هل نحتفل بالهجرة أم بالعام الهجري؟

بقلم: ناصر السلاموني
مع كل عام هجري جديد تتكرر التهاني والخطب والندوات، لكن سؤالًا مهمًا يظل مطروحًا: هل نحتفل بذكرى الهجرة النبوية فعلًا، أم ببداية العام الهجري؟ وهل كان اختيار الهجرة بدايةً لتقويم المسلمين مجرد اختيار زمني، أم أنه يحمل رسالة حضارية أراد الصحابة أن تبقى حية في وجدان الأمة عبر الأجيال؟
كثير من الناس يظنون أن رسول الله ﷺ هاجر في أول يوم من شهر المحرم، غير أن الحقيقة التاريخية تؤكد أن الهجرة لم تقع في المحرم، بل خرج النبي ﷺ من مكة في أواخر شهر صفر، ووصل – وفقًا للمشهور في كتب السيرة – إلى المدينة المنورة في الثاني عشر من ربيع الأول سنة 622م.
أما اتخاذ الهجرة بدايةً للتقويم الإسلامي، فقد كان في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما تشاور مع كبار الصحابة في وضع تاريخ موحد للمسلمين. وطُرحت عدة مقترحات، منها التأريخ بمولد النبي ﷺ، أو ببعثته، أو بوفاته، لكن الصحابة أجمعوا على أن الهجرة هي الحدث الأجدر بأن تبدأ به الأمة تاريخها؛ لأنها تمثل نقطة التحول الكبرى من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة والحضارة.
واللافت للنظر أن الصحابة لم يختاروا مولد النبي ﷺ، ولا يوم بعثته، ولا يوم فتح مكة، ولا يوم وفاته بدايةً للتاريخ الإسلامي، وإنما اختاروا الهجرة؛ لأن الأمم تُقاس بالتحولات الكبرى التي تصنع تاريخها، والهجرة كانت الحدث الذي نقل المسلمين من جماعة مضطهدة إلى أمة تمتلك دولة ورسالة وحضارة.
ومن هنا يبرز السؤال: هل نحتفل بالهجرة أم بالعام الهجري؟
في الحقيقة، لسنا أمام مجرد ذكرى تاريخية، بل أمام مدرسة متكاملة في الإيمان والصبر والتخطيط وحب الوطن. فالهجرة إلى المدينة لم تكن أول هجرة في الإسلام، بل سبقتها هجرتان إلى الحبشة عندما اشتد أذى قريش بالمسلمين، ففروا بدينهم إلى أرض النجاشي الذي رفض تسليمهم إلى وفد قريش بعدما استمع إلى آيات من سورة مريم وأدرك عدالة الإسلام وسماحة تعاليمه.
ثم جاءت سنوات الحصار القاسية في شعب أبي طالب، حيث مُنع المسلمون وبنو هاشم من الطعام والشراب والتجارة، وعانوا الجوع والحرمان حتى سُمعت أصوات الأطفال من شدة الجوع. ومع ذلك ظل أبو طالب، رغم عدم إسلامه، يدافع عن ابن أخيه محمد ﷺ دفاعًا نابعًا من الشهامة والوفاء، في درس يؤكد أن نصرة الحق قد تأتي أحيانًا من أصحاب المروءة قبل أصحاب الشعارات.
ولم يكن جميع خصوم الدعوة سواءً في مواقفهم؛ فعندما سأل هرقل، إمبراطور الروم، أبا سفيان عن النبي ﷺ قبل إسلامه، رفض أن يكذب رغم عداوته له، وقال: «لولا الحياء أن يؤثر عني كذب لكذبت». فشهد للنبي بالصدق والأمانة، ليبقى ذلك درسًا خالدًا في أن الحقيقة أقوى من الخصومة، وأن الصدق قيمة لا ينبغي أن تسقط حتى في أوقات الخلاف.
وحين اشتدت المؤامرة على النبي ﷺ، وتقرر اغتياله، خرج من مكة التي أحبها حبًا عظيمًا، وقال عنها: «والله إنكِ لأحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منكِ ما خرجت». وهنا يتجلى المعنى الحقيقي للهجرة؛ فهي لم تكن هروبًا من الوطن، بل تضحية مؤقتة من أجل إنقاذ الرسالة وبناء الدولة والعودة إلى الوطن أكثر قوة ومنعة.
لقد أثبتت الهجرة أن الإيمان لا يتعارض مع التخطيط، وأن التوكل على الله لا يعني إهمال الأسباب. فقد أخذ النبي ﷺ بكل وسائل الحيطة الممكنة؛ فأمر برد الأمانات إلى أصحابها، واختار أبا بكر الصديق رفيقًا للطريق، واختبأ في غار ثور ثلاثة أيام، واستعان بدليل خبير بمسالك الصحراء، حتى خلد القرآن ذلك الموقف العظيم بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
وفي المدينة المنورة بدأت مرحلة جديدة من التاريخ. فبنى النبي ﷺ المسجد ليكون مركزًا للعبادة والعلم وإدارة شؤون المجتمع، وأقام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، في واحدة من أعظم صور التكافل الإنساني والاجتماعي في التاريخ، حيث تقاسم الأنصار أموالهم وبيوتهم مع إخوانهم الذين تركوا كل شيء خلفهم في مكة.
لكن معاناة المسلمين لم تتوقف عند الهجرة؛ فقد صودرت أموال المهاجرين، واستولى المشركون على بيوتهم وتجارتهم، ثم واصلوا التحريض وجمع الأحزاب والقبائل لمحاربة الدولة الوليدة في بدر وأحد والخندق. ومع ذلك صبر المسلمون وثبتوا حتى تحقق وعد الله بالنصر والتمكين.
وبعد سنوات من الجهاد والعمل والبناء، عاد النبي ﷺ إلى مكة فاتحًا منتصرًا، لا منتقمًا ولا متجبرًا، وقال لمن آذوه وحاربوه وأخرجوه من وطنه: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وهنا تتجلى أعظم دروس الهجرة؛ فالغاية لم تكن مغادرة الوطن، بل العودة إليه وإصلاحه وبناؤه على أسس العدل والرحمة والتسامح.
وإذا كانت الهجرة تعلمنا قيمة الوطن، فإن مصر تمثل نموذجًا خالدًا للوطن الذي ارتبط بالأنبياء والرسالات عبر التاريخ. فقد ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم بقوله: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، وكانت موطن يوسف عليه السلام، ومسرح دعوة موسى عليه السلام، وملاذ السيدة مريم وابنها عيسى عليهما السلام.
كما أوصى النبي ﷺ بأهل مصر خيرًا، فقال: «إنكم ستفتحون مصر، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذمةً ورحمًا». وظلت مصر عبر القرون حصنًا للعروبة والإسلام، ومنارةً للعلم، وركنًا أساسيًا في حماية استقرار المنطقة والدفاع عن قضايا الأمة.
واليوم، في ظل ما تمر به الأمة العربية من أزمات وصراعات ومحاولات للتفتيت وإثارة الفتن، تبدو دروس الهجرة أكثر حضورًا من أي وقت مضى. فهي تعلمنا أن قوة الأمم في وحدتها، وأن المحن لا تُهزم بالشعارات وحدها، بل بالعمل والصبر والتخطيط وحسن إدارة الأزمات، وأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان وترسيخ قيم العدل والانتماء والمسؤولية.
إن العام الهجري ليس مجرد تغيير في أرقام السنوات، بل مناسبة لمراجعة أنفسنا واستحضار الدروس العظيمة التي قدمتها الهجرة النبوية. فالهجرة لم تكن انتقالًا من مكة إلى المدينة فحسب، بل كانت انتقالًا من الضعف إلى القوة، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن المحنة إلى التمكين، ومن رد الفعل إلى صناعة التاريخ.
ولهذا لم يجعلها الصحابة مجرد ذكرى تُروى، بل جعلوها بداية لتاريخ أمة كاملة؛ لأنها تمثل ميلاد دولة، وبداية حضارة، وإعلانًا بأن الشعوب التي تتمسك بدينها وأوطانها وقيمها قادرة على تجاوز المحن وصناعة المستقبل.
إن الهجرة لم تكن رحلة هروب من واقع صعب، بل مشروعًا لبناء مستقبل أفضل، ودليلًا على أن الإيمان إذا اقترن بالعمل، والصبر إذا اقترن بالتخطيط، فإن النصر يصبح ممكنًا مهما اشتدت التحديات.
فهل نكتفي بالاحتفال ببداية عام هجري جديد، أم نجعل من الهجرة منهجًا للعمل والبناء والوفاء للأوطان؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا مع كل عام هجري جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى