زلزال رضا عبد السلام في البرلمان : العدادات الكودية تطحن 11 مليون مواطن

**شريحة الفقراء أعلى من الشرائح السياحية للفنادق وأصحاب الفيلات والقصور.. ولا حياة لمن تنادي!
**شهدت أروقة مجلس النواب مواجهة ساخنة وصرخة حق مدوية، أطلقها النائب الدكتور رضا عبد السلام، عضو مجلس النواب والوزير المحافظ الأسبق، حيث لم تكن كلماته مجرد استجواب عابر، بل كانت تجسيداً حياً لآلام ملايين المصريين الذين يعانون تحت وطأة قرارات اقتصادية تفتقر إلى روح العدالة الاجتماعية. لقد وضع النائب يده على الجرح النازف للمواطن المطحون، مطالباً الحكومة بوقف ما أسماه “المهزلة” المستمرة التي تستنزف أقوات البسطاء بحجة مخالفات البناء، وفي الوقت الذي ينتظر فيه الشعب قرارات تخفف عنه الأعباء، تفاجأ الجميع بسياسة وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، والتي وصفها النائب بأنها عملية “طحن وكهربة” علنية للمواطنين من خلال التوسع في تركيب “العدادات الكودية” للمباني المخالفة أو غير المرخصة، كأداة عقابية مالية قاسية تحاسب المواطن البسيط على استهلاكه الأساسي وكأنه يدير منشأة استثمارية ضخمة.
وتكمن الأزمة الحقيقية التي فجرها الدكتور رضا عبد السلام في آلية المحاسبة داخل هذه العدادات الكودية؛ حيث يتم احتساب سعر الكيلووات بأعلى شريحة للمحاسبة التجارية منذ اللحظة الأولى، وهي سياسة تجعل المواطن الذي لا يملك سوى إنارة لمبة واحدة أو تشغيل أجهزة معيشية أساسية يتساوى في قيمة الفاتورة مع أصحاب الأنشطة التجارية الاستثمارية الكبرى، مما يشكل عبئاً مالياً يفوق قدرة الأسرة المصرية بمراحل. ومن هنا عقد النائب مقارنة تهز الضمائر وتكشف حجم الفجوة في تطبيق القوانين، متسائلاً بمرارة عن كيفية مساواة المواطن الغلبان في قريته أو عشوائيته مع صاحب “الفيلا” في مارينا أو المدن الجديدة الساحلية والمغلقة التي لا يزورها حتى الناموس، وهي مقارنة صادمة تشير إلى أن ما يقرب من 11 مليون مواطن مصري من الفئات الأكثر احتياجاً يجدون أنفسهم مجبرين على دفع تعرفة تفوق بمراحل ما يدفعه أصحاب القصور، والفنادق، والمشروعات السياحية العملاقة، ولكن مع الأسف الشديد لا حياه لمن تنادي أمام صرخات هؤلاء البسطاء.
إن تلك المنازل التي تلاحقها وزارة الكهرباء بدعوى المخالفة ليست منتجعات ترفيهية، بل هي “مأوى وإيواء” يستر أسرًا مصرية كادحة تعاني الفقر والاحتياج، هربت من تكاليف السكن الباهظة والإيجارات التي تلتهم الدخل التهاماً، وبدلاً من أن توفر الدولة شبكة أمان اجتماعي تحمي هذا المأوى، جاءت فواتير الكهرباء لتنزع الستر عن هذه البيوت البسيطة بسبب تمسك وزارة الكهرباء بشرط حصول العقار على “نموذج 8” أو “نموذج 10” الخاص بالتصالح كشرط أساسي لتقنين وضع العداد أو إلغاء الممارسات الجزافية. ووصف النائب هذه الاشتراطات بأنها “شروط تعجيزية” وقيود بيروقراطية معقدة، تضعها الهيئات التنفيذية في طريق المواطن الذي لا يملك ترف الوقت ولا المال لإنهاء هذه المعاملات العقيمة، طالباً بقوة وإصرار بإسقاط هذه الشروط فوراً لعدم قانونيتها وعدم دستوريتها، كون الدستور المصري يكفل للمواطن الحق في حياة كريمة وفي الحصول على المرافق الأساسية دون ربطها بتعقيدات إدارية تصب في مصلحة جباية الأموال على حساب قوت الشعب اليومي.
لقد أصاب الوزير المحافظ الأسبق والنائب الحالي كبد الحقيقة، وعبر بأمانة وصدق عما يدور في مجالس وبيوت الملايين بموقفه الشجاع الذي يعيد للأذهان الدور الحقيقي لعضو مجلس النواب في أن يكون صوتاً للمظلومين ومحامياً عن الفقراء، في مقابل نماذج برلمانية غريبة تفرغت لطلب زيادة الرسوم، أو إثارة قضايا هامشية ومثيرة للجدل عُرفت إعلامياً بـ “نواب الكلاب”، و”نواب البيض”، و”نواب تقنين أمور غير أخلاقية”، مما يجعل الشارع يتساءل في دهشة عن مدى وعي هؤلاء النواب بحجم المعاناة الحقيقية التي يعيشها المواطن. وتصطدم هذه السياسات الحكومية الجافة مباشرة مع التوجيهات والمطالبات المستمرة للرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أكد في أكثر من محفل أن الشعب المصري يحتاج إلى من “يحنو عليه” ويقدر تضحياته، فكيف تترجم وزارة الكهرباء وحكومة مدبولي هذه التوجيهات الإنسانية إلى فواتير حارقة تلهب ظهور البسطاء؟ إن المرحلة الراهنة لا تحتمل نواب “البزنس” والشركات الذين يدعمون مصالحهم الاستثمارية بضمائر غائبة وخربة، بل نحن في أمس الحاجة إلى نواب شرفاء يملكون الشجاعة السياسية لمواجهة الأخطاء التنفيذية، وإلغاء الشروط التعجيزية لنماذج التصالح، وإقرار تعرفة كهرباء عادلة ورحيمة تفرق بين القصر والكوخ لإنقاذ جيب المواطن المطحون الذي صمت طويلاً، وصبر كثيراً ويستحق اليوم من ينصفه.



