جريمة جبل جلود تهز الضمير العام وتضع العدالة أمام اختبار حقيقي… امرأة تُقتل ورضيعة تواجه اليتم وأسئلة الحماية والمحاسبة تعود إلى الواجهة

**بقلم إيمان مزريقي**
لم تعد جرائم العنف المسلط على المرأة مجرد وقائع إجرامية عابرة يمكن اختزالها في أخبار الحوادث أو التعامل معها باعتبارها خلافات أسرية تنتهي بانتهاء التحقيقات الأمنية بل أصبحت تمثل قضية حقوقية وقانونية وأمنية ومجتمعية تستوجب مساءلة جادة حول مدى فاعلية منظومة الوقاية والحماية والمحاسبة وفي هذا السياق تأتي الجريمة التي شهدتها منطقة جبل جلود بالعاصمة التونسية ليلة الأحد 1 نوفمبر 2026 لتعيد إلى الواجهة واحدة من أخطر صور العنف ضد المرأة حين يتحول المنزل الذي يفترض أن يكون فضاء للأمان إلى مسرح لاعتداء ينتهي بإزهاق روح إنسانة وترك رضيعة في أشهرها الأولى أمام مأساة لا يمكن اختزال آثارها في مجرد واقعة قتل فقد أودت هذه الجريمة بحياة امرأة على يد زوجها وفق المعطيات الأولية المنشورة يوم الاثنين 2 نوفمبر 2026 بعد تعرضها للتقييد والاعتداء عليها بطعنات بآلة حادة في ظروف بالغة الخطورة تاركة وراءها رضيعة لم يتجاوز عمرها ثلاثة أشهر وجدت بالقرب منها في مشهد يختصر حجم المأساة الإنسانية التي خلفتها الواقعة.
وبالعودة إلى تفاصيل الحادثة فقد أفادت المعطيات الإعلامية الأولية بأن أعوان الأمن كانوا بصدد القيام بدورية ميدانية روتينية بمنطقة جبل جلود بهدف حفظ الأمن والسكينة العامة قبل أن تلفت انتباههم أصوات شجار حاد وصراخ صادر من إحدى البنايات السكنية وبمجرد التحول إلى مصدر الأصوات وصعود الأعوان إلى الطابق الخامس عثروا على الضحية مقيدة ومصابة بجروح خطيرة جراء طعنات بآلة حادة وكانت وفق الرواية المنشورة لا تزال تصارع إصاباتها قبل أن تفارق الحياة متأثرة بجراحها فيما كانت رضيعتها بالقرب منها وعلى إثر ذلك انطلقت التحريات الميدانية وعمليات البحث التي أفضت إلى تحديد هوية الزوج المشتبه به وإلقاء القبض عليه بعد فراره من مكان الواقعة ليتم الاحتفاظ به على ذمة الأبحاث بإذن من النيابة العمومية ومباشرة الإجراءات القضائية اللازمة لكشف جميع ملابسات الجريمة وتحديد المسؤوليات القانونية المترتبة عنها.
غير أن خطورة القضية لا تكمن في فعل الاعتداء وحده بل تتضاعف بالنظر إلى ما ورد في التصريحات الأولية المنسوبة إلى عضو المجلس المحلي بجبل جلود بشأن تعرض الضحية سابقا إلى العنف والتهديدات بالقتل من زوجها وهي معطيات تفرض على البحث القضائي التوسع في دراسة الظروف السابقة للجريمة وعدم الاقتصار على معاينة آثار الاعتداء الأخير ذلك أن التهديد بالقتل متى كان جديا ومعلوما لا يمكن اعتباره مجرد انفعال عابر أو خلاف زوجي قابل للتجاوز بل يمثل مؤشرا يستوجب التقييم الفوري لمستوى الخطر واتخاذ التدابير الوقائية اللازمة لحماية المعنية بالأمر ومن هنا يصبح من الضروري التثبت من وجود شكايات أو إشعارات سابقة ومن الجهات التي ربما تلقتها ومن طبيعة الإجراءات المتخذة بشأنها ومدى تفعيل آليات الحماية القانونية دون إصدار أحكام مسبقة بشأن أي جهة أو تحميل مسؤولية لم تثبتها التحقيقات.
وفي هذا الإطار تكتسب بعض التصريحات المنقولة عن عضو المجلس المحلي أهمية خاصة بعدما تحدث عن تهديدات شديدة الخطورة نُسبت إلى الزوج تجاه زوجته وعن تهديده بأنه سيحمل رأسها إلى والدتها في حال تقدمت بشكاية ضده وهي أقوال تستوجب التثبت منها ضمن البحث القضائي واستجلاء مدى تكرار الاعتداءات والظروف التي كانت تعيشها الضحية قبل وفاتها كما ورد في التصريحات ذاتها حديث عن احتمال ارتباط الجريمة باستهلاك مواد مخدرة وهو ما يتطلب إخضاع المشتبه به للفحوص والتحاليل الطبية والفنية اللازمة حتى لا يتحول الادعاء إلى حقيقة مفترضة قبل إثباته فالحديث عن تعاطي المخدرات لا يعفي من المسؤولية الجزائية ولا ينشئ بذاته سببا قانونيا يبرر الاعتداء على الحياة كما لا يجوز استعماله لتخفيف جسامة الفعل خارج ما يقرره القانون وما تثبته الخبرة القضائية.
ومن مقتضيات الأمانة الصحفية والقانونية كذلك الفصل بين الوقائع التي أوردتها التقارير الإعلامية وبين التفاصيل التي انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي إذ لا تتضمن المعطيات المنشورة المتاحة ما يثبت بصورة قضائية ادعاءات التعذيب المتواصل لثلاثة أيام أو قلع الأظافر أو الحرق بالسجائر أو فقدان إحدى الكليتين كما لا يجوز اعتماد الروايات المتضاربة بشأن عدد الأبناء أو أعمارهم دون تثبيت رسمي فبشاعة الجريمة الثابتة لا تحتاج إلى إضافات غير موثقة حتى تستوجب أقصى درجات الإدانة والمحاسبة واحترام الحقيقة جزء من احترام الضحية وصيانة كرامتها ومن واجب الإعلام أن ينقل الوقائع بدقة وألا يحول المأساة إلى مادة للمبالغة أو الإثارة على حساب المعطيات القضائية.
وعلى المستوى القانوني فإن تونس تمتلك منظومة تشريعية متقدمة نسبيا في مجال مكافحة العنف ضد المرأة فقد صدر القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المؤرخ في 11 أوت 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة بهدف وضع التدابير الكفيلة بالقضاء على مختلف أشكال العنف القائم على التمييز بين الجنسين واعتماد مقاربة شاملة تجمع بين الوقاية وتتبع مرتكبي الجرائم ومعاقبتهم وحماية الضحايا والتعهد بهن وهو ما نص عليه الفصل الأول من هذا القانون فيما أكد الفصل الثاني أن أحكامه تشمل مختلف أشكال التمييز والعنف المسلط على المرأة مهما كانت صفة مرتكبه أو المجال الذي يمارس فيه أما الفصل الثالث فقد قدم تعريفا واسعا للعنف ضد المرأة يشمل الاعتداء المادي والمعنوي والجنسي والاقتصادي والتهديد والضغط والحرمان من الحقوق والحريات سواء في الحياة العامة أو الخاصة وهو ما يجعل التهديد والعنف النفسي والاعتداء الجسدي حلقات ضمن منظومة قانونية واحدة لا يجوز فصلها عن بعضها عند تقييم المخاطر وتحديد المسؤوليات.
وتتأكد أهمية هذا القانون من خلال الفصل 13 الذي أقر للمرأة ضحية العنف وللأطفال المقيمين معها جملة من الحقوق الأساسية من بينها الحماية القانونية المناسبة لطبيعة العنف المرتكب وضمان الأمن والسلامة الجسدية والنفسية والكرامة والنفاذ إلى المعلومة والإرشاد القانوني والإعانة العدلية والتعويض العادل والمتابعة الصحية والنفسية والمرافقة الاجتماعية والإيواء الفوري في حدود الإمكانيات المتاحة كما جاء الفصل 14 ليحمل كل شخص بمن في ذلك الخاضع للسر المهني واجب إشعار الجهات المختصة حال علمه أو مشاهدته حالة عنف أو معاينة آثارها مع توفير الحماية القانونية لمن يقوم بالإشعار بحسن نية ومنع الكشف عن هويته إلا برضاه أو متى اقتضت الإجراءات القانونية ذلك وهي أحكام تؤكد أن العنف ضد المرأة ليس شأنا خاصا يمنع المحيط الاجتماعي أو المؤسسات من التدخل فيه وأن واجب الإشعار والحماية لا ينبغي أن يتوقف أمام الاعتبارات الاجتماعية أو الضغوط العائلية.
وعلاوة على ذلك وضع المشرع آليات مؤسساتية واضحة للتدخل فقد نص الفصل 22 من القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 على تكليف وكيل الجمهورية مساعدا له أو أكثر لتلقي الشكاوى المتعلقة بالعنف ضد المرأة ومتابعة الأبحاث فيها كما أوجب الفصل 23 تخصيص فضاءات مستقلة داخل المحاكم الابتدائية تضم القضاة المختصين في قضايا العنف ضد المرأة على مستوى النيابة العمومية والتحقيق وقضاء الأسرة أما الفصل 24 فقد أقر إحداث وحدة مختصة بالبحث في جرائم العنف ضد المرأة بكل منطقة أمن وطني وحرس وطني في جميع الولايات مع ضرورة أن تضم عناصر نسائية ووضع سجل خاص بهذه الجرائم على ذمتها كما ألزم الفصل 25 أعوان هذه الوحدات بالتحول فورا إلى مكان الواقعة عند تلقي بلاغ أو إشعار بحالة تلبس بجريمة عنف ضد المرأة بعد إعلام وكيل الجمهورية.
واستكمالا لهذه الضمانات أوجب الفصل 26 إعلام الضحية بجميع حقوقها القانونية بما فيها حقها في طلب الحماية من قاضي الأسرة كما أتاح للوحدة المختصة بعد الحصول على إذن من وكيل الجمهورية اتخاذ تدابير استعجالية لحمايتها وحماية الأطفال المقيمين معها من بينها نقلهم عند الضرورة إلى أماكن آمنة ونقل الضحية لتلقي الإسعافات الأولية وإبعاد المشتبه به من المسكن أو منعه من الاقتراب من الضحية أو التواجد بالقرب من محل سكناها أو مقر عملها عند وجود خطر ملموس على سلامتها أو سلامة أطفالها وأوجب الفصل 27 رفع تقارير دورية كل ستة أشهر حول محاضر العنف المتعهد بها ومآلها إلى سلطة الإشراف الإدارية والقضائية والمرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة وهو ما يطرح أهمية التثبت من مدى انتظام التقارير ونجاعة التدخلات ومآل الإشعارات التي تسبق الاعتداءات الخطيرة.
أما من زاوية التكييف الجزائي فإن المجلة الجزائية التونسية تميز بين صور القتل العمد والاعتداءات التي تفضي إلى الوفاة دون قصد القتل وهو تمييز جوهري في تحديد العقوبة المستوجبة إذ ينص الفصل 201 على عقوبة الإعدام في حق كل من يرتكب عمدا مع سابقية القصد قتل نفس بأي وسيلة كانت ويحدد الفصل 202 مفهوم سابقية القصد باعتبارها النية التي تكونت قبل مباشرة الاعتداء على ذات الغير كما يقرر الفصل 204 عقوبة الإعدام في بعض صور القتل العمد المرتبطة بجريمة أخرى عندما تتوفر الشروط التي حددها النص ويقر الفصل 205 عقوبة السجن بقية العمر في حالات القتل التي لا تشملها الأحكام السابقة وعليه فإن تحديد الوصف الجزائي النهائي في جريمة جبل جلود يقتضي البحث في طبيعة الفعل والقصد الجنائي والظروف السابقة له ونتائج الخبرة الطبية والتشريحية ومدى توافر عنصر سابقية القصد فلا يكفي عدد الطعنات وحده لاستنتاج التخطيط المسبق وإنما يتعين تقدير مجموع القرائن والأدلة والوقائع المادية التي تعرض على المحكمة.
وفي السياق ذاته أدخل القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 تنقيحا جوهريا على الفصل 208 من المجلة الجزائية بإقرار الفصل 208 جديد الذي يعاقب بالسجن مدة عشرين عاما مرتكب الضرب أو الجرح الواقع عمدا دون قصد القتل إذا نتج عنه الموت ويرفع العقاب إلى السجن بقية العمر في حالات مشددة من بينها أن يكون الفاعل أحد الزوجين أو أحد المفارقين أو أحد الخطيبين أو الخطيبين السابقين أو أن تكون للفاعل سلطة على الضحية أو أن يكون الاعتداء مصحوبا باستعمال السلاح أو التهديد به أو أن يكون مسبوقا بالنية في الضرب والجرح أو أن تكون الضحية في حالة استضعاف وفق الشروط القانونية المحددة وبذلك يتضح أن الصفة الزوجية ليست حصانة من العقاب ولا سببا للتخفيف بل قد تكون ظرفا مشددا في الصورة التي ينطبق عليها الفصل 208 جديد وهو ما يقتضي من القضاء التثبت من القصد الجنائي والظروف القانونية المنطبقة قبل إصدار التكييف النهائي.
ومن جهة أخرى فإن دستور الجمهورية التونسية الصادر في 25 جويلية 2022 وضع حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية ضمن الحقوق الدستورية الأساسية فقد نص الفصل 23 على المساواة بين المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات وأمام القانون دون تمييز وأكد الفصل 24 أن الحق في الحياة مقدس ولا يجوز المساس به إلا في الحالات القصوى التي يحددها القانون كما نص الفصل 25 على التزام الدولة بحماية كرامة الإنسان وسلامته الجسدية ومنع التعذيب المعنوي والمادي وفيما يتعلق بالحماية الخاصة بالنساء والأطفال فقد ألزم الفصل 51 الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعزيزها والنهوض بها وضمان تكافؤ الفرص بينها وبين الرجل في مختلف المسؤوليات والمجالات واتخاذ التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف المسلط عليها فيما ضمن الفصل 52 حقوق الطفل وأوجب على الدولة توفير مختلف أشكال الحماية دون تمييز ووفقا لمبدأ المصلحة الفضلى للطفل وهذه الأحكام تجعل حماية النساء والأطفال التزاما دستوريا مباشرا لا يمكن اختزاله في البرامج الظرفية أو التصريحات العامة.
وبالانتقال إلى وضعية الرضيعة التي وجدت بالقرب من والدتها فإن القضية تفرض معالجة مستقلة لا تقل أهمية عن المساءلة الجزائية للمتهم إذ إن وفاة الأم في ظروف مأساوية والاحتفاظ بالأب على ذمة التحقيق يضع الطفلة أمام وضعية اجتماعية وقانونية تستوجب تدخلا عاجلا من الهياكل المختصة لضمان الرعاية والإحاطة الصحية والنفسية وتحديد الوضعية العائلية الآمنة التي تحفظ حقوقها ومستقبلها وفي هذا المجال ينص القانون عدد 92 لسنة 1995 المؤرخ في 9 نوفمبر 1995 المتعلق بإصدار مجلة حماية الطفل في فصله الثاني على حق الطفل في التمتع بالتدابير الوقائية ذات الصبغة الاجتماعية والتعليمية والصحية لحمايته من جميع أشكال العنف والضرر والإيذاء البدني والمعنوي والجنسي والإهمال كما يوجب الفصل الرابع اعتبار مصلحة الطفل الفضلى عنصرا أساسيا في جميع الإجراءات التي تتخذ بشأنه من قبل المحاكم والسلطات الإدارية ومؤسسات الرعاية الاجتماعية وهو ما يجعل التعهد بالرضيعة واجبا قانونيا واجتماعيا وليس مجرد إجراء إنساني ظرفي.
ويتعزز هذا الالتزام من خلال اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل التي صادقت عليها تونس بموجب القانون عدد 92 لسنة 1991 المؤرخ في 29 نوفمبر 1991 إذ ينص الفصل الثالث من الاتفاقية على وجوب إعطاء المصلحة الفضلى للطفل الاعتبار الأول في جميع الإجراءات المتعلقة به ويؤكد الفصل السادس حق الطفل في الحياة والبقاء والنماء بينما يلزم الفصل 19 الدول الأطراف باتخاذ التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتربوية المناسبة لحماية الطفل من مختلف أشكال العنف والإيذاء والإهمال وسوء المعاملة وهذه الالتزامات تجعل حماية الرضيعة في هذه القضية مسؤولية مشتركة بين القضاء ومندوب حماية الطفولة والهياكل الاجتماعية والصحية بما يضمن لها الرعاية والاستقرار وصيانة كرامتها وحقوقها.
ولا تتوقف الالتزامات القانونية لتونس عند التشريع الوطني فقد صادقت الدولة على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بموجب القانون عدد 68 لسنة 1985 المؤرخ في 12 جويلية 1985 كما اتخذت سنة 2011 قرارا بسحب جملة من التحفظات المتعلقة بعدد من أحكام الاتفاقية وأودعت إشعارها لدى الأمين العام للأمم المتحدة في 17 أفريل 2014 وهو ما عزز التزاماتها الدولية في مجال المساواة وعدم التمييز وتكريس الحماية القانونية للمرأة وتفرض الاتفاقية على الدول الأطراف اتخاذ التدابير التشريعية والإدارية والقضائية المناسبة للقضاء على التمييز وضمان الحماية الفعلية للنساء.
وفي الإطار الإفريقي وافقت تونس على الانضمام إلى بروتوكول الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب بشأن حقوق المرأة في أفريقيا المعروف ببروتوكول مابوتو بمقتضى القانون الأساسي عدد 33 لسنة 2018 المؤرخ في 6 جوان 2018 وصدر الأمر الرئاسي عدد 61 لسنة 2018 في التاريخ نفسه للمصادقة على الانضمام إلى هذا البروتوكول الذي يكرس حماية المرأة من العنف وضمان حقها في الحياة والسلامة والكرامة ويدعو الدول إلى اعتماد التدابير التشريعية والمؤسساتية اللازمة لمنع الاعتداءات ومحاسبة مرتكبيها وهو ما يؤكد أن مكافحة العنف ضد المرأة ليست التزاما وطنيا فحسب بل جزء من منظومة الالتزامات الدولية والإفريقية التي تعهدت تونس باحترامها.
وعلى مستوى الآليات الوطنية فقد أُحدث المرصد الوطني لمناهضة العنف ضد المرأة بمقتضى الفصل 40 من القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 وتم ضبط تنظيمه الإداري والمالي وطرق سيره بموجب الأمر الحكومي عدد 126 لسنة 2020 المؤرخ في 25 فيفري 2020 وقد أسند الفصل الثالث من هذا الأمر إلى المرصد مهمة تجميع المعطيات حول حالات العنف ورصد الظاهرة وتوثيق آثارها ومتابعة تنفيذ التشريعات والسياسات وتقييم نجاعتها وإجراء البحوث والدراسات اللازمة كما ألزم الفصل الرابع المرصد بتلقي التقارير والبيانات من الوزارات والهياكل العمومية وإعداد تقرير سنوي يتضمن إحصائيات العنف وظروف استقبال الضحايا وإيوائهن ومتابعتهن ومرافقتهم وإدماجهن ومآل قرارات الحماية والدعاوى والأحكام ذات الصلة والاقتراحات الكفيلة بتطوير آليات المكافحة ومن هنا تبرز ضرورة ألا تتحول التقارير إلى مجرد وثائق إدارية تحفظ في الأرشيف بل يجب أن تكون أدوات تقييم ومحاسبة وقياس حقيقي لمدى نجاعة التدخلات.
وتكميلا لمنظومة التعهد صدر الأمر الحكومي عدد 582 لسنة 2020 المؤرخ في 14 أوت 2020 المتعلق بمراكز التعهد بالنساء والأطفال ضحايا العنف ليضبط شروط إحداث هذه المراكز وطرق عملها وجودة الخدمات المقدمة للمتضررات والأطفال الذين يرافقونهن وقد حدد هذا الإطار التنظيمي جملة من الخدمات التي تشمل الاستقبال والتوجيه والإرشاد القانوني والمرافقة والمتابعة الصحية والنفسية والاجتماعية وضمان الاتصال بالهياكل الأمنية والقضائية المختصة وبذلك يصبح من الضروري تقييم مدى توفر هذه المراكز في مختلف الجهات ومدى قدرتها على الاستجابة للحالات المستعجلة وتوفير الإيواء الآمن للنساء المهددات وأطفالهن باعتبار أن الحماية لا تتحقق بمجرد وجود نص قانوني وإنما بقدرة المؤسسات على تقديم الخدمة في الوقت المناسب والمكان المناسب.
ومن أجل فهم حجم الظاهرة التي تتحرك ضمنها هذه الجريمة لا بد من العودة إلى المؤشرات الإحصائية الوطنية فقد أنجز المعهد الوطني للإحصاء في نهاية سنة 2022 وبمساندة صندوق الأمم المتحدة للسكان مسحا وطنيا حول العنف ضد المرأة شمل عينة ممثلة من 11610 أسر واستهدف النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15 و74 سنة وقد عرضت النتائج الأولية يوم 7 مارس 2024 وأظهرت أن 84.7 بالمائة من النساء المستجوبات تعرضن منذ بلوغ سن الخامسة عشرة إلى فعل واحد على الأقل من أفعال العنف بمختلف أشكاله كما أفادت 57.1 بالمائة منهن بتعرضهن إلى واقعة عنف خلال الاثني عشر شهرا السابقة للمسح وهي مؤشرات تكشف اتساع الظاهرة واستمرارها رغم التطور التشريعي الذي عرفته البلاد.
وبمزيد تفصيل لهذه النتائج سجل العنف المعنوي بمكونيه النفسي واللفظي أعلى نسب الانتشار خلال الاثني عشر شهرا السابقة للمسح بنسبة إجمالية بلغت 49.3 بالمائة تلاه العنف الجنسي بنسبة 15.6 بالمائة ثم العنف الاقتصادي بنسبة 11.4 بالمائة والعنف الجسدي بنسبة 5.3 بالمائة كما أظهرت النتائج أن 14.4 بالمائة من أفعال العنف المسجلة خلال الفترة ذاتها ارتكبت في الفضاء الافتراضي عبر شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال وأفادت 42.7 بالمائة من النساء المتزوجات أو المطلقات أو الأرامل بتعرضهن إلى فعل واحد على الأقل من العنف من الزوج أو الزوج السابق وهذه الأرقام لا تمثل عدد جرائم القتل ولا يجوز التعامل معها باعتبارها حصيلة سنوية للضحايا بل هي مؤشرات مستخلصة من مسح وطني يبرز تنوع أشكال العنف وانتشارها داخل الفضاءين الخاص والعام.
وإلى جانب نتائج المسح الوطني تكشف معطيات الخط الأخضر 1899 عن استمرار حجم الإشعارات المتعلقة بالعنف ضد المرأة فقد تلقى الخط خلال سنة 2025 ما مجموعه 7397 مكالمة من بينها 4485 بلاغا مرتبطا بحالات عنف ضد النساء وفق المعطيات التي أعلنت خلال مارس 2026 وهذه الأرقام تتعلق بالمكالمات والإشعارات المسجلة عبر الآلية المذكورة ولا تمثل إجمالي الحالات الفعلية في البلاد لكنها تكشف حجم الطلب على خدمات الإنصات والتوجيه والتدخل وتطرح ضرورة تقييم كيفية معالجة هذه البلاغات وعدد الحالات التي أفضت إلى طلبات حماية وإيواء ومتابعة قضائية ومدى ضمان استمرار التعهد بالضحايا بعد أول اتصال.
وعلى ضوء هذه المؤشرات يصبح من المشروع طرح سؤال جوهري حول الفجوة بين النص القانوني والتطبيق الميداني فوجود القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 وإحداث الوحدات المختصة والمرصد الوطني ومراكز التعهد ووضع الخط الأخضر لا يعني بالضرورة أن كل امرأة مهددة قد وصلت إليها الحماية في الوقت المناسب كما أن وجود الإحصائيات لا يكتسب قيمته بمجرد نشرها وإنما بمدى تحويلها إلى سياسات عمومية وقرارات ملموسة وميزانيات وموارد بشرية وآليات تنسيق وتقييم لذلك تقتضي جريمة جبل جلود فتح تحقيق جدي في كل الظروف السابقة للوفاة والتثبت من وجود شكايات أو إشعارات سابقة ومدى التعامل معها وفقا للقانون وتحديد ما إذا كانت قد اتخذت تدابير حماية من عدمه دون المساس بقرينة البراءة أو استباق نتائج البحث.
وبناء على ذلك فإن المطلوب اليوم لا يقتصر على استكمال الأبحاث في الجريمة ومحاسبة مرتكبها بل يمتد إلى مراجعة آليات الاستجابة للتهديدات الخطيرة وضمان سرعة التنسيق بين الوحدات الأمنية والنيابة العمومية وقاضي الأسرة ومندوبي حماية الطفولة والهياكل الصحية والاجتماعية وتدعيم الوحدات المختصة بالتكوين والموارد البشرية والتجهيزات اللازمة وتوحيد معايير تقييم مستوى الخطر ومتابعة الحالات التي تتكرر بشأنها الشكايات وتوفير وسائل الحماية الفعلية للنساء المهددات إلى جانب نشر مؤشرات سنوية دقيقة حول عدد الشكايات وقرارات الحماية ومآل التتبعات والأحكام ومدى تنفيذها حتى يتمكن الرأي العام من تقييم فاعلية المنظومة القانونية والمؤسساتية على أساس النتائج لا التصريحات.
أما بخصوص مطلب العقوبة فإننا نطالب بتطبيق أقصى العقوبات التي يقرها القانون التونسي في حق كل من تثبت مسؤوليته عن هذه الجريمة ونؤكد ضرورة التثبت من جميع الأركان القانونية والظروف المشددة التي قد تجعل الفعل منطبقاً على أحكام الفصل 201 من المجلة الجزائية بما في ذلك ثبوت سابقية القصد عند الاقتضاء وفي هذه الصورة نطالب بتطبيق عقوبة الإعدام المنصوص عليها قانونا مع مراعاة حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة إلى حين صدور حكم بات فالمطالبة بالعدالة لا تعني الانتقام ولا مصادرة اختصاص القضاء بل تعني ألا تتحول جسامة الجريمة إلى مجرد ظرف مخفف في الخطاب العام وألا يقع التهاون في إنفاذ العقوبة التي يوجبها القانون متى ثبتت شروطها.
إن ما حدث في جبل جلود يفرض كذلك مساءلة مجتمعية أعمق حول ثقافة الصمت والتستر على العنف والضغط على النساء من أجل المحافظة على العلاقة الزوجية مهما بلغت كلفة ذلك من أضرار فالأسرة لا تُحمى بإجبار المرأة على البقاء في علاقة يسودها الخوف والتهديد ولا تصان الروابط العائلية بالتنازل عن الحق في السلامة والحياة كما أن مطالبة الضحية بالصبر على الاعتداء أو العودة إلى بيت الزوجية دون تقييم حقيقي لمستوى الخطر قد يحول النوايا المعلنة للإصلاح إلى عامل يزيد من هشاشة وضعها ويعرضها لمزيد من التهديد ولذلك ينبغي أن يكون معيار التدخل هو سلامة المرأة ومصلحتها وحقها في حياة آمنة تحت حماية القانون.
وفي المحصلة فإن جريمة جبل جلود ليست مجرد حادثة قتل تستوجب إدانة مرتكبها فحسب بل هي مناسبة لإعادة التأكيد على أن العنف ضد المرأة مسؤولية قانونية ومؤسساتية تبدأ بالوقاية وتستمر بالتدخل والحماية ولا تنتهي إلا بالمحاسبة والإنصاف وأن كل تهديد جدي يجب أن يؤخذ على محمل الجد وكل شكاية يجب أن تحظى بالمتابعة وكل طفل يتأثر بالعنف الأسري يجب أن يجد الدولة حاضرة لحمايته ورعايته فالحق في الحياة لا يقبل المساومة والكرامة الإنسانية لا تخضع لسلطة أحد ورابطة الزواج لا تمنح حصانة من القانون ولا تسقط مسؤولية الاعتداء.
*جبل جلود اليوم أمام القضاء وأمام ضمير المجتمع وأمام مؤسسات الدولة والواجب يقتضي كشف الحقيقة كاملة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وإنزال أقصى العقوبات التي يجيزها القانون وضمان مستقبل آمن للرضيعة ومراجعة كل ثغرة يمكن أن تسمح بتكرار هذه المأساة فلا قيمة لقوانين لا تجد طريقها إلى حماية الإنسان ولا معنى لخطاب مناهضة العنف إذا ظلت المرأة وحدها في مواجهة الخطر ولا عدالة تكتمل دون مساءلة وإنصاف وتطبيق صارم للقانون.*



