قراءة في رواية أماني القصاص (فتاة وبحيرتان)

رؤية نقدية بقلم – زكريا صبح

لا تتوقف الثنائيات عند هذا بل  سنراها  ممتدة على طول الرواية، وما هذه الثنائيات إلا ترجمة لروح البطلة المنقسمة على ذاتها، فنحن أمام ثنائية الوطن والمهجر.

 لم تفقد طزاجتها فى صفحة من صفحاتها تماما كما لا تفقد الحياة بصيرورتها وسيرورتها الطزاجة لحظة واحدة، وكيف لا ولطالما قابلنا نماذج كأنها صورة طبق الاصل من بطلة الرواية!

الاخت الكبرى عندما يختارها القدر للعب هذا الدور، ثم يمنحها انسانية طاغية وحساسية مفرطة، ترى كيف تعيش وسط اسرة مشوهة الروح، قاسية القلب.

أخوة متسلقون، أم نرجسية، وأب حنون لكنه لم يحتمل فغادرهم جميعا إلى العالم الأخر، فما كان منها ( البطلة ) إلا أن تلبى نداء واجب العطاء والتفانى ، نداء المسؤلية والرعاية. 

هنا  تجب الاشارة إلى اختيار الكاتبة لأسم البطلة، نداء ليس لأنها لبت نداءت الواجب بل لأنها أيضا كانت تلبى كل نداء من اخوتها ذكورا أو إناثا، تسرع ملبية نداءتهم ولكنها نسيت فى هذه المعمعة ان تلبى نداء نفسها التى كانت تنتظر منها نظرة عطف واهتمام

فتاة وبحيرتان

ثنائية لافتة، انقسام واضح يشبه انقسام نفس البطلة الى ثنائيات لا متناهية.

الثنائية الاولى (مركبة ) تتبدى فى العنوان ، فنحن أمام فتاة من ناحية، وبحيرتين فى جانب أخر.

هذه ثنائية أولى، وتمثل البحيرتان فى ذاتها ثنائية اخرى، لأننا عبر السرد سنكتشف إننا أمام بحيرة رأس البر حيث البرزخ الذى يفصل مياه النهر عن البحر، والبحيرة الاخرى هناك فى قلب اوربا حيث جينيف مدينة  من مدن سويسرا الساحرة.

 لا تتوقف الثنائيات عند هذا بل  سنراها  ممتدة على طول الرواية، وما هذه الثنائيات إلا ترجمة لروح البطلة المنقسمة على ذاتها، فنحن أمام ثنائية الوطن والمهجر.

ثنائية الحياة والموت، الصحة والاعتلال، العطاء والاخذ، الحب والكراهية، التقدير والانتقاص، النجاح والفشل، المريض والطبيب، المرض والصحة، الظلم والعدل، اليأس والامل،حديث النفس والحديث الى اخرين.

  لست أبالغ إذ أكدت للقارئ انه واجد لكل ثنائية من هذه الثنائيات تمثلا وتجسيدا واضحا فى حياة البطلة .

ان كثرة الثنائيات ربما كانت عن غير قصد من الكاتبة، ولكنها ملاحظة إيجابية تخدم روح العمل الذى يتكأ على رسم شخصية مضطربة نفسيا، مما يجعل القارئ عائشا فى تخبط مثل الذى تعانيه البطلة

الكاتب الجيد هو الذى ينجح فى اختيار راو يناسب حكايته

كم كانت الكاتبة موفقة فى جعل البطلة ( عمود الحكاية ) وموضوعها، فى جعل هذه البطلة هى الراوية لحكايتها، جعلت من نفسها محور الحكى.

كيف لا؟ وهى الباحثة عن التعافى والشفاء مما الم بها من اهتزاز نفسى وسلوكى، وبلغت الكاتبة من المهارة ان جعلتنا متعلقين بالبطلة فى رحلة التعافى هذه.

عشنا معها البيئة التى عاشت فيها فخلقت منها إنسانة فاقدة الثقة بنفسها  بعد أن أقنعتها هواجسها أنها لن تتحقق إلا ببذل نفسها وروحها من أجل الأخرين.

عشنا لحظة الكشف التي أهدتها لها ( إليزابيث ) طبيبتها المعالجة عندما اخبرتها انها ضحية غياب الأب الذى كان يمثل لها الأمان والعطاء والحب.

فلما فقدته بحثت عنه فى ( حسين ) الذي صادفته فى جينيف فجعلت من نفسها صيدا سهلا، فلم يجد صعوبة فى اصطيادها مستمتعا بها ومعذبا اياها.

غلاف رواية فتاة وبحيرتان للكاتبة أماني القصاص

كيف ينقذ من لايقدر من لا يستحق ثم يطلب النجاة بعد ذلك؟

جملة وردت فى فى صفحة 163 ذيلت بها الكاتبة فصلا بعنوان ( دور المنقذ )

هى الحقيقة التى وصلت إليها نداء بعد جلسات استشفاء طويلة مع طبيبتها اليزابيث، حقيقة كاشفة، يصح أن تكون حكمة لكل من يبرر لنفسه انسحاقه أمام الأخرين.

لكل من يجعل من نفسه بطلا من ورق معتقدا أن دوره فى الحياة أن يعيش منقذا لغيره، وقد نفهم ان يتبنى هذا الامر شخص يجد مقابلا من هذا الغير.

كلمة طيبة، نظرة امتنان، تربيتة على كتف، أو يتبادل معه عطاء بعطاء، وقد نفهم أن الذي يلعب دور البطل لديه من القوة والمقدرة ما يعينه على فعل ذلك، لكن أن يدعى من لا يقدر هذا الإدعاء فهذا امر محير، ثم يعاقبه القدر بالخذلان، ليكتشف أن من لا يقدر يدعى قدرته على انقاذ من لا يستحق ثم كيف له ان يطلب النجاة بعد ان تضيع نفسه سدى ؟

أستوقفتنى هذه الجملة كثيرا ، وربما كانت حكمة تعين التائهين على تلمس الطريق ، جملة اذا لم تكن الاها فى الرواية لكفت الكاتبة

ربما كانت هذه الجملة مدعاة للحديث عن لغة الرواية التى جاءت فصيحة حال السرد والوصف، لغة كانت قادرة على تصوير حياة البطلة منذ طفولتها المعذبة مع أم نرجسية وأخوة اكثر نرجسية.

لا يرون فيها إلا ندا وهى صغيرة ثم لا يرونها إلا خزانة مال، وهى شابة ناضجة عاملة، لها دخل ثابت وحياة مادية مستقرة.

لغة تغيرت مستوياتها تبعا لتغير الشخصيات التى شاركت فى العمل، فلغة الام لغة شعبية تكاد تكون سبابا دائما، ولغة البطلة لغة متطورة من حال طفولتها مرورا بدراستها ثم وصولا إلى مقعد الأستاذية فى الجامعة، لغة نأت بنفسها عن التقريرية ، وأقتربت كثيرا من تحققها الفنى اذ كانت حريصة على تصوير المشاهد المختلفة


هاهى الطفلة تفر مرتعبة من لحظة عملية الختان، فنكاد نسمع لهاثها ونرى اختبائها

وها هى تصور ليلية سوداء ذهبت فيها من الاسكندرية الى دمياط لانقاذ أخيها المستهتر بعد ان قبضت عليه الشرطة متلبسا بالهجرة غير الشرعية.

وهى تصور لحظات ضعفها مع حسين، فى مشاهد ساخنة بلغة غير صادمة لم تقترب من فجاجة المشاهد الجنسية المباشرة.

 لسنا هنا بصدد حصر اللغة التصويرية ولا بصدد وصف المشهدية التي  صنعتها الكاتبة من غير افتعال أو تقعر  عبر لغة سهلة الفهم حلوة المذاق كقطعة سكر تذوب فى فم احدنا.

 وثيق الصلة باللغة ( الحوار ) وللحوار هنا شأن أخر، لأنه يمثل ثنائية أخرى من ثنائيات العمل، فقد جاء الحوار فى مستويين.

المستوى الأول جاء بلهجة عامية، وقد لاحظنا أن هذا المستوى شمل كل الحورات التي كانت فى مصر.

بينما جاء الحوار فى غربتها بلغة فصيحة، وربما كان مرد ذلك إلى ان الحوارات العامية كانت على لسان طفلة صغيرة وبين شخوص تعيش فى بيئة ريفية أو ساحلية لا تعرف معنى للرقى.

بل هى _ أى الشخصيات _ منغمسة في الكراهية والأحقاد  وسلاطة اللسان، بينما حوارات جنيف جاءت راقية رقى الشخصيات التي قابلتها البطلة هناك، فهى أما مع أساتذة جامعة أو طلاب جامعة أو دكتورة نفسانية أو معالج نفسى أو زوجها حسين وهو عراقى الجنسية

 أن وعى الكاتب بتقنيات السرد المختلفة تجعله مثل عصفور رشيق الحركة جميل الهيئة، يتنقل بين زهور الحديقة فى خفة وبهجة كما لو كان طفلا يرى العالم للمرة الاولى.

وقد كانت الكاتبة فى استخدامها لتقنيات السرد المختلفة مثل هذا العصفور فهى تنتقل من مشهد لأخر، (تقنية التصوير) وتنتقل من زمن لأخر خاصة  (الفلاش باك) حيث تعود كلما رغبت إلى الماضى فى لحظات الحفر فى بئر الذكريات المؤلمة، تفعل ذلك من غير ان تدخلنا فى متاهات التراتب الزمنى او اللهاث خلف منطقية الاحداث.

 هى ترسم لوحتها من غير منطق مفهوم، لكن القارئ لهذه اللوحة يستجمع مشاهده حسب رغبته ليخلق لوحة سردية خاصة به
ان لعبة الزمن هنا لعبة ممتعة.

برغم طول الفترة الزمنية التي تعالجها الكاتبة فأن القارئ لن يشعر بهذا الطول مطلقا، وهى فى الوقت ذاته لم تحدد تاريخا لهذه الرحلة غير إننا عبر علامات سردية نستطيع  معرفة هذه المرحلة التاريخية، لاحظ معى ذكرها لأغنية ( لولالكى ) التى ظهرت عام 1988.

ربما مما ساعد على سرعة هذا الإيقاع  تقسيم الكاتبة للعمل إلى مشاهد سردية

جعلت لكل مشهد منها عنوانا (رغم اختلافى مع كثرة العناوين وطولها فى بعض الاوقات) فقد ساعدت هذه التقسيمات على إنتقالنا الميسور بين المشاهد والاستمتاع بجريان الأحداث رغبة فى الوصول إلى النهاية

 وبعد فقد كنا فى رحلة طويلة مع نداء تعاطفنا معها وكنا إلى جوارها فى لحظات ضعفها وانتصرنا معها فى لحظات التطهر من عقد الماضى التى كانت متغلغلة فى لاوعيها.

لم نكن أمام رواية تبحث عن الاثارة والحبكة والمفاجئة، بل رواية تعالج قضية ظلم لا تكاد تخلو منها أسرة.

ظلم الاسرة للاخ الاكبر، وأمام نموذج إنسانى هزمته عقد الماضى ومخاوف التجارب السلبية.

إذا كانت الكاتبة قد جعلتنا نحزن لأجل نداء كل لحظات السرد فإنها أدخلت إلى نفوسنا البهجة والفرح والسرور ونحن نسير مع نداء على شاطئ البحيرة فى جينيف وهى تنظر الى العالم بنظرة جديدة، نظرة التى اكتشفت نفسها وعثرت عليها بعد طول غياب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى