التغير المناخي… من التحذير إلى الاحتراق هل أصبح العالم يعيش عصر الكوارث المناخية؟

بقلم: ناصر السلاموني
لم يعد التغير المناخي قضية علمية تُناقش في المؤتمرات أو تحذيرًا يرد في تقارير الباحثين، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على حياة الملايين في مختلف أنحاء العالم. فحرائق الغابات التي اجتاحت شمال أفريقيا وجنوب أوروبا، والفيضانات التي أغرقت مدنًا بأكملها، وموجات الحر القياسية التي حطمت الأرقام التاريخية، والجفاف الذي يهدد الأمنين الغذائي والمائي، كلها تؤكد أن العالم انتقل من مرحلة التحذير إلى مرحلة الاحتراق، بفعل الأنشطة البشرية وما ترتب عليها من تغيرات واسعة في النظام المناخي للأرض.
لقد حذرت الأوساط العلمية منذ عقود من أن استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري، والتوسع الصناعي غير المنضبط، وإزالة الغابات، سيؤدي إلى اضطراب غير مسبوق في مناخ الأرض. ومع ذلك، ظل السعي إلى تحقيق النمو الاقتصادي في كثير من الأحيان يتقدم على الاعتبارات البيئية، وتأخر تنفيذ الإجراءات الكفيلة بخفض الانبعاثات، حتى أصبحت آثار الأزمة أكثر وضوحًا واتساعًا، ولم تعد تقتصر على توقعات المستقبل، بل باتت واقعًا يعيشه العالم يومًا بعد يوم.
ومنذ قمة الأرض في ريو دي جانيرو عام 1992، مرورًا ببروتوكول كيوتو، واتفاق باريس للمناخ، ثم مؤتمري شرم الشيخ ودبي، تعهد المجتمع الدولي باتخاذ خطوات للحد من التغير المناخي، ودعم الدول الأكثر تضررًا، وتعزيز مبادئ العدالة المناخية. غير أن الفجوة بين التعهدات والتنفيذ ما زالت قائمة، بينما تستمر الانبعاثات العالمية عند مستويات مرتفعة، وتتسارع آثار التغير المناخي بوتيرة تفوق كثيرًا سرعة الاستجابة الدولية، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة النظام الدولي على تحويل الالتزامات إلى واقع ملموس.
وفي خضم هذا المشهد، برز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الحروب والنزاعات المسلحة. فالصراعات لا تخلف ضحايا بشرية ومادية فحسب، بل تمتد آثارها إلى البيئة من خلال تلوث الهواء والمياه والتربة، وتدمير الغابات والموارد الطبيعية،بل وتدمير ناقلات النفط العملاقة وتعطيل جهود التنمية والعمل المناخي. كما يثير توظيف بعض مشروعات السدود في سياقات سياسية أو صراعات إقليمية مخاوف لدى الدول المشاركة في الأحواض من المنبع إلى المصب، لما قد يترتب عليه من تأثيرات في تدفقات المياه والأمن المائي والتنمية، إذا غابت آليات التعاون والاتفاق العادل بين هذه الدول. وبينما يسعى العالم إلى خفض الانبعاثات، تستمر النزاعات في فرض أعباء بيئية إضافية، وتحويل الموارد من الاستثمار في التنمية إلى الإنفاق على التسلح وإعادة الإعمار.
أما العالم العربي، فيجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج؛ فهو من أكثر مناطق العالم تعرضًا لندرة المياه، والتصحر، وارتفاع درجات الحرارة، وفي الوقت نفسه تواجه بعض دوله آثار نزاعات ممتدة وأعباء اقتصادية وتنموية، الأمر الذي يجعل التكيف مع التغير المناخي أكثر صعوبة، ويجعل الأمنين المائي والغذائي من أبرز تحديات العقود المقبلة، بما يستدعي تعاونًا إقليميًا ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.
إن التغير المناخي لم يعد قضية بيئية فحسب، بل أصبح قضية تمس الأمن الغذائي، والأمن المائي، والصحة العامة، والاقتصاد، والاستقرار الاجتماعي، بل والأمن القومي للدول. ومن ثم، فإن التعامل معه يتطلب فهمًا شاملًا لأسبابه لتداخل العوامل منها الاقتصادية والسياسية والبيئية، بعيدًا عن التبسيط أو اختزال الأزمة في سبب واحد.
وفي هذه السلسلة، لن نكتفي برصد الظواهر أو تكرار ما يُقال في المؤتمرات الدولية، بل سنحاول تقديم قراءة تحليلية تربط بين التاريخ والواقع، وبين الاقتصاد والسياسة والبيئة، وبين التحديات العالمية والخصوصية العربية، مع طرح رؤى عملية تسهم في فهم الأزمة وآفاق التعامل معها.
ولأن هذه القضية من أعقد القضايا التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين، ولأن الإحاطة بها في مقال واحد أمر غير ممكن، فقد آثرنا أن نفرد لها سلسلة من ستة مقالات، نتناول فيها على التوالي:
الجذور التاريخية لأزمة التغير المناخي ومسؤولية الثورة الصناعية.
الاحتباس الحراري وآثاره على الإنسان والبيئة والاقتصاد العالمي.
مؤتمرات المناخ… بين الطموحات المعلنة وواقع التنفيذ.
الحروب والنزاعات وأثرها في تفاقم الأزمات البيئية والمناخية.
التغير المناخي والعالم العربي… التحديات والفرص.
كيف يواجه العالم أزمة المناخ؟ نحو رؤية أكثر عدلًا واستدامة.
فالقضية لم تعد تتعلق بمستقبل البيئة وحدها، بل بمستقبل الحضارة الإنسانية جمعاء. ورغم أن آثارها تمس الجميع، فإن الدول الأكثر فقرًا، والأقل إسهامًا في الانبعاثات، هي غالبًا الأكثر تعرضًا لتداعياتها، وهو ما يجعل مواجهة التغير المناخي مسؤولية مشتركة، تتطلب تعاونًا دوليًا حقيقيًا، وإرادة سياسية تتجاوز المصالح الآنية، حفاظًا على حق الأجيال القادمة في كوكب أكثر أمنًا واستدامة.


