رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن العمل شرف يرفع صاحبه

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن العمل شرف يرفع صاحبة

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

إن العمل في الإسلام شرف يرفع صاحبه، وأمانة يعمر بها الأرض، وعبادة تصح بها النية ويقبل بها السعي. به قامت الحضارات، ونهضت الأوطان، واستغنى الناس عن ذل السؤال إلى عز الكسب. ومن ترك العمل قادرا، فقد أضاع على نفسه كرامتها، وأضاع على أمته قوتها.

والأمم لا ترتقي بالأمنيات والشعارات، وإنما تنهض بسواعد أبنائها وعقولهم، وبالإيمان بأن كل جهد صادق له قيمة، وكل عمل متقن هو لبنة في بناء مستقبل أفضل. وها نحن نعيش زمانا انتشر فيه التسول ومد الأيدي إلى الناس بصورة مخزية ، وديننا الحنيف حثنا وأمرنا بالعمل والسعي في الأرض طلبا للرزق الحلال، وحذرنا من البطالة وخطرها على الفرد والمجتمع.

وحديثنا في هذه المحاضرة عن شرف العمل وقيمة الإنتاج تاتي في في عشرة عناصر: نبدأ بمفهوم العمل ومكانته في الإسلام، ثم نذكر استخلاف الإنسان وعمارة الأرض، ثم نتحدث عن عمل الأنبياء قدوة، ثم عمل الصحابة ومهنهم، ثم آداب العمل والنية الصالحة، ثم إتقان العمل، ثم كرامة الكسب والاستغناء عن سؤال الناس، ثم دعم المنتج الوطني، ثم ثمار العمل والكسب الحلال، ثم نختم بالميثاق العملي. والله المستعان.

⚫ العنصر الأول: العمل: تعريفه وأهميته في الإسلام

تعريف العمل ومكانته

إن العمل في الشريعة الإسلامية هو جوهر الوجود الإنساني وأساس مهمة الاستخلاف وعمارة الأرض، التي خلق الإنسان لأجلها. فالعمل ليس مجرد وسيلة لكسب الرزق، أو ضرورة تفرضها مطالب الحياة، بل هو رسالة سامية تعكس كرامة الإنسان وقدرته على العطاء والمشاركة في بناء المجتمع، وميدان من ميادين التعبد لله تعالى، وطريق من طرق عمارة الأرض، وتحقيق مصالح العباد.

والحضارات القوية لا تقوم على الاستهلاك والتبعية وانتظار ما تجود به أيدي الآخرين، وإنما تبنى بسواعد أبنائها الذين يحولون ثروات أوطانهم وخيراتها إلى منتجات نافعة تحفظ للأمة كرامتها وكفايتها، وتصون ثرواتها من التبديد، وتفتح أبواب الرزق والعيش الكريم لأجيالها.

⚫ قدسية العمل في الإسلام

لا ينظر الإسلام إلى العمل على أنه مجرد وسيلة لتحصيل المال، أو ضرورة تفرضها مطالب الحياة؛ بل يرفعه إلى منزلة سامية، ويجعله ميدانا من ميادين التعبد لله تعالى، وطريقا من طرق عمارة الأرض، وتحقيق مصالح العباد، وصيانة كرامة الإنسان؛ فالإسلام دين العمل والبناء والإنتاج، لا يعرف التواكل ولا يقر البطالة، ولا يفصل بين صلاح الدين وصلاح الدنيا؛ بل يجعل السعي في طلب الرزق الحلال، وأداء الحقوق، وتحقيق النفع للناس، من الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى ربه، متى صلحت النية واستقامت الوسيلة.

● ولقد أعلى الإسلام من قيمة السعي والعمل بما لا يوجد في دين آخر، وذلك واضح في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ [التوبة، رقم: 105]. فيا لها من آية تجعل العمل مرئيا لله ولرسوله وللمؤمنين، وتشعر العامل أنه ليس وحده، بل عمله مشهود في السماء والأرض.

● وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أعجبه الرجل يسأل: هل له حرفة؟ فإذا قيل له: لا، سقط من عينه. فالمسلم ما خلق ليكون عالة، ولا ليكون نكرة في الحياة، ولا ليكون عطالا بطالا، بل خلق للعبادة والعمل، خلق للإنتاج والبناء.

⚫ العمل سنة الأنبياء والرسل

● جعل الله العمل سنة أنبيائه ورسله، بالرغم من انشغالهم بالدعوة إلى الله وتبليغ رسالته إلى أممهم وأقوامهم، فلكل منهم مهنة وحرفة برع فيها وأخلص فيها فنفع نفسه ونفع مجتمعه، بل ومن خلالها بأمانته وأخلاقه بدأ دعوته. يقول سبحانه: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق﴾ [الفرقان، رقم: 20]. فانظر إلى هذه الآية كيف جمعت بين الرسالة والسعي في الأسواق، وهذا والله هو التوازن الذي تحتاجه أمتنا اليوم.

⚫ العنصر الثاني: الإنسان مستخلف في الأرض وعمارة الكون

● تكليف الإنسان بعمارة الأرض

يا أيها المؤمنون، لم يخلق الله تعالى الإنسان ليكون عالة على غيره، أو عنصرا معطلا عن البناء والعطاء، وإنما جعله خليفة في الأرض، وسخر له من أسباب الحياة ما يعينه على عمارتها والانتفاع بخيراتها. قال الله تعالى على لسان نبيه صالح عليه السلام: ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾ [هود، رقم: 61]. فكلمة (استعمركم فيها) ، أي استدعاكم لعمارتها، فأنتم مكلفون بالبناء والإنتاج، لا بالخراب والاستهلاك.

وقد بين أهل العلم أن عمارة الأرض لا تقتصر على تشييد المباني، وإنما تشمل كل عمل نافع يحفظ مصالح الناس، ويطور حياتهم، ويستخرج خيرات الأرض، ويقيم أسباب الحضارة، من زراعة وصناعة وتجارة وتعليم وطب وسائر المهن والحرف، وبذلك يصير العمل النافع صورة من صور الوفاء بالأمانة التي كلف الإنسان بحملها.

قال النسفي: «{واستعمركم فيها} اي جعلكم عمارها وأراد منكم عمارتها» <مدارك التنزيل وحقائق التأويل>.

وقال ابن كثير: «جعلكم عمارا تعمرونها وتستغلونها» <تفسير ابن كثير>. وهذا المعنى يفتح أمام الإنسان أفقا واسعا لفهم رسالته في الحياة.

● السعي لطلب الرزق من مقتضيات شكر النعمة

ولم يجعل الإسلام التوكل على الله ذريعة إلى ترك الأسباب، أو انتظار الرزق من غير سعي، وإنما جمع بين الاعتماد على الله والأخذ بالأسباب المشروعة. قال الله تعالى: ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور﴾ [الملك، رقم: 15]. فانظر يا عبد الله: الأرض ذلول مهيأة للسعي، فامش في مناكبها، ولا تجلس في زاوية تنتظر أن تمطر السماء ذهبا.

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «{فامشوا في مناكبها} أي: سافروا في أقطار الأرض، وترددوا في أرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، ثم قرر قاعدة جليلة بقوله: السعي في السبب لا ينافي التوكل» <تفسير ابن كثير>. فتأمل كيف أن الأخذ بالأسباب لا يتعارض مع اعتماد القلب على الله، بل هو من تمام العبودية له سبحانه.

ويتأكد هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ [الجمعة، رقم: 10]. فها هو التوجيه القرآني يأمر بالانتشار في الأرض وابتغاء الرزق عقب أداء صلاة الجمعة، ليبين أن العبادة والعمل ليسا طريقين متعارضين، وأن أداء حق الله في العبادة لا يمنع من مباشرة مصالح الحياة وطلب الرزق الحلال.

وبين القرطبي معنى الآية فقال: «إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم، {وابتغوا من فضل الله} أي من رزقه» <الجامع لأحكام القرآن>.

وختمت الآية بالأمر بكثرة ذكر الله؛ لتبقى صلة العبد بربه حاضرة في أثناء سعيه، فلا تشغله التجارة عن الطاعة، ولا يستغرقه طلب الرزق حتى ينسى الغاية التي خلق من أجلها.

وقد أصل النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا» <جامع الأحاديث 18/104 أخرجه ابن المبارك في الزهد ص196 رقم 559 والطيالسى ص11 رقم 51 وأحمد 1/30 رقم 205 والترمذي 4/573 رقم 2344 وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح 310>. فالطير تغدو في الصباح خماصا، أي جائعة، ثم تروح في المساء بطانا، أي ممتلئة البطن، سعت فرزقها الله، فكن كالطير: سعي وتوكل، لا كسل واتكال.

– وقال تعالى: ﴿وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا﴾ [النبأ، رقم: 9-11]. فانظر كيف جعل الله النهار معاشا، أي وقتا للعمل والسعي، والليل لباسا، أي وقتا للراحة والسكون، وهذا هو التوازن الذي تحتاجه الحياة.

⚫ العنصر الثالث: عمل الأنبياء قدوة

● عمل الأنبياء في رعي الغنم

أيها الأحبة الْكِرَامُ.

إن الأنبياء الذين هم أفضل خلق الله قد اجتهدوا في الأعمال النافعة مع المهمة الأساسية التي أوكلت إليهم، فقد كان لكل منهم مهنة عرف بها.

ومن ذلك رعي الغنم، فها هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم». فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» <رواه البخاري>. فانظر :

• سيد الخلق وإمام المرسلين يرعى الغنم على قراريط، والقراريط أجر زهيد، ولكنه العمل الشريف الذي يحفظ الكرامة ويعلم التواضع.

والحكمة من رعي الأنبياء للغنم قبل النبوة لما في ذلك من تدرب وتمرن على ما سيكلفهم الله تعالى به من أمر الأمة، ولما فيه من الشفقة والرحمة والصبر على رعيها ونقلها من مكان إلى آخر، تشبيها بتنوع الناس وتفاوت عقولهم، كما أن الغنم أضعف من غيرها، وسرعة انقيادها أسرع من غيرها، بالإضافة إلى كسب الراعي من عمل يده، وذلك يدل على تواضع الأنبياء.

• ومن الأنبياء الذين رعوا الغنم: موسى عليه السلام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بعث موسى عليه السلام وهو راعي غنم». وقد ذكر القرآن الكريم رعيه للغنم عدة سنوات عند العبد الصالح مقابل أن يزوجه ابنته، قال تعالى: ﴿قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل﴾ [القصص، رقم: 26-28]. فها هو نبي كريم يعمل بالأجر عند العبد الصالح، ويستوفي الأجل، ويقيم العقد على الوفاء والأمانة.

• ومنهم شعيب عليه السلام، لما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أن شعيبا عليه السلام كان راعيا.

● عمل الأنبياء بالتجارة

وهناك العديد من الأنبياء الذين قاموا بالعمل بالتجارة، ومنهم

• موسى عليه السلام فقد كان يعمل برعي الغنم إضافة إلى عمله بالتجارة، مما يدل على إعلاء شأن العمل وتشريف العاملين. وقد عمل بالكتابة، حيث كان يكتب التوراة بيده.

• ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم عمل بالتجارة بعد عمله برعي الغنم، وذلك بعد أن طلب من عمه أبي طالب وهو في سن الثانية عشرة من عمره أن يصحبه معه في تجارته إلى بلاد الشام، ثم كانت رحلته الثانية إلى بلاد الشام في تجارة للسيدة خديجة رضي الله عنها مع غلامها ميسرة. وهكذا ظل النبي صلى الله عليه وسلم يقدر العمل، ويعمل حتى عندما كان رأسا لدولة المدينة، في بناء المسجد وحفر الخندق، وفي جميع الغزوات والسرايا. وكثير من الصحابة ينظرون إلى النبي القدوة ويلومون أنفسهم على عدم الجد والنشاط. فقال بعضهم:

لئن قعدنا والنبي يعمل •• لذاك منا العمل المضلل

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الشام للاتجار بمال خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، بل يبث فينا صلى الله عليه وسلم روح الأمل والعمل.

ففي مسند أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل» <مسند أحمد>. فيا لها من صورة بليغة للعمل حتى في آخر لحظة من لحظات الدنيا!

وقال صلى الله عليه وسلم: «كنت شريكي فنعم الشريك كنت لا تداري ولا تماري» <رواه أبو داود>، وهذا القول للسائب بن أبي السائب رضي الله عنه، يكشف عن اقتران العمل عند النبي صلى الله عليه وسلم بالأمانة وحسن المعاملة.

● عمل الأنبياء بالمهن الصناعية والحرفية

وهناك العديد من الأنبياء الذين عملوا بالأعمال والمهن الصناعية والحرفية الإنتاجية، فيما يأتي ذكرهم:

• آدم عليه السلام: قال القرطبي إن آدم عليه السلام عمل في الزراعة، كما نقل عن أنس رضي الله عنه أنه كان يعمل بالحياكة، وروي أنه أول من عمل بالحياكة.

• نوح عليه السلام: كان نجارا، بدليل صناعته للسفينة، لقوله تعالى: ﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ويصنع الفلك﴾ [هود، رقم: 37-38]. فالسفينة صناعة تحتاج إلى خبرة وصبر ومهارة، وقد أنجزها نوح عليه السلام بأمر الله، وكانت سبيلا لنجاة المؤمنين.

وقال ابن كثير عن الفلك: «إن الله تعالى أوحى إلى نوح عليه السلام وعلمه كيف يصنعها فكان في ذلك مباشرة لعمل يحتاج إلى خبرة وصبر ومهارة» <تفسير ابن كثير>. وفي هذا دلالة على أن الصناعات النافعة، مهما احتاجت إلى جهد بدني ومهارة يدوية، فإنها من الأعمال الشريفة التي لا تنقص من قدر صاحبها، بل قد تكون سببا في إنقاذ النفوس وتحقيق المصالح الكبرى.

• إدريس عليه السلام: ذكر الشيباني في كتابه كسب الأنبياء أن إدريس عليه السلام كان يعمل بالخياطة.

• إبراهيم ولوط عليهما السلام: كانا يعملان بالزراعة، حيث جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنهما اشتغلا بالزراعة. وكان إبراهيم عليه السلام بناء، فقد بنى الكعبة مع ابنه إسماعيل، لقوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾ [البقرة، رقم: 127].

• داود عليه السلام: كان حدادا، لقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير﴾ [سبأ، رقم: 10-11]. فكان يصنع الدروع التي تستخدم في الحرب، وينفق من ذلك على نفسه وأهله، ويتصدق منها، فقال الله تعالى عنه: ﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم﴾ [الأنبياء، رقم: 80].

وقوله «ألنا له الحديد لكي يعمل منه دروعا سابغات والدرع السابغ هي الدرع الواسعة التامة وقوله {وقدر في السرد} والتقدير هنا بمعنى الإحكام والإجادة وحسن التفكير في عمل الشيء والسرد نسج الدروع وتهيئتها لوظيفتها» <التفسير الوسيط>. ومن اللافت أن يأتي الأمر بصناعة الدروع ثم يعقبه قوله تعالى: {واعملوا صالحا}؛ فيجتمع في السياق القرآني الحديث عن العمل المهني والإنتاجي والأمر بالعمل الصالح.

وخصه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده» <رواه البخاري>. وقد خصه بالذكر بالرغم من أن معظم الأنبياء كانوا يعملون؛ لأنه كان ملكا ونبيا وصانعا في نفس الوقت.

• زكريا عليه السلام: كان يعمل بالنجارة، بدليل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان زكريا نجارا».

• يوسف عليه السلام:

كان وزيرا للمالية أو التموين، وهو منصب يتعلق بالأموال والإحصاءات والتخزين والتوزيع، لقوله تعالى: ﴿قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾ [يوسف، رقم: 55]. وقال تعالى: ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين﴾ [يوسف، رقم: 56].

وهكذا نرى أن الأنبياء لم يستنكفوا عن ممارسة الحرف والصناعات، ولم يجعلوا علو المكانة الإيمانية أو الاجتماعية سببا للتنزه عن العمل؛ بل أدركوا أن المجتمع يحتاج إلى أصحاب الصناعات كما يحتاج إلى أصحاب العلوم والولايات.

⚫ العنصر الرابع: عمل الصحابة ومهنهم

● مهن الصحابة رضي الله عنهم

يا أيها المؤمنون، لقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام على الجد والاجتهاد والعمل والاحتراف من أجل البناء والتعمير، فكان لكل واحد منهم مهنة يتكسب بها:

• أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان تاجر أقمشة.

• عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان دلالا.

• عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والبراء بن عازب وزيد بن أرقم رضي الله عنهم كانوا تجارا.

• الزبير بن العوام رضي الله عنه كان خياطا.

• سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان نبالا، أي يصنع النبال.

• عمرو بن العاص رضي الله عنه كان جزارا.

• خباب بن الأرت رضي الله عنه كان حدادا.

• عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان راعيا.

• بلال بن رباح وعمار بن ياسر رضي الله عنهما كانا خادمين.

• سلمان الفارسي رضي الله عنه كان حلاقا ومؤبرا للنخل، وخبيرا بفنون الحرب.

• علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان عاملا.

فالعمل عبادة في غير أوقات العبادة، ولذا روي أن رجلين كانا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أحدهما بياعا فإذا سمع النداء بالصلاة فإن كان الميزان بيده طرحه ولا يضعه وضعا، وإن كان بالأرض لم يرفعه.

وكان الآخر قينا يعمل السيوف للتجارة، فكان إذا كانت مطرقته على السندان أبقاها موضوعة، وإن كان قد رفعها ألقاها من وراء ظهره إذا سمع الأذان، فأنزل الله ثناء عليهما وعلى كل من اقتدى بهما: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ [النور، رقم: 37]. فيا لها من صورة جميلة للموازنة بين العمل والعبادة، فما أجمل أن يكون المسلم عاملا في دنياه ولكن قلبه معلق بالصلاة إذا سمع النداء!

• عمر بن الخطاب يحث على الاحتراف

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أعجبه الرجل سأل: هل له حرفة؟ فإذا قيل له: لا، سقط من عينه. وقال: «إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول هل له حرفة فإن قالوا لا سقط من عيني» <غريب الحديث لابن قتيبة>. فالمسلم ما خلق ليكون عالة، ولا ليكون نكرة في الحياة، ولا ليكون عطالا بطالا، بل خلق للعبادة والعمل، خلق للإنتاج والبناء.

وقال أيضا: «يا معشر القراء ارفعوا رءوسكم فقد وضح الطريق واستبقوا الخيرات ولا تكونوا عيالا على المسلمين» <مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لابن الجوزي>.

إن هذه الكلمات لتحمل معنى تربويا مهما؛ فهي تحث على الجمع بين العلم والعمل، وعلى ألا يكون الانتساب إلى أهل العلم والعبادة ذريعة إلى ترك أسباب الرزق، أو تحميل الآخرين أعباء المعيشة مع القدرة على القيام بها.

وقال: «لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة».

وقال أيضا: «إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول هل له حرفة فإن قالوا لا سقط من عيني». فعلى المسلم أن يعمل ويجتهد حتى تتحقق قيمته في الحياة.

• وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «إني لأكره أن أجد الرجل فارغا لا في أمر دنياه ولا في أمر آخرته».

• وقال عمر رضي الله عنه: «إني لأرى الرجل يعجبني فأقول هل له حرفة فإن قالوا لا سقط من عيني».

• وقال الراغب الأصفهاني: «من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية بل من الحيوانية وصار من جنس الموتى ومن تعود الكسل ومال إلى الراحة فقد الراحة وقد قيل إن أردت ألا تتعب فاتعب لئلا تتعب».

• وقال لقمان الحكيم لابنه: «يا بني استعن بالكسب الحلال فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال رقة في دينه وضعف في عقله وذهاب مروءته وأعظم من ذلك استخفاف الناس به».

• وسئل سفيان الثوري يوما: دلني على عمل الأبطال؟ فقال: «كسب الحلال والإنفاق على العيال».

⚫ العنصر الخامس: آداب العمل والنية الصالحة

النية الصالحة تجعل السعي الدنيوي بابا من أبواب العبادة

معاشر المسلمين، من أعظم ما امتازت به الشريعة الإسلامية أنها لم تحصر الأجر والثواب في الأعمال التعبدية المحضة فقط، بل وسعت أبواب الطاعات والقربات لتشمل مختلف شؤون الحياة اليومية، وجعلت للنية الصالحة أثرا عظيما في تحويل العادات والمباحات إلى طاعات. وقد أصل النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» <متفق عليه>. فمن خرج إلى عمله قاصدا إعفاف نفسه عن الحرام، والإنفاق على أهله، والقيام بمسؤولياته، وسد حاجات الناس، وتحصيل ما ينفع مجتمعه، كان له من الأجر بقدر صدق نيته وصلاح عمله.

ويؤكد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة» <متفق عليه>. فما ينفقه الإنسان على أهله يتحول إلى صدقة يؤجر عليها متى قصد بها وجه الله وأدى واجبه محتسبا. فيا لها من نية تقلب الأعمال الدنيوية إلى أجر وثواب، وتجعل المسلم في عبادة دائمة وهو يكسب وينفق.

وقد جاء في القرآن الكريم ما يؤكد هذا المعنى، قال الله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ [الأنعام، رقم: 162-163]. فانظر كيف جعل الله (محياي) أي حياتي كلها لله، وهذا يشمل العمل والكسب والإنتاج إذا صحت النية.

آداب العمل في الإسلام

وللعمل والسعي على الرزق سلوكيات يجب أن نتحلى بها، منها:

• أولا: استحضار النية — وقد بينا أن المسلم يبتغي من عمله إشباع البدن من الحلال وكفه عن الحرام، والتقوى على العبادة، وعمارة الأرض ابتغاء مرضاة الله.

• ثانيا: التبكير وعدم تأخير العمل عن وقته — فالمسلم يقوم بأعماله في أوقاتها دون تأخير. عن صخر بن وداعة الغامدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم من أول النهار، وكان صخر رجلا تاجرا، وكان يبعث تجارته من أول النهار فأثرى وكثر ماله <أخرجه الإمام أبو داود وسنده صحيح>. فيا لها من بركة تنزل على من بكر في طلب الرزق، وسابق الشمس إلى العمل.

• ثالثا: الجد في العمل — فالمسلم يذهب إلى عمله بجد ونشاط، دون تباطؤ أو كسل، فمن جد وجد، ومن زرع حصد. وصدق من قال:

بقدر الكد تكتسب المعالي ♦♦♦ ومن طلب العلا سهر الليالي

ومن طلب العلا من غير كد ♦♦♦ أضاع العمر في طلب المحال

• رابعا: عدم الانشغال بعمل الدنيا عن العبادة والطاعة — فالمسلم يعمل ليحصل على الكسب الطيب له ولأسرته، واثقا مطمئنا من رزق الله له. قال الله تعالى: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى﴾ [طه، رقم: 132]. فإذا كان العمل لاكتساب الرزق وإعفاف النفس عن المسألة عبادة في حد ذاته، فإن ذلك لا يشغلنا عن طاعة الله فيما أمرنا به من سائر العبادات.

• خامسا: الالتزام بأخلاقيات المسلم — ومنها:

· البعد عن العمل الحرام: فالمسلم يختار عملا لا يتعارض مع أصل شرعي، فلا يعمل في بيع لحم الكلب والخنزير أو الخمور أو ما شابه ذلك.

· الأمانة: فالمسلم أمين في عمله؛ لا يغش ولا يخون، ولا يتقاضى رشوة من عمله، وهو حافظ لأسرار العمل، ويؤديه على أكمل وجه. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني» <أخرجه الإمام مسلم>. فيا لها من كلمة نبوية تهتز لها القلوب: «من غش فليس مني»! أي ليس على سنتي وطريقتي، فالغش بريء من الدين، والأمانة هي الأصل.

· مراعاة حقوق العمال والبسطاء: فمن حق العامل الأجر المناسب لقدراته ومواهبه. يقول الله تعالى: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ [الأعراف، رقم: 85]، أي لا تنقصوا أموالهم. ويحذر الله من سوء العاقبة إذا لم يتناسب الأجر مع العمل كما في قوله تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ [المطففين، رقم: 1-6]. ومعنى المطفف هو المقلل حق صاحب الحق، وأصل الكلمة من الطفيف أي القليل.

ومن توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم في حقوق العمال قوله: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» <أخرجه ابن ماجه وسنده صحيح>. فيا لها من توجيهات تحفظ كرامة العامل وتقيم العدل في المجتمع.

ويروي الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره» <رواه البخاري>. فمن ظلم عاملا في أجره، فإن الله تعالى خصمه يوم القيامة، ومن كان الله خصمه فلا حجة له ولا برهان.

—

العنصر السادس: إتقان العمل: منهج شرعي وحضاري

الإتقان منهج قويم وغاية سامية

أيها الأحبة في الله، الإتقان منهج قويم وغاية سامية يقصدها الشرع الحكيم. قال جل وعلا: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ [الملك، رقم: 2]. ولم يقل: أكثر عملا، بل أحسن عملا؛ فكأنه يلفت أنظارنا إلى قضية الإتقان وليس إلى الكم. فكم من عمل قليل متقن خير من عمل كثير مهمل! وكم من منتج رديء لا ينفع الناس، بينما منتج جيد يبقى أثره ويذكر فضله.

والله جل وعلا وعد المحسنين بالأجر العظيم، قال تعالى: ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ [البقرة، رقم: 195]. فيا لها من بشارة لمن أحسن عمله، فإن الله يحبه. وبأي شيء يشتري الإنسان محبة الله؟ إنها أغلى من كل شيء في الدنيا والآخرة.

بل وعد سبحانه بحفظ أجر المحسنين، فقال جل وعلا: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾ [الكهف، رقم: 30]. فأنت يا من تتقن عملك ولو كان صغيرا، اعلم أن الله لا يضيع أجرك، وأنت يا من تهمل وتقصر، تذكر أن الله خبير بما تفعل.

الإتقان سنة كونية

وكيف لا؟ والله جل وعلا خلق كل شيء فأتقنه، قال تعالى: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون﴾ [النمل، رقم: 88]. فالله جل وعلا صنع كل شيء في هذا الكون بإتقان؛ فلو نظرت إلى السماء وارتفاعها فإتقان، بل انظر إلى الأرض واتساعها فإتقان، انظر إلى النجوم ومدارها فإتقان، انظر إلى البحار وأمواجها فإتقان، انظر إلى الجبال وارتفاعها فإتقان ما بعده إتقان! الله أكبر.

بل لو نظرت إلى نفسك التي بين جنبيك لرأيت عجبا عجابا؛ خلقك فأحسن خلقك، وصورك فأحسن تصويرك، فتبارك الله أحسن الخالقين. قال جل وعلا: ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ [آل عمران، رقم: 6]. وقال جل وعلا: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون، رقم: 14]. وقال جل وعلا: ﴿وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين﴾ [غافر، رقم: 64]. فإذا كان الخالق جل جلاله قد أتقن كل شيء، أفلا يجب على المخلوق أن يتقن عمله؟

والإتقان منهج حياة وسنة كونية؛ به تنتظم الأمور، وتستقيم الأحوال، وتبلغ الأعمال غاياتها في الكمال، فهو الميزان الذي توزن به قيمة الإنسان، والمعيار الذي تقاس به حضارة الأمم؛ إذ لا قيام لعمران، ولا ازدهار لحضارة، إلا إذا قامت على أكتاف أناس يحسنون ما يعملون، ويؤدون ما أسند إليهم بإخلاص وإحكام.

الإتقان في القرآن الكريم

وفي القرآن الكريم دعوة صريحة إلى إتقان العمل، قال جل وعلا حكاية عن ذي القرنين: ﴿قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردا﴾ [الكهف، رقم: 95]. ففي هذا النص دلالة على حسن التخطيط والإتقان في البناء والعمل والأخذ بالأسباب. فذو القرنين لم يكتف بالقوة وحدها، بل طلب الإعانة والتخطيط والإتقان، وهذا هو منهج القائد الناجح.

وفي قصة بلقيس عليها السلام كان الإتقان من أسباب تدبرها وهدايتها إلى الإيمان، قال جل وعلا: ﴿قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها﴾ [النمل، رقم: 44]. ففي هذه المشهد دلالة على دقة الصناعة وإحكام البناء وإبهار الملك، حتى قادها ذلك إلى التفكر والتسليم لله رب العالمين: ﴿قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾ [النمل، رقم: 44]. فيا له من إتقان قاد إلى الإيمان!

الإتقان أمانة ومسؤولية

والإتقان في العمل سبب لنهوض الأمم من سباتها، وتقدمها بعد تخلفها. فكم من أمم تقدمت بسبب إتقانها للعمل؟ وكم من أمم تأخرت بسبب عدم إتقانها للعمل؟ فالإتقان مطلب شرعي، وواجب وطني، وعمل إنساني، ومسؤولية مجتمعية، ومقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية؛ الكل مطالب به، والكل محاسب عنه بين يدي الله لمن فرط وأهمل واستباح.

قال ربنا جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ [الأنفال، رقم: 27]. ومن أعظم الأمانات: الإتقان في العمل؛ والإتقان صفة نبيلة، وغاية سامية، وخلق عظيم من أخلاق الدين، ومبدأ كريم من مبادئ الإسلام، وشيمة الأبرار المحسنين، وصفة من صفات المؤمنين؛ أمرنا بها الدين، وتخلق بها سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الإتقان

ومن مواقفه صلى الله عليه وسلم في تعليم أمته أهمية الإتقان في العمل، ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على صبرة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني» <أخرجه الإمام مسلم>. فهذا الحديث يعلمنا أن الإتقان يقتضي عدم الغش، وأن الغش بريء من الدين، وأن المسلم الحق هو من يظهر عمله على حقيقته، لا من يخفي عيبه ويظهر حسنه.

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه» <صحيح الجامع للمحدث الشيخ الألباني>. فيا لها من كلمة جامعة! إن الله يحب الإتقان، ومن أحبه الله فقد فاز فوزا عظيما. فأي عمل تعمله يا عبد الله، أتقنه، سواء كان في أمر الدين أو أمر الدنيا، في الصلاة أو الصناعة، في التجارة أو الزراعة، في التعليم أو التعلم. فإن الله يحب المتقنين.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» <أخرجه الإمام مسلم>. فكل شيء يحتاج إلى إحسان وإتقان، حتى في الصلاة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو صحابته إلى إتقانها. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد وقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل» فرجع يصلي كما صلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا وافعل ذلك في صلاتك كلها» <متفق عليه>. فيا لها من صورة رائعة لتعليم الإتقان حتى في أعظم عبادة!

—

العنصر السابع: كرامة الكسب والاستغناء عن سؤال الناس

كرامة الكسب من عمل اليد

أيها المؤمنون، رفع النبي صلى الله عليه وسلم من شأن العمل والكسب الحلال، وجعل الاعتماد على النفس وطلب الرزق من أبواب العزة وصيانة الكرامة. فعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله أي الكسب أطيب؟ قال: «عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور» <رواه أحمد>. والبيع المبرور هو البيع السالم من الغش والخيانة والمخالفات الشرعية؛ فلا يكفي أن يحقق الإنسان ربحا، وإنما العبرة بأن يكون كسبه طيبا، ووسيلته مستقيمة، وذمته بريئة من الاعتداء على حقوق الآخرين.

وفي سنن ابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب الزبيدي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما كسب الرجل كسبا أطيب من عمل يده وما أنفق الرجل على نفسه وأهله وولده وخادمه فهو صدقة» <سنن ابن ماجه>. فيا لها من نعمة أن يكون إنفاقك على أهلك صدقة تؤجر عليها! إنها رحمة الله الواسعة.

ذم المسألة لغير حاجة

وقد ذم الشرع الحكيم المسألة لغير حاجة، وحذر منها أشد التحذير. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مزعة لحم» <متفق عليه>. فيا لها من صورة مروعة! من يسأل الناس من غير حاجة، يأتي يوم القيامة وقد ذهب لحم وجهه، والعياذ بالله.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر» <رواه مسلم>. فالمسألة للتكثر جمر يتحصله الإنسان في يده، والجمر يحرق! فكيف يرضى العاقل أن يجمع الجمر في يده وهو يعلم أنه يؤلمه؟

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله تعالى بها قلة» <رواه البيهقي>، وفي رواية: «ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة يسأل الناس إلا فتح الله عليه باب فقر». فالعجيب أن من يسأل ليكثر ماله، يزيده الله قلة! لأن البركة في الكسب لا في السؤال.

اليد العليا خير من اليد السفلى

وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر، وذكر الصدقة والتعفف والمسألة: «اليد العليا خير من اليد السفلى فاليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة» <رواه البخاري>. فكن يا عبد الله يدا عليا تعطي وتنفق، ولا تكن يدا سفلى تسأل وتمتد إلى الناس. فالعزة في العطاء، والذلة في السؤال.

طالب العفاف يغنيه الله

وطالب العفاف من ربه بنية صادقة سيغنيه الله بيقينه. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: إن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده، فقال: «ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر» <رواه البخاري>. فيا لها من كلمات نبوية تفتح أبواب الرزق لمن أغلقها بيده! استعفف يعفك الله، استغن بالله يغنك الله، تصبر يصبرك الله.

قصة الأنصاري الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم الاحتطاب

ومن أبلغ المواقف النبوية في التربية على العمل والإنتاج، ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فقال: «أما في بيتك شيء؟» قال: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء، قال: «ائتني بهما»، قال: فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وقال: «من يشتري هذين؟» قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال: «من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثا؟» قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري، وقال: «اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فأتني به»، فأتاه به، فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا بيده، ثم قال له: «اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما»، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع» <أخرجه الإمام أبو داود وسنده ضعيف> — ورواية أخرى بنحوه: <ابن ماجه في سننه ج 2 ص 741 حديث رقم 2198 ووضعفه الألباني في ضعيف أبي داود 1641>. فتأمل يا أخي: النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بإعطاء المال، بل أعطاه أداة العمل، وعلمه الحرفة، ودفعه إلى الإنتاج، حتى يستغني بنفسه ويصون كرامته. وهذا هو المنهج الذي يجب أن نعلمه لأبنائنا ونطبقه في مجتمعاتنا.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير من أن يأتي رجلا قد أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه» <أخرجه البخاري 1470>. وفي رواية أخرى: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» <أخرجه البخاري في كتاب البيوع باب كسب الرجل وعمله بيده 2075>. فاحمل الحطب على ظهرك، وبعه في السوق، وكل من كسب يدك، ولا تمتد إلى الناس. فوالله ما ذل من عمل، ولا عز من سأل!

أقوال في ذم البطالة والحث على العمل

ومن أقوال السلف في ذم البطالة والحث على العمل، ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إني لأكره أن أجد الرجل فارغا لا في أمر دنياه ولا في أمر آخرته». وقال عمر رضي الله عنه: «إني لأرى الرجل يعجبني فأقول هل له حرفة فإن قالوا لا سقط من عيني».

وقال الراغب الأصفهاني: «من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية بل من الحيوانية وصار من جنس الموتى ومن تعود الكسل ومال إلى الراحة فقد الراحة وقد قيل إن أردت ألا تتعب فاتعب لئلا تتعب».

وقال لقمان الحكيم لابنه: «يا بني استعن بالكسب الحلال فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال رقة في دينه وضعف في عقله وذهاب مروءته وأعظم من ذلك استخفاف الناس به».

ويقول الشاعر:

لنقل الصخر من قمم الجبال ♦♦♦ أحب إلي من منن الرجال

يقول الناس لي في الكسب عار ♦♦♦ فقلت العار في ذل السؤال

—

العنصر الثامن: دعم المنتج الوطني ومسؤولية المجتمع

تشجيع المنتج الوطني واجب وطني ومسؤولية مجتمعية

أيها المصلون، إن تشجيع المنتج الوطني يعد واجبا وطنيا ومسؤولية مجتمعية، فهو يساهم في دعم الاقتصاد الوطني، وتشجيع الصناعة المحلية، وتوفير فرص العمل للشباب، وزيادة الإنتاج، وتقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة. فكلما أقبل المواطنون على شراء المنتجات الوطنية، زادت قدرة المصانع على التطور والاستمرار، وأصبحت أيدي العاملين سببا في تقدم الوطن وازدهاره. فدعم المنتج الوطني هو دعم للعامل والمصنع والاقتصاد ومستقبل الأجيال، فالأمم لا ترتقي بالاستهلاك وحده، بل تنهض بالعمل والإنتاج والإتقان.

وقد أرست الشريعة الإسلامية أصولا واضحة لهذا المعنى؛ فجعلت توفير المصالح الضرورية للمجتمع من واجباته الكفائية، وحثت على استثمار الموارد، وإعداد أسباب القوة، وعمارة الأرض، ومنعت من إهدار الأموال وتعطيل الطاقات.

قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [المائدة، رقم: 2]. فالآية الكريمة تقرر مبدأ التعاون على كل ما فيه خير وصلاح، ومن ذلك التعاون على إقامة الصناعات النافعة، وتشجيع الإنتاج المحلي، وحماية فرص العمل، وتنمية الموارد الوطنية. فحين يحرص المستهلك على شراء المنتج الوطني الجيد، فإنه لا يحقق مصلحة فردية فحسب، بل يشارك في دعم منظومة أوسع تضم العامل والصانع والمزارع والتاجر والناقل، وهو ما يسهم في استمرار دوران عجلة الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، وفتح فرص جديدة للعمل.

وقال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ [آل عمران، رقم: 103]. نشر لروح التكافل والتراحم، وتجسيد لمعنى المجتمع المتماسك الذي لا يترك فيه القوي الضعيف، ولا ينسى فيه الموسر أخاه المحتاج.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته» <متفق عليه>. وقال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» <متفق عليه>. وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد» <رواه مسلم>. وقال صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» <رواه مسلم>. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يحقرن أحدكم من المعروف شيئا» <رواه مسلم>. وقال صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» <رواه مسلم>.

فتشجيع المنتج الوطني فيه جبر لخواطر بعضنا بعضا، وتقدير لجهود العاملين والمنتجين، ومساندة لهم في سعيهم لطلب الرزق وتحسين معيشتهم، فكلمة تشجيع أو عملية شراء قد تكون سببا في إدخال السرور على قلب صانع أو عامل. وتشجيع المنتج الوطني ليس مجرد عملية شراء وبيع، بل هو رسالة حب وتقدير ووفاء لكل يد تعمل، وكل إنسان يجتهد من أجل لقمة عيش كريمة.

إعداد القوة يقتضي امتلاك أسباب الإنتاج

ولم تجعل الشريعة القوة مجرد ادعاء أو رجاء، وإنما ربطتها بالإعداد والأخذ بالأسباب، فقال الله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون﴾ [الأنفال، رقم: 60]. فالأمر بإعداد القوة في الآية الكريمة يتضمن وجوب الأخذ بأسباب المنعة والاستعداد، وعدم الاكتفاء بمجرد التمني أو التعويل على قوة الآخرين.

قال ابن كثير عن آية الأنفال 60: «أمر بإعداد آلات الحرب لمواجهة الأعداء بحسب الطاقة والإمكان والاستطاعة» <تفسير ابن كثير>. وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم بعض صور القوة بقوله: «ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي» <رواه مسلم>. وإذا كان الرمي من أبرز صور القوة في عصر النبوة، فإن تحقيق مقصود الإعداد في واقعنا المعاصر يستلزم امتلاك الصناعات الدفاعية، وتطوير التكنولوجيا، وتوطين المعرفة، وتوفير الأدوات والمعدات والوسائل التي تحفظ أمن الأوطان وتصون مقدراتها؛ فالقوة اليوم لا تقوم على امتلاك السلاح فحسب، وإنما تحتاج إلى قاعدة صناعية وعلمية وتقنية قادرة على إنتاجه وصيانته وتطويره.

الصناعات الضرورية من فروض الكفايات

ومن دقة الفقه الإسلامي أنه لم يحصر فروض الكفايات في العلوم الشرعية أو الأعمال التعبدية، بل أدخل فيها كل علم وصناعة لا تستقيم مصالح المجتمع إلا بوجود من يتقنها، وجعل توفيرها مسؤولية جماعية بحسب الحاجة والقدرة.

وقد قرر الإمام أبو حامد الغزالي هذه القاعدة في كتابه إحياء علوم الدين فقال: «فإن أصول الصناعات أيضا من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة بل الحجامة والخياطة فإنه لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك» <إحياء علوم الدين>. وهو تأصيل فقهي بالغ الأهمية؛ إذ يقرر أن حياة المجتمع لا تستقيم بالعبادات والعلوم النظرية وحدها، وإنما تحتاج إلى أصحاب المهن والصناعات والخبرات التي تحفظ مصالح الناس وتدفع عنهم الضرر.

القرآن الكريم يلفت الأنظار إلى تحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات نافعة

ولم يقتصر التوجيه القرآني على بيان فضل الموارد التي أنعم الله بها على الإنسان، وإنما لفت النظر إلى منافعها وما يمكن أن يستخرج منها من منتجات تحقق مصالح الحياة. قال تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾ [النحل، رقم: 80]. فالآية الكريمة تذكر جانبا من نعم الله على عباده، بما جعل لهم في أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها من منافع ينتفعون بها في حياتهم.

قال ابن كثير عن آية النحل 80: «هذه المواد تتخذ منها البسط والثياب وغيرها من الأثاث وتكون مالا وتجارة ينتفع بها الناس» <تفسير ابن كثير>. وفي ذلك إشارة إلى أهمية استثمار الموارد المتاحة، وتحويل المواد الأولية إلى منتجات نافعة، وعدم الوقوف عند مجرد امتلاك الثروة الخام دون تنميتها أو تعظيم قيمتها المضافة.

تشجيع الإنتاج الزراعي والصناعي

واعتنت السنة النبوية بتشجيع الإنتاج، وأعلت من شأن الزراعة والغرس، وربطت ما يترتب عليهما من نفع للإنسان والحيوان بالأجر والثواب. عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة» <متفق عليه>. ففي هذا الحديث الشريف إشادة بالإنتاج الزراعي، وبيان لأن نفع الإنسان لا ينحصر فيما يعود عليه مباشرة، بل يمتد إلى كل كائن ينتفع بما ينتجه ويغرسه، فهو صدقة جارية إلى يوم القيامة.

ترشيد الإنفاق والمحافظة على الأموال

واعتنى الإسلام بحفظ المال، وجعله من المقاصد الكبرى التي جاءت الشريعة لصيانتها، ولم يقتصر ذلك على منع الاعتداء على أموال الآخرين، بل شمل حسن تدبير المال، ومنع إضاعته، وعدم إسراف الإنسان في إنفاقه. قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ [النساء، رقم: 5]. فقد وصف الله تعالى الأموال بأنها قوام لمصالح الناس ومعاشهم، وفي ذلك إشارة إلى أنها ليست مجرد ممتلكات فردية، وإنما هي من أسباب استقامة الحياة، وتحقيق حاجات الأفراد والمجتمعات.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كره لكم ثلاثا قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال» <متفق عليه>. وفيه نهي عن إهدار الأموال فيما لا نفع فيه، وتوجيه إلى حسن تدبيرها وإنفاقها فيما يحقق المصالح.

دعم المنتج الوطني لا يعني التعصب له أو إهدار حق المستهلك

وينبغي أن يقوم تشجيع المنتج الوطني على وعي اقتصادي وأخلاقي، لا على مجرد الشعارات أو التعصب؛ فالمقصود هو مساندة الإنتاج النافع، وتحفيز الصناعات المحلية على التطور، وليس منح أي منتج محلي حصانة من النقد أو الإعفاء من معايير الجودة والمنافسة. ومن ثم فإن دعم المنتج الوطني ينبغي أن يراعي جملة من الضوابط، أهمها: جودة المنتج وسلامته، ومناسبته لحاجة المستهلك، وعدالة سعره، والتزامه بالمواصفات والمعايير المطلوبة، وعدم استغلال رغبة الناس في دعمه لتحقيق أرباح مبالغ فيها. فالمستهلك له حق في الحصول على منتج جيد بسعر عادل، والصانع مطالب بتحسين إنتاجه وتطويره، والتاجر مطالب بالصدق والأمانة، والدولة مسؤولة عن توفير بيئة تنافسية تمنع الاحتكار والغش والتلاعب بالأسعار.

مسؤولية الفرد في دعم المنتج الوطني وترشيد الاستهلاك

والمواطن الواعي يدرك أن إنفاقه ليس سلوكا فرديا معزولا عن مصالح المجتمع، وإنما هو جزء من حركة اقتصادية أوسع؛ ولذلك يحرص على تفضيل المنتج الوطني الجيد متى كان مناسبا من حيث الجودة والسعر، ويتجنب الإسراف والتبذير، ويحرص على المحافظة على المنتجات والموارد، ولا يشارك في نشر معلومات مضللة عن الصناعات المحلية، بل يوجه النقد الموضوعي الذي يساعد على تحسينها وتطويرها. كما ينبغي أن يدرك أن دعم المنتج الوطني لا يكون بمجرد شرائه، بل كذلك بتقدير العاملين في الصناعة، وتشجيع أصحاب المشروعات الصغيرة، ودعم الابتكار، واحترام أصحاب المهن، ونشر ثقافة الاعتزاز بالإنتاج والعمل.

—

العنصر التاسع: ثمار العمل والكسب الحلال

الثمرة الأولى: امتثال أمر الله تعالى

إن للعمل والكسب الحلال ثمارا عظيمة، أولها: امتثال أمر الله تعالى، حيث أمرنا ربنا بالعمل وحثنا على ذلك. قال سبحانه: ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور﴾ [الملك، رقم: 15]. فالسعي في السبب لا ينافي التوكل، بل هو من تمام العبودية. وقد أباح سبحانه السعي في الأرض طلبا للحلال: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ [الجمعة، رقم: 10]. فمن عمل فهو مطيع لله، مستجيب لأمره، ومن ترك العمل وهو قادر فهو عاص لأمره.

الثمرة الثانية: أجر المجاهد في سبيل الله

ومن ثمار العمل والكسب الحلال أن العامل ينال أجر المجاهد في سبيل الله، وذلك من فضل الله تعالى. يقول سبحانه: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾ [المزمل، رقم: 20]. قال القرطبي في تفسير هذه الآية: «سوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه وعياله، فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد، لأنه جمعه مع الجهاد في سبيل الله» <الجامع لأحكام القرآن>. فيا لها من منزلة عظيمة! أن يكون عملك وكسبك لأهلك بمنزلة الجهاد في سبيل الله!

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع شاب من الثنية، فلما رأيناه رميناه بأبصارنا، فقلنا: لو أن هذا الشاب جعل شبابه ونشاطه وقوته في سبيل الله! فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «وما سبيل الله إلا من قتل؟ من سعى على والديه ففي سبيل الله، ومن سعى على عياله ففي سبيل الله، ومن سعى مكاثرا ففي سبيل الطاغوت» <أخرجه الطبراني في الأوسط 4/284 رقم 4214 والبيهقي في الكبرى 9/25 رقم 17602 وأخرجه أيضا في شعب الإيمان 7/299 رقم 10377>، وفي رواية: «سبيل الشيطان». فسعيك على والديك وعيالك جهاد، وسعيك للتكاثر والمفاخرة سبيل الشيطان.

الثمرة الثالثة: التشبه بالأنبياء

ومن ثمار العمل أن العامل يتشبه بالأنبياء والمرسلين، وقد أمرنا الله تعالى بالاقتداء بهم: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام، رقم: 90]. فالعمل شرف واقتداء بصفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين. وقد رأينا كيف كان لكل نبي مهنة وحرفة، فمن عمل فهو على خطاهم يسير.

الثمرة الرابعة: إعفاف النفس عن مسألة الناس

ومن ثمار العمل والكسب أن يعف العامل نفسه عن مسألة الناس والوقوف على أبوابهم، فالمسألة مذلة للسائل تريق ماء وجهه. وقد سبق حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» <أخرجه البخاري>. فاحمل الحطب على ظهرك، وبعه في السوق، وكل من كسب يدك، ولا تمتد إلى الناس. فوالله ما ذل من عمل، ولا عز من سأل!

الثمرة الخامسة: نيل أجر الصدقة

ومن ثمار العمل أن العامل يعمل فيأكل هو وأهله ويتصدق، فيكون ذلك كله في موازين حسناته صدقات. حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على كل مسلم صدقة» قال: أرأيت إن لم يجد؟ قال: «يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق» قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف» قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: «يأمر بالمعروف أو الخير» قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: «يمسك عن الشر فإنها صدقة» <أخرجه البخاري كتاب الأدب باب كل معروف صدقة 8/11 رقم 6022 ومسلم كتاب الكسوف باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف 2/699 رقم 1008>. فانظر كيف جعل العمل باليد صدقة، والإعانة صدقة، والأمر بالمعروف صدقة، والإمساك عن الشر صدقة. فالحياة كلها صدقة لمن أحسن.

وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: جاءه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده وهو بمكة وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله سعد ابن عفراء» ولم يكن له إلا ابنة واحدة، فقال: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال: «لا» قال: فالنصف؟ قال: «لا» قال: فالثلث؟ قال: «الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون في أيديهم وإنك مهما تنفق من نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة التي ترفعها في في امرأتك ولعل الله أن يرزقك فينتفع بك أناس ويضر بك آخرون» <البخاري في صحيحه 56 و3936>. فيا لها من نظرة نبوية عميقة للإنفاق والإنتاج والاستغناء!

الثمرة السادسة: الأخذ بالأسباب مع التوكل

ومن ثمار العمل أن العامل يأخذ بالأسباب التي شرعها الله وحثنا عليها، فيتوكل على الله ولا يتواكل. وقد سبق حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا» <جامع الأحاديث 18/104 أخرجه ابن المبارك في الزهد ص196 رقم 559 والطيالسى ص11 رقم 51 وأحمد 1/30 رقم 205 والترمذي 4/573 رقم 2344 وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح 310>. فالطير لا تجلس في عشها تنتظر الرزق، بل تغدو وتروح، ومع ذلك فهي متوكلة على الله. فكن كالطير: سعي وتوكل.

الثمرة السابعة: أن يكون المطعم حلالا فيقبل العمل

ومن شروط قبول الأعمال المطعم الحلال. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك» <أخرجه أحمد 2/328 رقم 8330 ومسلم 2/703 رقم 1015 والترمذي 5/220 رقم 2989>. فيا من تدعو وتسأل، اطييب مطعمك يستجب دعاؤك. فإن الحرام يسد أبواب السماء.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعيد بن أبي وقاص: «أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة» <جامع الأحاديث 4/482 أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد 10/291 قال الهيثمي فيه من لم أعرفهم وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط 6/310 رقم 6495 ضعيف جدا ضعفه الألباني في الضعيفة رقم 1812>.

وعن مالك بن دينار رحمه الله قال: أصاب بني إسرائيل بلاء وقحط فخرجوا يضجون فأوحى الله إلى نبي من أنبيائهم أن أخبرهم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة وأيد قد سفكتم بها الدماء وملأتم بطونكم من الحرام الآن حين اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعدا. وقال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طرقها بالمعاصي. وعن وهب بن منبه رحمه الله قال: من سره أن يستجيب الله دعوته فليطب طعمته.

الثمرة الثامنة: نيل مغفرة الله تعالى

ومن ثمار العمل والكسب الحلال أن الله تعالى يغفر للعامل. عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بات كالا من طلب الحلال بات مغفورا له» <الجامع الصغير من حديث البشير النذير ط-أخرى 2/320 قال الألباني صحيح>. فيا لها من بشارة! تعمل وتتعب في طلب الحلال، فتنام مغفورا لك. هذا هو الفوز العظيم.

الثمرة التاسعة: أن تعمل لتنهض الأمة

ومن ثمار العمل أن العامل يعمل لتنهض أمته. فإن ارتفاع الأمم وهبوطها، وبقاءها واندثارها يرتبط ارتباطا كبيرا بعمل أبنائها وتطلعاتهم واهتماماتهم. فلن ترتقي أمة يميل أبناؤها إلى الدعة والراحة والسكون. والعمل الجاد هو الركيزة الأساسية لنهضة الأمم والشعوب ومواكبة التطور الشامل. وما تخلفت الأمة في الآونة الأخيرة إلا بتركها العمل الجاد وركون أبنائها إلى الدعة والاعتماد على ما يقدمه الغير لها من صناعات وآلات فأصبحت الأمة عالة على غيرها يتحكم فيها الغير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكما قال الشيخ الشعراوي رحمه الله: «لن تكون كلمتنا من رأسنا إلا إذا كانت لقمتنا من فأسنا».

والله تعالى أمرنا بإعداد العدة فقال سبحانه: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون﴾ [الأنفال، رقم: 60]، ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم﴾ [الأنفال، رقم: 61]. فالقوة اليوم لا تقوم على امتلاك السلاح فحسب، وإنما تحتاج إلى قاعدة صناعية وعلمية وتقنية قادرة على إنتاجه وصيانته وتطويره. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم بعض صور القوة بقوله: «ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي» <رواه مسلم>.

الثمرة العاشرة: القضاء على البطالة والتسول

وختاما لهذه الثمار العشر، نعمل حتى نقضي على البطالة والتسول. فقد جاء الإسلام وحث أتباعه على العمل، واعتبر البطالة ظاهرة سلبية. يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إني لأكره أن أجد الرجل فارغا لا في أمر دنياه ولا في أمر آخرته». وقد رأينا كيف علم النبي صلى الله عليه وسلم الأنصاري العمل بدلا من السؤال، وكيف حذر من المسألة لغير حاجة.

—

العنصر العاشر: العمل الصالح نعم الصاحب في الدنيا والآخرة

مفهوم العمل الصالح

وقبل أن نختم، لابد أن نبين أن العمل الصالح ليس مجرد الأعمال التعبدية المحضة فقط، بل يشمل كل عمل دنيوي نافع إذا كان موافقا للشرع وخالصا لوجه الله. قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا﴾ [الكهف، رقم: 107]. قال السعدي: «{الذين آمنوا} بقلوبهم {وعملوا الصالحات} بجوارحهم فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة ووصفت أعمال الخير بالصالحات لأن بها تصلح أحوال العبد وأمور دينه ودنياه» <تفسير السعدي 46>. فالعمل الصالح أوسع من العبادات المحضة، ويشمل كل جهد دنيوي نافع إذا انضبط بالشرع وصحت النية.

العمل الصالح نعم الصاحب في الدنيا

والعمل الصالح نعم الصاحب في الدنيا، فإن من أكثر من الأعمال الصالحة حصد ثمارا عظيمة. قال تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ [النحل، رقم: 97]. قال ابن كثير: «هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه من ذكر أو أنثى من بني آدم وقلبه مؤمن بالله ورسوله» <تفسير ابن كثير 4/601>. فالحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت.

ومن ثمار العمل الصالح في الدنيا حفظ الأهل والذرية والأموال. قال تعالى: ﴿وليش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا﴾ [النساء، رقم: 9]. فإذا أردت أن تؤمن مستقبل أولادك، فلا يكون ذلك بكثرة الأموال أو الأطيان أو العقارات فقط، وإنما يكون ذلك بطاعة رب الأرض والسماوات، وأن تقيهم وتحمي نفسك بالتقوى.

ومنها أن العمل الصالح سبب لحب الله عز وجل لعبده وحمايته وحفظه له، والتوفيق والإعانة والنصرة واستجابة الدعاء. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قال من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه» <صحيح البخاري 6502>. قال ابن حجر: «اتفق العلماء ممن يعتد بقوله أن هذا مجاز وكناية عن نصر العبد وتأييده وإعانته والمعنى توفيق الله لعبده في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء» <فتح الباري 11/344>. فيا لها من مرتبة عظيمة! أن يكون الله سمعك وبصرك ويدك ورجلك، فتسمع به وتبصر به وتبطش به وتمشي به. هذا هو الفوز العظيم.

ومنها أن العمل الصالح يورث الود في قلوب الخلق. قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا﴾ [مريم، رقم: 96]. فمن أحسن عمله أحبه الناس، وألقى الله له القبول في الأرض.

العمل الصالح يصحبك في القبر

والعمل الصالح يصحبك في القبر. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله» <صحيح البخاري 6514 وصحيح مسلم 2960>. فيا من بدنياه اشتغل وغره طول الأمل، الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل، الكل سيترك في القبر من مال وولد إلا عملك، سيصحبك العمل الصالح ويدفع عنك في القبر ولا يتخلى عنك.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه وكان الصيام عن يمينه وكانت الزكاة عن شماله وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام ما قبلي مدخل ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة ما قبلي مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس ما قبلي مدخل فيقال له اجلس فيجلس وقد مثلت له الشمس قد آذنت للغروب فيقال له أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه وماذا تشهد به عليه فيقول دعوني حتى أصلي فيقول إنك ستفعل أخبرني عما نسألك عنه أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه وماذا تشهد عليه فيقول محمد أشهد أنه رسول الله وأنه جاء بالحق من عند الله فيقال له على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسرورا ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له هذا مقعدك منها وما أعد الله لك فيها لو عصيته فيزداد غبطة وسرورا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه ويعاد الجسد لما بدأ منه فيجعل نسمته في النسيم الطيب وهي طير تعلق في شجر الجنة قال فذلك قوله تعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة» <صحيح الترغيب 3561 صحيح ابن حبان 3113>. فيا لها من صورة تبكي القلوب! الصلاة والصيام والزكاة وفعل الخيرات كلها تحرسك في قبرك، تمنع عنك كل سوء، وتبشرك بالخير. فنعم الصاحب العمل الصالح!

وفي المقابل، العمل الخبيث من الذنوب والمعاصي يكون معك في القبر. عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول وأنت فبشرك الله بالشر من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فوالله ما علمت إلا كنت بطيئا عن طاعة الله سريعا إلى معصية الله فجزاك الله شرا ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابا فيضربه ضربة حتى يصير بها ترابا ثم يعيده الله كما كان فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين ثم يفتح له باب من النار ويمهد من فرش النار فيقول رب لا تقم الساعة» <مسند أحمد 18534 أحكام الجنائز للألباني 159>. فيا من يعمل السوء ويظن أنه سينجو، تذكر أن عملك الخبيث سيصحبك في قبرك ويعذبك. فأي الصاحبين تختار؟

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير قال… ويمثل له عمله في صورة رجل حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب فيقول أبشر بما أعد الله عز وجل لك أبشر برضوان الله وجنات فيها نعيم مقيم فيقول بشرك الله بخير من أنت فوجهك الوجه الذي جاء بالخير فيقول هذا يومك الذي كنت توعد والأمر الذي كنت توعد أنا عملك الصالح فوالله ما علمتك إلا كنت سريعا في طاعة الله بطيئا عن معصية الله فجزاك الله خيرا فيقول يا رب أقم الساعة كي أرجع إلى أهلي ومالي <مسند أبي داود الطيالسى 789>. فيا لها من بشارة! عملك الصالح يأتيك في صورة رجل حسن الوجه طيب الريح، يبشرك برضوان الله وجنات فيها نعيم مقيم.

العمل الصالح لن يتخلى عنك يوم القيامة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى