة الجهات المسؤولة عن الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال خلال العام.
وبناءً على هذه المعطيات، أبقت الأمم المتحدة قوات الأمن الإسرائيلية ضمن القائمة المعروفة إعلامياً باسم “قائمة العار” للعام الثاني على التوالي، وهي القائمة التي تضم الأطراف المتورطة في ارتكاب انتهاكات خطيرة بحق الأطفال أثناء النزاعات المسلحة.
ويرى مراقبون أن استمرار إدراج إسرائيل في هذه القائمة يعكس حجم المخاوف الدولية من تصاعد الخسائر البشرية في صفوف الأطفال الفلسطينيين، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية واسعة النطاق وما يصاحبها من آثار إنسانية كارثية.
غزة.. الطفولة تحت النار
يحتل قطاع غزة موقعاً محورياً في التقرير الأممي، باعتباره أحد أكثر المناطق تضرراً من النزاع خلال العامين الأخيرين.
فالصور القادمة من القطاع، والتي وثقتها منظمات دولية ووسائل إعلام متعددة، أظهرت حجم الدمار الذي طال الأحياء السكنية والمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء.
ويشير التقرير إلى أن آلاف الأطفال تعرضوا للقتل أو الإصابة أو فقدان أفراد من أسرهم، فيما يعيش مئات الآلاف منهم أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة نتيجة النزوح المتكرر وانهيار الخدمات الأساسية.
كما تواجه الأسر الفلسطينية تحديات متزايدة في توفير الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية والتعليم لأطفالها، وهو ما يهدد جيلاً كاملاً بتداعيات طويلة الأمد تتجاوز الخسائر المباشرة للنزاع.
ويؤكد خبراء الطفولة أن آثار الحروب على الأطفال لا تتوقف عند الإصابات الجسدية، بل تمتد إلى الصدمات النفسية واضطرابات ما بعد الصدمة والانقطاع عن التعليم وفقدان الشعور بالأمان والاستقرار.
الفجوة في أعداد الضحايا
يكشف التقرير والبيانات المرتبطة به عن تفاوت كبير في حجم الخسائر البشرية بين الفلسطينيين والإسرائيليين عبر السنوات الماضية.
ففي عام 2014 سجلت الإحصاءات نحو 19 ألفاً و860 ضحية فلسطينية مقابل 2796 من الجانب الإسرائيلي.
أما في عام 2018 فقد ارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين إلى أكثر من 31 ألفاً و500 ضحية، مقابل 130 فقط من الجانب الإسرائيلي.
ويرى محللون أن هذه الأرقام تعكس طبيعة الأزمة الممتدة منذ سنوات، والتي أدت إلى تراكم خسائر بشرية هائلة في الجانب الفلسطيني، خاصة بين المدنيين والأطفال.
ويؤكد مختصون في القانون الدولي أن استمرار هذا النمط من الخسائر يفرض ضرورة إجراء مراجعة شاملة لآليات الحماية الدولية المعمول بها حالياً، ومدى فعاليتها في حماية السكان المدنيين.
الأمم المتحدة تحذر من انهيار منظومة الحماية
أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق في التقرير يتمثل في التحذيرات الصريحة من تراجع قدرة المجتمع الدولي على حماية الأطفال في مناطق النزاع.
فالأمم المتحدة أشارت إلى أن الانتهاكات لا تزداد فقط من حيث العدد، بل من حيث القسوة والاتساع الجغرافي أيضاً.
كما لفت التقرير إلى أن العديد من مناطق النزاع أصبحت تشهد تراجعاً في وصول المساعدات الإنسانية، وهو ما يزيد من معاناة الأطفال ويعرض حياتهم للخطر.
وترى المنظمات الإنسانية أن غياب المحاسبة الدولية في بعض الحالات يشجع على استمرار الانتهاكات ويضعف الثقة في منظومة القانون الدولي الإنساني.
“الصمت الدولي” تحت المجهر
وخلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، وجهت المسؤولة الأممية فانيسا فريزر انتقادات حادة للمجتمع الدولي، معتبرة أن استمرار الانتهاكات بحق الأطفال لم يعد مرتبطاً بنقص المعلومات أو الأدلة.
وأكدت أن العالم يمتلك اليوم من وسائل الرصد والتوثيق ما يكفي لإثبات حجم الجرائم والانتهاكات، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الإرادة السياسية لاتخاذ إجراءات فعالة لوقفها.
وأضافت أن استمرار الصمت تجاه الجرائم المرتكبة بحق الأطفال بات يُنظر إليه على أنه خيار سياسي أكثر منه عجزاً عن المعرفة أو التوثيق.
وقد أثارت هذه التصريحات نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الدبلوماسية والحقوقية حول مسؤولية المجتمع الدولي في حماية المدنيين، وخاصة الأطفال، أثناء النزاعات المسلحة.
الأسلحة المتفجرة.. القاتل الأول للأطفال
يشير التقرير إلى أن الأسلحة المتفجرة والغارات الجوية كانت السبب الرئيسي وراء معظم حالات القتل والإصابة بين الأطفال.
فما يقرب من 70% من الضحايا الأطفال سقطوا نتيجة استخدام أسلحة ذات تأثير واسع النطاق داخل المناطق المأهولة بالسكان.
وتشمل هذه الأسلحة القنابل الجوية والصواريخ والمدفعية الثقيلة والذخائر المتفجرة الأخرى التي غالباً ما تؤدي إلى خسائر كبيرة بين المدنيين.
ويرى خبراء القانون الدولي أن استخدام هذه الأسلحة في المناطق المكتظة بالسكان يثير مخاوف جدية بشأن احترام مبادئ التناسب والتمييز المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني.
المدارس والمستشفيات ليست بمنأى عن الخطر
ومن بين أكثر المؤشرات إيلاماً في التقرير استمرار استهداف أو تضرر المنشآت المدنية الأساسية، وعلى رأسها المدارس والمستشفيات.
فالعديد من الأطفال فقدوا حقهم في التعليم نتيجة تدمير المدارس أو تحويلها إلى مراكز إيواء أو خروجها عن الخدمة.
كما تعرضت منشآت صحية عديدة للتدمير أو التضرر، ما أثر بشكل مباشر على قدرة الأطفال على الحصول على العلاج والرعاية الطبية اللازمة.
وتؤكد المنظمات الدولية أن حماية هذه المرافق تمثل ضرورة إنسانية ملحة لأنها تشكل شريان الحياة الأساسي للمجتمعات المتضررة من النزاعات.
مستقبل الطفولة في مناطق النزاع
تتجاوز تداعيات الانتهاكات الحالية حدود اللحظة الراهنة، إذ تحذر الأمم المتحدة من أن استمرار الأوضاع الحالية سيترك آثاراً عميقة على مستقبل ملايين الأطفال.
فالطفل الذي يفقد أسرته أو منزله أو مدرسته اليوم قد يواجه مستقبلاً مليئاً بالتحديات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية.
كما أن غياب التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية يهدد بإنتاج أجيال كاملة تعاني من آثار الحرب لعقود طويلة.
ولهذا تدعو الأمم المتحدة إلى تحرك دولي عاجل يركز على وقف الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الأطفال.
مأساة تتجاوز الأرقام
ورغم أهمية الإحصاءات والمؤشرات الواردة في التقرير، فإن المأساة الحقيقية تكمن في القصص الإنسانية التي تقف خلف كل رقم.
فكل طفل قُتل أو أصيب أو حُرم من التعليم أو فقد أحد والديه يمثل عالماً كاملاً من الأحلام والطموحات التي تعرضت للانهيار بفعل الحرب.
ومن هنا، فإن التقرير الأممي لا يمثل مجرد وثيقة إحصائية، بل يعد جرس إنذار جديداً للمجتمع الدولي بشأن الحاجة الملحة إلى حماية الأطفال ووضع حد لاستهدافهم في النزاعات المسلحة.
وفي ظل استمرار الأزمات والحروب في مناطق متعددة من العالم، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى متى سيظل الأطفال يدفعون الثمن الأكبر لصراعات الكبار؟
إن الأرقام القياسية التي سجلها تقرير الأمم المتحدة لعام 2025 لا تعكس فقط حجم المأساة الإنسانية الراهنة، بل تكشف أيضاً عن أزمة عميقة في منظومة الحماية الدولية، وعن حاجة ملحة لإعادة الاعتبار للقانون الدولي الإنساني، بحيث يصبح الطفل في مناطق النزاع إنساناً يتمتع بالحماية الكاملة، لا رقماً جديداً يضاف إلى قوائم الضحايا المتزايدة عاماً بعد عام.



