القاهرة تجمع خبراء المال والتكنولوجيا.. ملتقى ELITES 2026 المصري الليبي يؤسس لشراكة رقمية تعيد رسم مستقبل القطاع المالي

القاهرة تجمع خبراء المال والتكنولوجيا.. ملتقى ELITES 2026 المصري الليبي يؤسس لشراكة رقمية تعيد رسم مستقبل القطاع المالي

✍️ بقلم: طه المكاوي

لم تعد التكنولوجيا المالية مجرد مسار لتطوير الخدمات المصرفية أو تحديث وسائل الدفع الإلكتروني، بل تحولت إلى أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي، وأصبحت الدول التي تستثمر في الابتكار الرقمي والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على جذب الاستثمارات وتعزيز النمو الاقتصادي وتحقيق الشمول المالي.

وفي هذا السياق، اكتسب ملتقى ELITES 2026 المصري الليبي للتكنولوجيا المالية، الذي استضافته القاهرة على مدار ثلاثة أيام، أهمية خاصة باعتباره منصة إقليمية جمعت كبار المسؤولين والخبراء والمصرفيين ورواد التكنولوجيا من مصر وليبيا، بهدف رسم ملامح مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والرقمي بين البلدين.

جاء انعقاد الملتقى في توقيت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة في القطاع المالي، مع تصاعد الاعتماد على الحلول الرقمية، وتنامي دور الذكاء الاصطناعي، وتزايد التحديات المرتبطة بالأمن السيبراني، وهو ما منح جلساته طابعًا عمليًا واستراتيجيًا، تجاوز حدود النقاش النظري إلى طرح رؤى وخطط قابلة للتنفيذ.

افتتاح يعكس عمق العلاقات المصرية الليبية

شهدت الجلسة الافتتاحية حضورًا واسعًا من ممثلي البنوك المركزية والمؤسسات المصرفية وشركات التكنولوجيا المالية وخبراء الأمن السيبراني، في مشهد عكس حجم الاهتمام الذي يحظى به القطاع المالي الرقمي في البلدين.

وأكدت الكلمات الافتتاحية أن العلاقات المصرية الليبية دخلت مرحلة جديدة تقوم على الشراكة في الاقتصاد الرقمي، وأن التكنولوجيا المالية أصبحت إحدى الأدوات الرئيسية لتعزيز التعاون الاقتصادي، خاصة مع ما تمتلكه مصر من خبرات متقدمة في مجالات التحول الرقمي، وما تسعى إليه ليبيا من تطوير بنيتها التحتية المالية وإعادة بناء مؤسساتها وفق أحدث المعايير الدولية.

وشدد المتحدثون على أن التحول الرقمي لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة الاقتصاد العالمي، وأن المؤسسات المالية مطالبة بتطوير خدماتها بما يواكب تطلعات العملاء، مع الحفاظ في الوقت ذاته على أعلى مستويات الحماية والأمان.

ثلاثة أيام من النقاشات المتخصصة

تنوعت جلسات الملتقى بين التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والحوكمة وإدارة المخاطر والأمن السيبراني والخدمات المصرفية الذكية والامتثال الرقابي.

وناقش المشاركون مستقبل المحافظ الإلكترونية، ومنصات الدفع الرقمي، والخدمات المصرفية المفتوحة، ودور البيانات الضخمة في تحسين جودة الخدمات المالية، إلى جانب استعراض أحدث التجارب الدولية في تطوير القطاع المالي.

كما ركزت الجلسات على أهمية الاستثمار في العنصر البشري، باعتباره الركيزة الأساسية لنجاح التحول الرقمي، مؤكدين أن التكنولوجيا مهما بلغت من التطور لن تحقق أهدافها دون كوادر مؤهلة تمتلك المهارات اللازمة لإدارتها وتطويرها.

التكنولوجيا المالية بين الفرص والتحديات

أكد المشاركون أن التكنولوجيا المالية أصبحت أحد أهم القطاعات الجاذبة للاستثمار، حيث تسهم في تسريع الخدمات المصرفية، وخفض التكاليف التشغيلية، وتحسين تجربة العملاء، وتعزيز الشمول المالي، خاصة في المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات البنكية التقليدية.

وفي المقابل، أشار الخبراء إلى أن هذا التطور السريع يصاحبه ارتفاع في حجم المخاطر الإلكترونية، وهو ما يجعل الاستثمار في الأمن السيبراني ضرورة لا تقل أهمية عن الاستثمار في التكنولوجيا نفسها.

الأمن السيبراني… من الامتثال إلى المرونة

حظيت جلسات الأمن السيبراني باهتمام واسع، خصوصًا في اليوم الثالث من الملتقى، حيث استعرض الخبراء مفهوم المرونة السيبرانية باعتباره الجيل الجديد من استراتيجيات حماية المؤسسات المالية.

وأظهرت إحدى الشرائح، التي حملت عنوان “Libya’s Cyber Resilience Starts Here”، أن الهدف لم يعد يقتصر على الالتزام بالمعايير الأمنية، وإنما الانتقال إلى بناء مؤسسات قادرة على اكتشاف الهجمات الإلكترونية، واحتوائها، واستعادة نشاطها بسرعة، بما يضمن استمرارية الخدمات وعدم فقدان ثقة العملاء.

كما تضمن العرض تقييمًا لنضج الأمن السيبراني في المؤسسات وفق إطار COBIT 2019، الذي شمل سبعة عشر محورًا، من بينها الحوكمة، وإدارة المخاطر، وأمن المعلومات، وإدارة الهوية، واستمرارية الأعمال، مع تقديم خارطة طريق عملية للارتقاء بهذه المنظومة.

وأكد الخبراء أن الأمن السيبراني لم يعد مسؤولية إدارات تقنية المعلومات فقط، بل أصبح جزءًا من الإدارة الاستراتيجية للمؤسسات المالية، وعنصرًا رئيسيًا في قرارات الاستثمار.

الذكاء الاصطناعي… الوجه الآخر للثورة الرقمية

ومن أكثر الجلسات التي جذبت اهتمام المشاركين تلك التي تناولت تأثير الذكاء الاصطناعي على الأمن السيبراني، تحت عنوان “The AI Threat Multiplier”.

وأوضحت الجلسة أن الذكاء الاصطناعي، رغم دوره الكبير في تطوير الخدمات المالية، أصبح في الوقت نفسه أداة بيد المهاجمين الإلكترونيين، الذين باتوا يستخدمونه في تنفيذ هجمات أكثر تعقيدًا وسرعة.

وتطرقت المناقشات إلى مخاطر التزييف العميق (Deepfake)، الذي يمكن من خلاله انتحال أصوات وصور المسؤولين التنفيذيين، بما قد يؤدي إلى تنفيذ تحويلات مالية احتيالية أو اختراق أنظمة التحقق من الهوية.

كما تناولت الجلسة تطور رسائل التصيد الإلكتروني التي أصبحت تُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة، ويستدعي الاعتماد على حلول أمنية تعتمد بدورها على الذكاء الاصطناعي لتحليل السلوك واكتشاف الأنماط غير الطبيعية.

مصر وليبيا… شراكة تتجاوز حدود المؤتمر

أثبت الملتقى أن التعاون بين مصر وليبيا في مجال التكنولوجيا المالية لا يقتصر على تنظيم المؤتمرات، بل يمثل خطوة نحو بناء شراكات طويلة الأمد تشمل تبادل الخبرات، وتطوير الكفاءات، وإطلاق مشروعات مشتركة في مجالات المدفوعات الرقمية، والأمن السيبراني، والابتكار المالي.

كما أكد المشاركون أن توحيد الرؤى بين المؤسسات المالية في البلدين سيسهم في تسهيل حركة الاستثمار والتجارة، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتهيئة بيئة رقمية أكثر جذبًا لرؤوس الأموال.

ختام يضع خارطة طريق للمستقبل

في الجلسة الختامية، أجمع المشاركون على نجاح الملتقى في تحقيق أهدافه، مؤكدين أن الحوار الذي دار خلال الأيام الثلاثة أسهم في بلورة رؤية مشتركة لمستقبل التكنولوجيا المالية في المنطقة.

ودعت التوصيات إلى مواصلة عقد مثل هذه الملتقيات بصورة دورية، وتوسيع نطاق التعاون في مجالات التدريب والبحث العلمي، وتطوير الأطر التشريعية، والاستثمار في الأمن السيبراني، ودعم الشركات الناشئة، وتبني حلول الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة وآمنة.

كما شددت على ضرورة بناء ثقافة مؤسسية تجعل الأمن السيبراني جزءًا من عملية صنع القرار، وليس مجرد وسيلة للحماية التقنية، بما يعزز ثقة المستثمرين والعملاء في المنظومة المالية الرقمية.

مستقبل يبدأ من التعاون

لم يكن ملتقى ELITES 2026 المصري الليبي للتكنولوجيا المالية مجرد حدث تقني، بل رسالة تؤكد أن المستقبل الاقتصادي للمنطقة سيُبنى على الابتكار، والشراكات الإقليمية، والاستثمار في المعرفة، وحماية البنية التحتية الرقمية. وقد نجحت القاهرة في احتضان حوار مهني رفيع المستوى، جمع بين الرؤية الاستراتيجية والخبرة العملية، وفتح آفاقًا جديدة أمام التعاون بين مصر وليبيا في واحدة من أكثر الصناعات نموًا وتأثيرًا في الاقتصاد العالمي.

لقد خرج المشاركون بقناعة مشتركة مفادها أن التكنولوجيا المالية لم تعد رفاهية، وأن الأمن السيبراني لم يعد خيارًا، وأن الذكاء الاصطناعي، رغم ما يحمله من فرص هائلة، يفرض تحديات تستوجب العمل المشترك والتخطيط بعيد المدى. ومن هنا، فإن ما تحقق في القاهرة لا يمثل نهاية ملتقى، بل بداية لمسار جديد من التكامل الرقمي بين البلدين، يمكن أن يمتد أثره إلى المنطقة العربية بأسرها، ويؤسس لاقتصاد أكثر مرونة، وقطاع مالي أكثر ابتكارًا، ومستقبل رقمي أكثر أمنًا واستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى